حربنا ليست بين السنة والشيعة، ولا بين السلفية والزيدية، وإنما بين دولة تدافع عن سيادتها وأمن مواطنيها وأمن كل المقيمين عليها، وتنظيم مسلح يريد أن يفرض إرادته بالقوة، داخل اليمن وخارجه. ولا يغير من هذه الحقيقة أن الحوثيين يستمدون جانبا من شرعيتهم المزعومة من تصور مذهبي للحكم. فالمشكلة ليست فيما يؤمنون به، وإنما فيما يريدون فرضه على الآخرين.
لقد وُجِد الزيديون في اليمن منذ أكثر من ألف سنة، وقامت السعودية إلى جوارهم، دون أن يكون الاختلاف المذهبي سببا أصيلا للحرب. بل إن تاريخ العلاقات بين البلدين عرف التعاون والتفاهم والخلاف السياسي أيضا. وهذا وحده يكفي لإبطال الفكرة القائلة إن الجغرافيا المذهبية تفرض العداوة حتما. فلو كانت العقيدة هي التي تصنع الحروب، لما استطاعت الشعوب المختلفة دينيا أن تتعايش، ولما تحاربت الجماعات المنتمية إلى المذهب الواحد.
والأمر نفسه ينطبق على علاقتنا بإيران. فليست المشكلة أن إيران دولة شيعية، بل أنها تبنت مشروعا إقليميا يتجاوز حدودها، وأقامت علاقات مع تنظيمات مسلحة تمارس نفوذا خارج مؤسسات الدول. لقد تحول الانتماء المذهبي هنا إلى وسيلة للنفوذ السياسي، وصار الولاء العابر للحدود منافسا للولاء الوطني. وهكذا لم يعد الخلاف متعلقا بالعقائد، بل بمن يملك القرار السياسي، ومن يفرض إرادته على الآخرين.
ومن المفارقات أن التفسير الطائفي للحرب يقدم خدمة مجانية للحوثيين. فهو يمنحهم صفة الممثلين لطائفة كاملة، مع أنهم تنظيم سياسي عسكري لا يملك حق احتكار الزيدية، ولا التحدث باسم جميع أتباعها. والأسوأ أنه يدفع بعض الناس إلى التضامن معهم، بدافع الانتماء المذهبي، حتى لو اختلفوا مع ممارساتهم. وهكذا يتحول خطأ في التحليل إلى مصدر قوة للخصم.
ثم إن اختزال الحرب في الطائفية، يحجب عنا اليمنيين أنفسهم. فاليمن ليس كتلتين مذهبـيتين تتقاتلان، وإنما مجتمع واسع متعدد المصالح والانتماءات والتقاليد السياسية. وفيه من يرفض الحوثيين لأسباب وطنية، أو اجتماعية، أو سياسية، لا علاقة لها بالخلاف السني الشيعي. وليس من الحكمة أن نختزل هؤلاء جميعا في هوية مذهبية واحدة، أو أن نتصور أن مستقبل بلادهم ينبغي أن يتحدد وفق انقسام ديني.
أما السعودية، فلا تحتاج إلى مبرر عقائدي للدفاع عن نفسها. فاستهداف مطاراتها ومنشآتها المدنية وتهديد سكانها بالصواريخ والمسيرات أسباب كافية لاتخاذ ما يلزم لحماية أمنها، بصرف النظر عن مذهب المعتدي. ومن حق أي دولة أن ترفض قيام سلطة مسلحة معادية على حدودها، تملك القدرة على تحويل حياة مواطنيها إلى رهينة لحسابات إقليمية.
والأهم أن نميز بين الانتصار على تهديد مسلح، والانتصار على جماعة بشرية. فلا يمكن أن يكون الهدف إقصاء الزيديين، أو معاقبة سكان المناطق الخاضعة للحوثيين. إن الغاية السياسية المعقولة هي قيام دولة يمنية لا تحتكر فيها جماعة السلاحَ والقرار، ولا تتحول أراضيها إلى منصة للاعتداء على جيرانها.
إن تسمية الأشياء بأسمائها ليست ترفا فلسفيا، بل ضرورة سياسية. فحين نخطئ في تشخيص العدو، نخطئ في تحديد غاية الحرب وشروط انتهائها. وعدونا ليس إخوتنا الشيعة، ولا مذهبا نريد القضاء عليه، بل مشروع هيمنة سياسية. وهذا المشروع انتهى إلى معادلة صفرية: إما نحن أو هم. فقد استنفدنا كل سبل السلام. كل دعوة للتفاوض هي مجرد خديعة لكسب الوقت.
بلادنا السعودية منذ تأسيسها في عام 1932، لم تخض حربا لأسباب طائفية. فقد كانت الحروب التي دخلتها مرتبطة بنزاعات على الحدود، أو بالدفاع عن الأمن الوطني، أو بمواجهة أخطار سياسية وعسكرية. وهذه الحقيقة التاريخية تكشف عن مبدأ ثابت في السياسة السعودية، وهو أن أسباب الحرب دنيوية تتعلق بمصالح الدول وأمنها وسيادتها، وليست نزاعات حول المعتقدات والمذاهب.
نحن في حالة حرب مع ميليشيا مسلحة خرجت على سلطة الدولة اليمنية الشرعية، واستولت بالقوة على مؤسساتها، ثم خاضت حربا لبسط هيمنتها على اليمن بأكمله. وهي جماعة ترتبط بإيران، القوة الإقليمية التي تسعى إلى توسيع نفوذها في المنطقة، وتستفيد من وجود تنظيمات مسلحة موالية لها داخل الدول العربية. ولذلك فإننا نواجه مشروعا سياسيا وعسكريا، لا طائفة دينية.
خالد الغنامي. كاتب سعودي …المجلة،