عندما يتجاوز الاقتصاد حدوده

لا يبدو أن التحولات السياسية والاقتصادية الراهنة سلسلةٌ من الأحداث المنفصلة، بل هي، رغم اختلاف مظاهرها، تعبيراتٌ عن تحوّل أعمق في بنية العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والدولة.

تقوم هذه المقالة على فرضية بسيطة، لكنها ذات تبعات واسعة: أن الاقتصاد العالمي، بفعل العولمة والتحوّل الرقمي، تجاوز تدريجياً الإطار الذي نشأ داخله، أي الدولة القومية، في حين ظلَّ العقد الاجتماعي، بما يتضمنه من حقوق والتزامات، مرتبطاً بهذا الإطار. وفي هذه المسافة بين اقتصاد عابر للحدود وعقد اجتماعي وطني، تتشكّل كثير من توترات المرحلة الراهنة.

ولا يُعبّر هذا الاختلال فقط عن تغيّرٍ في حجم الاقتصاد أو سرعته، بل عن عدم تطابق بين نطاقين: نطاق إنتاج وتوزيع القيمة، ونطاق تنظيمها سياسياً واجتماعياً. وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يُمكن لمؤسسات وطنية أن تُدير اقتصاداً لم يَعُد يتشكّل داخل حدودها؟

لفهم هذه الديناميكية، تستند هذه المقالة إلى مقاربتين متكاملتين؛ أعمال كارل بولاني (Karl Polanyi) التي تُقدِّم إطاراً يُفسِّر كيف يؤدي توسّع السوق إلى تفكيك علاقاته الاجتماعية، وما يستتبعه ذلك من ردود فعل تهدف إلى إعادة «تضمينه» داخل المجتمع. وداني رودريك (Dani Rodrik) الذي يوضّح لماذا تصطدم هذه المحاولات بحدود بنيوية، حيث يُصبِح من الصعب التوفيق بين عولمة اقتصادية عميقة، وديمقراطية تستجيب للمجتمع، وسيادة وطنية فاعلة. ويُتيح هذا الجمع بين المقاربتين الانتقال من تفسير التوتر بوصفه ظاهرة ظرفية إلى فهمه كقيدٍ بنيويٍّ مستمرٍ.

ومن خلال هذا المنظور، لا تسعى المقالة فقط إلى تفسير لماذا تنشأ التوترات، بل أيضاً لماذا تستمر. فهي لا تنطلق من افتراض وجود خللٍ عابرٍ يُمكن تصحيحه بسهولة، بل من وجود قيد هيكلي يجعل إعادة التوازن عملية مُعقّدة ومستمرة.

في هذا السياق، يُمكن قراءة ظواهر مثل صعود دونالد ترامب، أو تزايد اللجوء إلى أدوات اقتصادية في الصراع الدولي، ليس كاستثناءات عن النظام، بل كمؤشرات على محاولات إعادة التفاوض في العلاقة بين الاقتصاد والدولة. وهو ما يجعل من الضروري الانتقال من تفسير الأحداث إلى فهم البنية التي تُنتِجها.

وعليه، تنطلق هذه المقالة من تحليل هذه الفجوة، وتتتبع تجلياتها عبر مستويات متعددة: من الديناميكيات الاجتماعية التي وصفها بولاني، إلى القيود المؤسسية التي أبرزها رودريك، مروراً بترجمتها السياسية، ووصولاً إلى تعقيداتها في العصر الرقمي.

كيف يتوسَّع الاقتصاد خارج المجتمع

إذا كانت التوترات الراهنة تعكس فجوة متزايدة بين اقتصاد عابر للحدود وعقد اجتماعي وطني، فإن فهم نشوء هذه الفجوة يتطلب العودة إلى التحوّل الذي أعاد تعريف موقع الاقتصاد داخل المجتمع. هنا تكتسب أعمال كارل بولاني أهمية خاصة، لأنها لا تنظر إلى السوق كنظام تقني محايد، بل كظاهرة تاريخية ارتبطت بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية ذاتها.

ينطلق بولاني من فكرة أن النشاط الاقتصادي، في معظم المجتمعات السابقة، لم يكن مجالاً مستقلاً في ذاته، بل كان «مُضمَّناً» داخل منظومة أوسع من الأعراف والمؤسسات. لم تكن الأسواق تحكم المجتمع، بل كانت تعمل ضمن حدوده. غير أن هذا الترتيب بدأ يتغير مع صعود الرأسمالية الحديثة، حيث أخذ الاقتصاد يكتسب استقلالاً متزايداً، ويعمل وفق منطقه الخاص القائم على الأسعار والمنافسة.

