… اندبندنت عربية
تحول الغاز المسال إلى أداة مركزية في الصراع الجيوسياسي، ومثلما كان النفط من قبل، فالولايات المتحدة توظفه لتقليص نفوذ روسيا وفتح أسواق جديدة، بينما تسعى موسكو إلى تنويع صادراتها، واتخاذ إجراءات لتقليص دور الغاز الأميركي المسال.
إذا كنت تؤمن بحروب النفط التي امتدت لأكثر من قرن، وبأن جانباً أساساً من صراعات الحرب العالمية الثانية، ارتبط بالسيطرة على منابع النفط، وأن الولايات المتحدة خاضت حروباً عدة بسببه، فعليك أن تقبل أن ما ينطبق على النفط ينطبق أيضاً على الغاز الطبيعي المسال، فقد أصبح الغاز المسال سلعة عالمية بفضل التقدم التقني الناتج من ثورة النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة، وبفضل القدرة على تسييل الغاز ونقله بحراً ثم إعادة تغويزه.
في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية، كان الاعتقاد السائد في الولايات المتحدة أن إنتاجها من النفط والغاز يتراجع باستمرار، وأن وارداتها منهما ستواصل الارتفاع، وذلك يعني زيادة اعتمادها على إمدادات من دول مختلفة، خصوصاً في الشرق الأوسط، وهو ما منح المنطقة أهمية إستراتيجية أكبر.
وفي هذا السياق، تدفقت الاستثمارات الأميركية إلى قطر لجعلها أكبر منتج ومصدر للغاز في العالم، بهدف تصديره إلى الولايات المتحدة، ومن هنا جاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بدءاً باتفاق عسكري إستراتيجي في أوائل التسعينيات، نتج منه بناء “قاعدة العديد”، أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، وهكذا ارتبطت العلاقة العسكرية بالغاز المسال منذ البداية، قبل أن تغير أحداث الـ 11 من سبتمبر (أيلول) 2001 دور القاعدة، وتعزز أهميتها.
تغير المشهد جذرياً بعد عام 2010 مع انطلاق ثورة النفط والغاز الصخريين، وارتفاع إنتاج الغاز في الولايات المتحدة بصورة هائلة، وقد غير ذلك اتجاهات تجارة الغاز المسال والسياسات والإستراتيجيات المرتبطة بها، فلم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى الغاز القطري المسال، الذي وجد أسواقاً بديلة في آسيا، ومع تجاوز الإنتاج الأميركي حاجة السوق المحلية، بدأ التفكير في تصديره، فبرز الغاز المسال بوصفه الوسيلة الوحيدة لإيصال الغاز إلى دول تقع على الجانب الآخر من المحيط.
بدأت الإستراتيجية الأميركية لاستبدال الغاز الروسي في أوروبا بالغاز الطبيعي الأميركي المسال عام 2014، بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم، ووضعت هذه الإستراتيجية في عهد الرئيس باراك أوباما، لكن بإشراف قيادات بارزة من الحزبين، من بينها وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، المعروفة بخبرتها في شؤون الاتحاد السوفياتي وروسيا، وبدأ تنفيذ الخطة بدعم شركات الغاز المسال التي بنت محطات لاستيراده، ثم سعت إلى تحويلها لمحطات تصدير.