هذا التحول – الذي يصفه بولاني بـ«تفكيك التضمين» – لم يقتصر على توسيع نطاق السوق، بل غيّر طبيعة العلاقة بين الإنسان والاقتصاد. فقد أُعيد تعريف عناصر أساسية مثل العمل والأرض كسلع قابلة للتبادل، ما سمح بدمجها في منطق السوق، لكنه في الوقت نفسه فصلها عن السياقات الاجتماعية التي كانت تضبط استخدامها.

في هذا الإطار، لا يظهر التوسّع الاقتصادي كعملية طبيعية، بل كتحوّل مؤسسي يُعيد توزيع السلطة بين السوق والمجتمع. فكلما توسّع نطاق السوق، تراجعت قدرة الأُطر الاجتماعية على تنظيمه، وازدادت احتمالات التوتر وعدم الاستقرار.

غير أن تحليل بولاني لا يتوقف عند وصف هذا التوسّع، بل يبرز أيضاً ما يسميه «الحركة المزدوجة»: فاندفاعُ السوق نحو التحرّر يُقابله دائماً ردّ فعل اجتماعي يسعى إلى إعادة فرض حدود عليه. هذا الرد – سواء في شكل تشريعات العمل أو سياسات الحماية – يعكس محاولة مستمرة لإعادة تضمين الاقتصاد داخل إطار اجتماعي أوسع.

في السياق الراهن، تأخذ هذه الديناميكية بعداً مختلفاً. فالمشكلة لم تَعُد فقط في توسّع السوق داخل المجتمع، بل في اتساع نطاقه خارج الإطار الوطني الذي يفترض أن يوفر الحماية الاجتماعية. وبهذا المعنى، تتحول «الحركة المزدوجة» إلى توتر بين مستويين: اقتصاد يعمل عبر الحدود، ومجتمع لا يزال منظماً داخلها.

ومن هنا، لا تعكس الفجوة التي أشرنا إليها مجرد تأخر في استجابة السياسة، بل نتيجة لمسار تاريخي أعاد تشكيل موقع الاقتصاد وحدوده. وهو ما يجعل محاولات إعادة التوازن، مهما كانت، جزءاً من ديناميكية مستمرة لا نقطة نهاية لها، فهي عملية دائمة لإدارة العلاقة بين اقتصاد يتوسع خارج حدوده والأطر الاجتماعية التي تسعى إلى احتوائه.

حدود التوازن

إذا كان تحليل كارل بولاني يوضح كيف يؤدي توسّع السوق إلى تفكيك علاقاته الاجتماعية وظهور ردود فعل تهدف إلى إعادة ضبطه، فإنه يترك سؤالاً مفتوحاً: لماذا تبدو هذه المحاولات، رغم تكرارها، غير قادرة على إعادة التوازن بشكل مستقر؟ هنا يُقدِّم داني رودريك مدخلاً مكملاً، يُسلِّط الضوء على القيود البنيوية التي تحكم أي محاولة لتنظيم الاقتصاد في سياق عالمي.

ينطلق رودريك من فكرة أن التوتر بين الاقتصاد والمجتمع ليس مجرد نتيجة لسرعة التغيّر، بل يعكس حدوداً كامنة في بنية النظام نفسه. فمع تعمّق الاندماج في الاقتصاد العالمي، تصبح قدرة الدولة القومية على صياغة سياسات مستقلة أكثر تقييداً، خصوصاً عندما تتعارض هذه السياسات مع متطلبات الانفتاح الاقتصادي.

ويصوغ رودريك هذا التوتر في شكل ثلاثي لا يُمكن تحقيق أركانه كاملة في الوقت نفسه: عولمة اقتصادية عميقة، وديمقراطية تستجيب لتفضيلات المجتمع، وسيادة وطنية تمكّن الدولة من التحكم في سياساتها. فكل محاولة لتعزيز أحد هذه الأبعاد تأتي على حساب الآخر. فإذا سعت الدولة إلى الحفاظ على انفتاح اقتصادي واسع، تقلصت قدرتها على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، وإذا حاولت توسيع هذه الاستجابة، اضطرت إلى تقييد الانفتاح أو إعادة التفاوض عليه.