وفي عام 2015 انهارت أسعار النفط لأسباب عدة، أبرزها الزيادة الكبيرة في إنتاج روسيا، الذي واصل الارتفاع حتى بلغ ذروته نهاية عام 2016، وجاء الرد الروسي على الخطة الأميركية في صورة حرب باردة في سوق الطاقة: خفض أسعار الغاز إلى أوروبا بقوة لزيادة اعتمادها على روسيا، وإضعاف الجدوى الاقتصادية لمحطات الغاز الأميركية التي كانت قيد الإنشاء، وبما أن أسعار الغاز الأوروبية كانت مرتبطة بأسعار النفط، فقد أدى انخفاض النفط إلى تراجع أسعار الغاز، ثم قدمت “غازبروم” خفضاً إضافياً لعملائها الأوروبيين، ووقعت عقوداً طويلة الأجل بأسعار مخفضة، والنتيجة انخفاض أسعار الغاز إلى أوروبا بأكثر من 50 في المئة، وباختصار فقد سعت الولايات المتحدة إلى إحلال الغاز الأميركي المسال محل الروسي في أوروبا، فردت روسيا بخفض الأسعار لتعميق اعتماد أوروبا عليها، وإضعاف المشروع الأميركي، ونتج من ذلك تبني روسيا مشروع “نورد ستريم-2” عام 2015، حين وقّعت “غازبروم” عقداً مع ست شركات أوروبية لبناء الأنبوبين، وبدأ تصدير الغاز الأميركي المسال بكميات محدودة عام 2016 ثم أخذ يتزايد، لينطلق سباق محموم نحو السوق الأوروبية، وهل يصل الغاز الأميركي المسال أولاً أم غاز “نورد ستريم-2″؟
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الأنبوب والشركات المشاركة فيه، فتوقفت الشركات الأوروبية عن العمل، وقرر بوتين أن تكمله شركات روسية، وانتهى المشروع في سبتمبر عام 2021، وبدأت روسيا ضخ الغاز لملء الأنبوب، لكن واشنطن ضغطت على ألمانيا حتى حظرت التعامل معه، بذريعة ضم روسيا إقليمين أوكرانيين.
وبعد الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022، تصاعدت الضغوط لحظر النفط والغاز الروسيين، وتحدث الأميركيون عن فرض عقوبات على محطات الغاز المسال الروسية، وزيادة صادرات الغاز الأميركي المسال لإحلالها محل الروسي، وفي هذه الأثناء اندلع حريق هائل في “محطة فريبورت” للغاز المسال، التي تنتج أكثر من 15 في المئة من الإنتاج الأميركي، فتوقفت لشهور، واعتقد كثيرون حينها أن بوتين كان وراء الحريق، سواء عبر هجوم سيبراني أو تخريب داخلي، بينما خلصت التحقيقات الأميركية إلى أنه نتج من مشكلة فنية لا صلة لروسيا بها، وردّ آخرون بأن من غير مصلحة الحكومة الأميركية أو الشركة أو شركات التأمين تحميل روسيا المسؤولية علناً، ونتج من توقف إنتاج محطة “فريبورت” رفع أسعار الغاز المسال من جهة، وتعزيز اعتماد أوروبا على الغاز الروسي المسال من جهة أخرى، وبعبارة أخرى، فحتى لو لم تكن روسيا مسؤولة عن حادثة “فريبورت”، لكنها استفادت منها بصورة كبيرو.
وتبرز هنا ملاحظات مهمة، فقد بدأت الخطة لإحلال الغاز المسال الأميركي محل الروسي في أوروبا عام 2014، بإشراف قيادات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وفُرضت العقوبات الأولى عام 2019 في عهد ترمب الجمهوري، بينما جاء الضغط على ألمانيا لوقف “نورد ستريم-2” في عهد بايدن الديمقراطي، وتوضح هذه الوقائع أن الغاز المسال أصبح جزءاً أصيلاً من السياسة الخارجية الأميركية، بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض.
ولنعد لعام 2016، فبعد انهيار الأسعار عام 2015، أصرت بعض دول “أوبك” على أن أي تعاون لخفض إنتاج النفط واستقرار السوق يتطلب مشاركة دول من خارج المنظمة، وفي مقدمها روسيا، وهكذا تأسس تحالف “أوبك+” الذي يضم دول “أوبك” و10 دول من خارجها، منها روسيا وكازاخستان وعُمان، لكن هذا التعاون أثار إشكالاً مرتبطاً بالغاز، فروسيا تصدر النفط والغاز وتعتمد كثيراً على صادرات الغاز، بينما تعتمد معظم دول “أوبك+” على النفط فقط، وإذا كان خفض الإنتاج يرفع أسعار النفط، فأين تتوقف هذه الدول عن الخفض؟
ومن درس الوضع يتضح أن روسيا كانت تفضل بقاء أسعار النفط ما دون 60 أو 65 دولاراً للبرميل لأسباب ثلاثة، الأول أن أكثر من 60 في المئة من كُلف إنتاج النفط في روسيا بالروبل، والشركات تستفيد من بقاء الروبل منخفضاً، أما ارتفاع النفط بقوة فسيرفع الروبل ويزيد كُلف الشركات ويحد من استفادتها، والثاني أن ارتفاع أسعار النفط يرفع أسعار الغاز في أوروبا، وهدف روسيا هو إبقاؤه منخفضاً، كي لا تخسر سوقها للأميركيين، أما السبب الثالث فهو أن تجاوز النفط مستوى 60 دولاراً يحفز إنتاج النفط الأميركي، ولأن آبار النفط الصخري غنية بالغاز، فإن ذلك يزيد إنتاج الغاز بكميات كبيرة يبيعها المنتجون بأسعار منخفضة، وأحياناً سلبية، لأن عائداتهم الأساس تأتي من النفط، فيما تدعم وفرة الغاز الرخيص الخطة الأميركية لتطوير صناعة الغاز المسال، وإحلاله محل الغاز الروسي في أوروبا، ولذلك عارضت روسيا دائماً الخفض الكبير في “أوبك+”، وظهرت الأزمة بين السعودية وروسيا في مارس (آذار) 2020 عندما رفضت موسكو خفض الإنتاج، في ذروة الصراع على سوق الغاز الأوروبية بين “نورد ستريم-2″، وزيادة صادرات الولايات المتحدة إلى أوروبا.
بوتين وتنويع صادرات الغاز الروسي
بعد عزوف بعض الدول الأوروبية عن شراء الغاز الروسي، وظهور خلافات بين روسيا ودول أخرى حول صادراته، حولت موسكو جزءاً من صادراتها إلى الصين، لكن القيادة الروسية أدركت أنها لا تريد تكرار خطأ الاعتماد على أوروبا في السوق الصينية، فلا تضع كل بيضها في سلة واحدة، ولا تصبح رهينة للاقتصاد أو السياسة الصينية، ولذلك قررت تنويع عملائها، وهو ما لا يتحقق إلا بتسييل الغاز وشحنه إلى أي مكان في العالم، ومن ثم أصبح الغاز المسال خياراً إستراتيجياً لروسيا لتخفيف آثار خسارة السوق الأوروبية، وتقليل الاعتماد على الصين، وقد أدركت الولايات المتحدة خطورة ذلك، ففرضت عقوبات على محطات الغاز المسال الروسية، باستثناء “محطة يمال”، وعاقبت ناقلات الغاز المرتبطة بهذه المحطات، وفي مقدمها “أركتيك إل إن جي-2″، وجرى هذا الحظر تحت غطاء أوكرانيا، ولكن في الحقيقة ألا علاقة له بأوكرانيا، بل هو جزء من حروب الغاز المسال.
ونظراً إلى أن الصين لا تلتزم بالحظر الأميركي، ويمكن لروسيا تصدير الشحنات المحظورة إليها، فقد استغلت الولايات المتحدة تصرفات الحوثيين بضرب السفن، فدخلت ببحريتها إلى البحر الأحمر، فسمحت لسفن النفط الروسية بالمرور لكنها منعت الغاز المسال، مما أجبر ناقلات الغاز الروسي المسال على الدوران حول أفريقيا، فرفعت الكُلف على روسيا والصين.
ترمب والحروب التجارية والرسوم الجمركية
شنّ الرئيس ترمب مع إدارته حروباً تجارية على دول عدة، وفرضوا رسوماً جمركية مرتفعة على واردات عدة، وفي مفاوضات تخفيف هذه الرسوم وتسهيل التجارة مع الولايات المتحدة، كان شراء الغاز الأميركي المسال شرطاً أساساً، وبالفعل اشترت دول عدة، خصوصاً في آسيا، الغاز الأميركي المسال ضمن هذه الاتفاقات، فيما فعّلت دول أخرى ذلك طوعاً لتجنب أي توتر مع ترمب، ومنها تركيا، وأدركت الصين حجم المشكلة، فتوقفت تماماً عن استيراد الغاز الأميركي المسال في مارس عام 2025، وقبل زيارة ترمب الأخيرة للصين، عادت بكين لاستيراده، لإظهار حسن النية أو لتحييد الملف ومنعه من أن يكون ورقة ضغط بيد ترمب، وبعد وصول الشحنات أعادت الصين تصديرها إلى دول أخرى.