بهذا المعنى، لا تعكس الفجوة التي أشرنا إليها مجرد اختلال يمكن إصلاحه بإرادة سياسية، بل تعبيراً عن قيد هيكلي يحدُّ من قدرة الدولة على إعادة التوازن بين اقتصاد يتجاوز حدودها وعقد اجتماعي يظلُّ مرتبطاً بها. فالأدوات التي تعتمد عليها السياسات العامة، مثل الضرائب، والتنظيم، وإعادة التوزيع، تظلّ محكومة بإطار وطني، في حين أن القوى التي تؤثر في النتائج الاقتصادية تعمل عبر مستويات أوسع.

وتظهر هذه القيود بوضوح في مجالات مثل سلاسل الإمداد العالمية، والاقتصاد الرقمي، وتدفقات رأس المال، حيث يمكن للأنشطة الاقتصادية أن تُعيد تموضعها بسهولة نسبياً استجابة للسياسات المحلية. وفي هذه الحالات، لا يكون التحدي فقط في تنظيم الاقتصاد، بل في القدرة على القيام بذلك دون فقدان مزايا الاندماج في النظام العالمي.

ومن هنا، لا تبدو محاولات «إعادة التضمين» التي أشار إليها بولاني محكومة فقط بإرادة المجتمع، بل بحدود يفرضها شكل العولمة نفسه. وهو ما يفسِّر الطابع الانتقائي وغير المتسق لكثير من السياسات المعاصرة: تشديد في بعض المجالات، وانفتاح في أخرى.

وبذلك، يمكن فهم التوتر الحالي ليس كمرحلة انتقالية قصيرة، بل كحالة مستمرة من الموازنة بين خيارات متعارضة. وهي موازنة لا تُحسَم نهائياً، بل تُدار عبر قرارات سياسية تعكس أولويات كل مجتمع وحدود موقعه في النظام العالمي. وفي هذا الإطار، تُصبح الظواهر السياسية، ومنها صعود دونالد ترامب، جزءاً من هذه الإدارة المستمرة للتوتر، وتعبيراً عن حدود ما يمكن تحقيقه ضمن هذه القيود، لا خروجاً عنها.

ترامب وتسييس الاقتصاد

إذا كانت الفجوة بين اقتصاد عابر للحدود وعقد اجتماعي وطني تعكس قيداً بنيوياً كما أوضح داني رودريك، فإن السياسة لا تستطيع تجاهل هذا القيد، بل تسعى إلى التعامل معه ضمن حدود الممكن. في هذا السياق، يمكن فهم صعود دونالد ترامب ليس كاستثناء في النظام، بل كأحد أشكال الاستجابة له.

لا ينطلق الخطاب الترامبي من نظرية اقتصادية متماسكة بقدر ما يعيد صياغة المشكلة بلغة مباشرة: هناك اقتصاد يعمل وفق قواعد لا تخضع لرقابة المجتمع، ونخب تستفيد من هذا الانفصال. ومن هنا، تتحول قضايا مثل التجارة، والهجرة، والسيادة، إلى أدوات لإعادة طرح السؤال الأساسي: من يملك القدرة على توجيه الاقتصاد؟

ولا ينفصل هذا التوجّه عن طبيعة القاعدة الاقتصادية التي ينتمي إليها ترامب، والتي ترتبط بدرجة أكبر بأنشطة محلية تعتمد على الإطار التنظيمي الوطني، بخلاف نماذج رأسمالية أخرى أكثر انخراطاً في الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنظور، لا يعكس خطابه تناقضاً بين كونه رجل أعمال وانتقاده لبعض مظاهر الليبرالية الاقتصادية، بقدر ما يعكس اختلافاً داخل الرأسمالية نفسها، بين أنماط تستفيد من الانفتاح العالمي، وأخرى تسعى إلى إعادة تسييسه بما يتوافق مع أولويات وطنية.

على مستوى السياسات، تأخذ هذه المقاربة شكل مزيج غير متجانس من الإجراءات: فرض قيود تجارية، إعادة التفاوض على الاتفاقيات، الضغط لإعادة توطين بعض الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب استمرار دعم قطاعات من رأس المال. ولا يعكس هذا التباين تناقضاً بقدر ما يعكس محاولة استخدام أدوات متاحة داخل إطار مُقيّد.

بهذا المعنى، تُمثّل هذه السياسات نوعاً من «تسييس الاقتصاد»، أي إعادة إدخاله جزئياً ضمن نطاق القرار الوطني بعد عقود من تقديمه كفضاء مستقل تحكمه قواعد السوق. غير أن هذه المحاولة لا تهدف إلى إنهاء العولمة بقدر ما تسعى إلى إعادة تشكيل شروطها بما يتوافق مع أولويات داخلية.