قطر والإمارات و”هرمز”
وبذريعة هجمات الحوثيين، رفعت شركات التأمين الغربية كلفة التأمين على ناقلات الغاز القطري المسال المتجهة إلى أوروبا، حد إجبارها على الدوران حول أفريقيا للوصول إلى وجهاتها، مما رفع الكُلف كثيراً وفتح المجال أمام الغاز الأميركي المسال في أوروبا وجزء من آسيا، وفي هذا السياق جاءت خسارة الغاز القطري والإماراتي بعد إغلاق مضيق هرمز، لتمنح الولايات المتحدة مدخلاً أوسع إلى السوق الآسيوية أيضاً، ليس عبر البيع المباشر فقط، بل أيضاً من خلال شراء “قطر إنيرجي” للغاز الأميركي المسال، وبيعه لعملائها بدلاً من الغاز القطري، وفاء بعقودها وحفاظاً على زبائنها.
إيران والغاز المسال
بصرف النظر عن سبب توقف مرور السفن في مضيق هرمز، أو الجهة التي وقفت وراءه، فقد استفادت الولايات المتحدة كثيراً من الإغلاق، إذ مكنها من رفع صادراتها من الغاز المسال إلى مستوى تاريخي وبأسعار مرتفعة، وعلى رغم توقيع مذكرة التفاهم لكن صادرات الغاز المسال عبر المضيق بقيت محدودة لأسباب عدة، منها الأضرار التي لحقت بأحد خطوط إنتاج الغاز المسال والهيليوم في قطر، وحتى عندما سُمح بمرور بعض الشحنات القطرية، كان معظمها متجهاً إلى باكستان التي كانت تؤدي دور الوسيط بين الإيرانيين والأميركيين، وبعد فشل مذكرة التفاهم وتدهور الوضع في المنطقة، ضرب “الحرس الثوري” ناقلة غاز مسال داخل الممر العُماني، في تجاوز لخط أحمر، فردت الولايات المتحدة بضرب مواقع إيرانية مدة 14 يوماً متتالية مما منع قطر من تصدير الغاز المسال، وقبل أيام طلبت الحكومة الباكستانية من إيران السماح بمرور ناقلة غاز مسال قطرية متجهة إلى “ميناء قاسم” قرب كراتشي، وبالفعل عبرت الناقلة مضيق هرمز، لكنها علقت لاحقاً في خليج عُمان بعد أن غيرت اتجاهها ولم تصل إلى الميناء، وتدور حول ذلك تفسيرات عدة لكنها تبقى مجرد نظريات، بين من يرجح منعاً أميركياً ومن يرجح آخر إيرانياً، وخلال الأسبوع الماضي اُستهدفت سفينتان أميركيتان لإعادة التغويز والتخزين في ميناء محطة دمياط للغاز المسال في مصر بطائرتين مسيّرتين، ولم تعلن الحكومة المصرية حتى الآن الجهة المسؤولة عن العملية، لكنها تندرج في سياق حروب الغاز المسال، إذ إن مصر من أكبر مستوردي الغاز الأميركي المسال.
والخلاصة أن الغاز المسال تحول إلى أداة مركزية في الصراع الجيوسياسي، مثلما كان النفط من قبل، فالولايات المتحدة توظفه لتقليص نفوذ روسيا وفتح أسواق جديدة، بينما تسعى موسكو إلى تنويع صادراتها، واتخاذ اجراءات لتقليص دور الغاز الأميركي المسال، وتكشف أزمات “فريبورت” و”أركتيك إل إن جي-2″ و”هرمز” و”دمياط” أن حروب الطاقة انتقلت إلى سوق الغاز المسال، لكن الأزمة الكبرى الآن هو ماحصل في “هرمز”، فالولايات المتحدة هي أكبر مستفيد من وقف صادرات قطر والإمارات، وبعد ذلك امتدت سيطرتها على أسواق الغاز المسال من أوروبا إلى آسيا.