ويُمكن قراءة هذه المقاربة أيضاً في ضوء ما يوصف أحياناً بالميل نحو سياسات أقرب إلى النيوميركانتيلية، حيث ينظر إلى التجارة والتدفقات الاقتصادية من زاوية توازن القوى والمصالح الوطنية، لا من زاوية الكفاءة فقط. وفي هذا الإطار، يصبح الاقتصاد أداة في الصراع على الموقع داخل النظام العالمي، لا مجرد مجال للتبادل.

غير أن هذه الاستجابة تظلّ جزئية. فهي قد تعيد بعض أدوات التحكم إلى الدولة، لكنها لا تزيل القيود التي أشار إليها رودريك، ولا تعيد الاقتصاد إلى نطاق يمكن التحكم فيه بالكامل. وهو ما يفسر استمرار التوترات، بل وتحولها إلى مجالات أخرى، سواء في العلاقات الدولية أو داخل المجال الاجتماعي.

ومن هنا لا تبدو الشعبوية، في هذه الحالة، رفضاً للنظام القائم بقدر ما هي محاولة لإعادة التفاوض على قواعده من داخل حدوده. وهي محاولة تكشف، بقدر ما تحاول الحل، عن عمق القيد الذي تعمل ضمنه، وتُعبِّر عن حدود ما يمكن تحقيقه ضمنه.

وفي هذا السياق، تكتسب التوترات الجيوسياسية بعداً إضافياً، حيث لا تنفصل عن هذه الديناميكيات، بل تتقاطع معها، ما يجعل الاقتصاد نفسه ساحة للصراع، لا مجرد خلفية له.

الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

إذا كانت سياسات مثل تلك التي ارتبطت بصعود ترامب تُمثِّل محاولة لإعادة تسييس الاقتصاد داخل الإطار الوطني، فإن التحوّل الرقمي يطرح تحدياً أعمق: ليس فقط توسيع نطاق الاقتصاد خارج الحدود، بل إعادة تعريف طبيعته وحدوده نفسها.

في الاقتصاد الصناعي، ظلّ بالإمكان، ولو جزئياً، ربط النشاط الاقتصادي بمواقع جغرافية محدّدة، ما أتاح للدولة أدوات تنظيم تقليدية، من الضرائب إلى سياسات العمل. أمّا في الاقتصاد الرقمي، فإن عناصر القيمة الأساسية، كالبيانات والخوارزميات والمنصات، لم تعد ترتبط بالدرجة نفسها بإقليم معيَّن، بل تتشكّل عبر شبكات عابرة للحدود يصعب احتواؤها داخل إطار وطني واحد.

ولا يُسرِّع هذا التحوّل الفجوةَ التي أشرنا إليها فحسب، بل يُغيّر طبيعتها. فالمسألة لم تَعُد تتعلق بقدرة الدولة على تنظيم تدفقات قائمة، بل بقدرتها على تحديد المجال نفسه الذي تُمارَس فيه هذه التنظيمات. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، تتعزّز هذه الديناميكية، حيث تُصبح السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية مصدراً رئيسياً للقوة الاقتصادية والسياسية.

من منظور كارل بولاني، يُمكن قراءة هذا التطور كمرحلة أعمق من «تفكيك التضمين»، حيث يمتد منطق السوق إلى مجالات مثل المعرفة والانتباه البشري، التي لم تكن تقليدياً جزءاً من المجال الاقتصادي. وفي المقابل، تتصاعد محاولات «إعادة التضمين» عبر التنظيم الرقمي، لكنها تواجه حدوداً تتعلق بقدرة الدولة على فرض قواعدها في فضاء غير مُحدَّد جغرافياً.

أمّا من زاوية داني رودريك، فإن الاقتصاد الرقمي يزيد من حدة القيود التي تحكم العلاقة بين العولمة والسيادة والديمقراطية. فكلما ازدادت أهمية التدفقات الرقمية، أصبح من الصعب الحفاظ على سيطرة وطنية فعّالة دون تقييد الانفتاح، أو الحفاظ على هذا الانفتاح دون تقليص القدرة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية.

وفي هذا السياق، تتجه بعض الدول إلى تعزيز ما يُعرف بـ«السيادة الرقمية»، في محاولة لإعادة رسم حدود قابلة للإدارة داخل فضاء غير محدود، بينما تسعى دول أخرى إلى بناء أُطر تنظيمية عابرة للحدود، إدراكاً منها أن التعامل مع هذه التحديات يتجاوز قدرة الدولة الفردية.

غير أن كِلا المسارين يعكسان حقيقة واحدة: أن الفجوة بين الاقتصاد والعقد الاجتماعي لم تعد فقط أوسع، بل أصبحت أكثر تعقيداً، لأنها تتعلق الآن بتعريف المجال ذاته الذي يفترض أن تنطبق عليه قواعد هذا العقد.

وفي هذه المرحلة، لا يقتصر التوتر على العلاقة بين السوق والمجتمع، بل يمتد إلى إعادة تشكيل مصادر القوة نفسها، حيث تُصبِح التكنولوجيا والبيانات ساحة مركزية للصراع الدولي، وتبرز نماذج مختلفة لإدارة العلاقة بين الدولة والاقتصاد في هذا السياق الجديد.

الجيوسياسة وتسييس العولمة

إذا كان التحوُّل الرقمي قد أعاد تعريف طبيعة الاقتصاد وحدوده، فإن التوترات الجيوسياسية تكشف بُعداً آخر من هذه التحولات: لم يعد الاقتصاد مجرد مجال للتبادل، بل أصبح ساحة للصراع بين الدول. وفي هذا السياق، لم يعد من الممكن فصل الديناميكيات الاقتصادية عن الاعتبارات الأمنية والسياسية، إذ أصبحت متداخلة بشكل متزايد.

تعكس هذه التطورات تحوُّلاً أعمق في طبيعة النظام الدولي. فالعولمة، التي قُدِّمت لعقود كإطار لتعزيز الترابط وتقليل الصراع، لم تختفِ، لكنها لم تعد تعمل وفق المنطق نفسه. فقد أصبحت، بشكل متزايد، مجالاً تُمارِس فيه الدول قوتها، سواء عبر التحكم في سلاسل الإمداد، أو استخدام العقوبات، أو توظيف التكنولوجيا كأداة نفوذ.

من هذا المنظور، يمكن فهم التصعيدات المرتبطة بإيران لا كحدث منفصل، إنما كجزء من هذا التحول. فالصراعُ لا يدور فقط حول اعتبارات عسكرية، بل يشمل أيضاً التحكُم في تدفقات الطاقة، وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، واستخدام الأدوات المالية كوسيلة ضغط، ما يعكس اندماجاً متزايداً بين منطق السوق ومنطق القوة.

بهذا المعنى، لا تعود الجيوسياسة خارج الاقتصاد، بل تصبح امتداداً له. فالدول لا تتنافس فقط على النفوذ العسكري، بل على القدرة على تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي نفسه. وفي هذا السياق، يصبح تسييس الاقتصاد، الذي ظهر في السياسات الداخلية، جزءاً من تسييس أوسع للعولمة على المستوى الدولي.

ويكشف هذا التحوُّل أيضاً حدود النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي افترض إمكانية الفصل النسبي بين الاقتصاد والسياسة على المستوى الدولي. فمع تصاعد المنافسة، لم يعد هذا الفصل قابلاً للاستمرار، ما يدفع الدول إلى إعادة إدخال الاعتبارات الاستراتيجية في مجالات كانت تُدار سابقاً وفق منطق اقتصادي بحت.

ومن هنا، لا تبدو التوترات الجيوسياسية الحالية مجرد انحراف عن مسار العولمة، بل مرحلة يُعاد فيها تشكيلها تحت ضغط الصراع. وهو ما يُعيدنا إلى الفجوة التي انطلقنا منها: فمحاولات الدولة لاستعادة السيطرة على الاقتصاد لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى الساحة الدولية، حيث تصبح أدوات العولمة نفسها موضوعاً للصراع.

وفي هذا السياق، تبرز نماذج مختلفة لإدارة العلاقة بين الدولة والاقتصاد. فبينما تعكس المقاربة المرتبطة بدونالد ترامب محاولة لإعادة إدخال الاعتبارات السياسية في اقتصاد اعتاد على قدر من الاستقلال، يُقدِّم النموذج الذي تُمثّله الصين صيغة مختلفة لم تَعرف هذا الفصل بالدرجة ذاتها، حيث ظلّ الاقتصاد مُدمجاً ضمن إطار سياسي أكثر تماسكاً. غير أن هذا التباين لا يعكس اختلافاً في الاتجاه بقدر ما يعكس اختلافاً في درجة التنظيم المؤسسي، وفي كيفية إدارة التوتر نفسه بين منطق السوق ومنطق الدولة.

إدارة الفجوة في عالم يُعيد تعريف نفسه

إذا كان ما جمع بين مختلف التحولات التي تناولناها هو اتساع الفجوة بين اقتصاد يتجاوز الحدود وعقد اجتماعي يظلّ وطنياً، فإن التحدي الذي يفرض نفسه لا يتعلق باستعادة توازن سابق، بل بإدارة توتر أصبح جزءاً من بنية النظام نفسه.

فالدولة القومية، التي شكّلت تاريخياً الإطار الذي يجمع بين النشاط الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي والسياسي، لم تختفِ، لكنها لم تعد قادرة على احتواء اقتصاد يعمل عبر مستويات تتجاوز حدودها. وفي المقابل، لم يتحول الاقتصاد إلى نظام مستقل بالكامل، بل ظلّ يعتمد، بأشكال مختلفة، على الأطر السياسية التي تسعى إلى تنظيمه. ما تغيّر هو طبيعة العلاقة بينهما: لم تَعُد علاقة احتواء واستقرار، بل علاقة تفاوض مستمر.

في هذا السياق، لا تبدو الظواهر التي ناقشناها – من تسييس الاقتصاد، إلى صعود أنماط جديدة من الفعل السياسي، إلى التوترات الجيوسياسية – كاستثناءات، بل كاستجابات مختلفة لمحاولة تقليص هذه الفجوة ضمن حدود ما تسمح به البنية القائمة. فهي تعكس سعياً لإعادة إدخال الاقتصاد في نطاق يمكن التحكم فيه سياسياً، دون القدرة على تحقيق ذلك بشكل كامل.

في ضوء هذه التحولات، يمكن تمييز ثلاثة أنماط رئيسية لتنظيم العلاقة بين الدولة والسوق. يقوم النموذج الليبرالي على افتراض استقلال نسبي للاقتصاد، حيث تعمل الأسواق وفق منطقها الخاص ضمن إطار تنظيمي محدود. في المقابل، يُقدِّم النموذج الذي تُمثّله الصين صيغة مختلفة تقوم على دمج عميق بين الدولة والاقتصاد، حيث تستخدم آليات السوق ضمن استراتيجية سياسية أوسع تهدف إلى توجيه التنمية وتعزيز القوة الاقتصادية. أمّا المقاربة المرتبطة بدونالد ترامب فتعكس محاولة لإعادة إدخال الاعتبارات السياسية في عمل السوق، من خلال أدوات مثل الحماية التجارية والضغط لإعادة توطين الأنشطة، لكنها تظل أقل تماسكاً مؤسسياً مقارنة بالنموذج الصيني. وفي هذا التباين، لا يظهر اختلاف في الاتجاه بقدر ما يظهر اختلاف في درجة تنظيم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفي قدرة الدولة على إدارة هذا التوتر ضمن سياق عالمي متشابك.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع التحوّل الرقمي، حيث لا تتسع الفجوة فقط، بل تتغير طبيعتها، إذ يصبح من الصعب حتى تحديد المجال الذي تُمارَس فيه أدوات التنظيم. وفي الوقت نفسه، لا تظل آثار هذه الفجوة محصورة في المجال الاقتصادي، بل تمتد، بشكل غير مباشر، إلى كيفية إدراك الأفراد لموقعهم داخل المجتمع.

ولا يقتصر هذا التحليل على فهم التحولات، بل يطرح أيضاً تحدياً عملياً: إذ لم يَعُد ممكناً الاعتمادُ على أدوات تنظيم وطنية تقليدية في مواجهة اقتصاد عابر للحدود، كما لم يعد ممكناً التخلي عنها دون تكلفة اجتماعية مرتفعة. ومن هنا، يتطلب التعامل مع هذه الفجوة تطوير صيغ تجمع بين تحديث سياسات الدولة الوطنية وتعزيز أشكال من التنسيق العابر للحدود، بما يسمح بإدارة هذا التوتر بدل افتراض إمكانية حسمه.

بهذا المعنى، لا يُشير المسار الحالي إلى نهاية العولمة، ولا إلى عودة كاملة للدولة، بل إلى مرحلة يُعاد فيها التفاوض على العلاقة بينهما دون أفق حاسم. وهو ما يجعل السؤال الأساسي ليس كيف يمكن إنهاء هذا التوتر، بل كيف يمكن العيش معه وإدارته ضمن حدود تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، في عالم لم يعد يسمح بحلول بسيطة أو نهائية.