ملخص
يواجه العالم اليوم مرحلة حروب بلا معارك بالمعنى التقليدي لأيام الحرب الباردة والحرب العالمية الثانية وكوارث الحرب العالمية الأولى، فكل ما حدث في حرب إيران هو تبادل قصف من دون تحريك جيوش وخوض معارك بالدبابات والمشاة.
عنوان الغلاف على العدد الأخير من “فورين أفيرز” هو “من سيربح الحرب التالية”، وعنوان المقال الأول في ملف المجلة النافذة هو “خسارة حرب المستقبل”، والخاسر، ولو كان قوة عظمى، هو من يتأخر في التطور مع التبدل في أسلوب الحرب التي لا تتغير طبيعتها، وفي إنتاج وسائل جديدة واستخدامها والتدرب عليها.
قبل حرب إيران بأشهر كتب مارك ميللي وأريك غيث أنه في معارك أوكرانيا “أصبح مستقبل الحرب سريعاً حاضرها”، وأكد المحللان أن “أميركا ليست جاهزة لحروب المستقبل، وهي تحدث في الحاضر”، وأنه “لا دولة جاهزة لحروب المستقبل لكن خصوم أميركا يسبقونها في الجهوزية”.
أما الوسائل التي غيرت أسلوب الحرب، فإن أبرزها أربع: المسيّرات، والصواريخ، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي. وأما المشكلة التي كشفتها العودة إلى عصر الحروب الدائمة والحروب الكلية، فإنها عجز أية “استراتيجية عسكرية عن تقديم النصر”، حسب البروفيسور الفخري لدراسات الحرب في كلية الملك في لندن لورنس فريدمان، والرئيس دونالد ترمب لا يصدق ذلك، لكن الغرب يدفع الثمن. وأبسط سؤال طرحه المحللون الاستراتيجيون هو عن قدرة أميركا على ضمان الأمن في المحيطين الهندي والهادئ أيام الاضطراب بعدما عجزت عن ضمان الأمن في البحر الأحمر، وفي مواجهة من؟ مواجهة منظمة مسلحة تسيطر على أجزاء من اليمن هي الحوثيون الذين أغلقوا باب المندب بعد منع ناقلات النقط وسواها من عبور البحر الأحمر.
حرب إيران كانت، في رأي بول شار الذي كتب عن “خسارة حرب المستقبل”، هي “التجربة الأولى لأميرکا في الحقبة الجديدة من الحرب”، فأميركا قامت بأكثر من 13 ألف طلعة جوية ودمرت كثيراً من البنية التحتية العسكرية والمدنية، لكنها لم تستطع منع طهران من إطلاق 2200 صاروخ و14900 مسيرة، ولا هي تمكنت من تحقيق أهدافها المعلنة، ولا بالطبع من تحويل ما قامت به الآلة العسكرية الضخمة إلى مكاسب استراتيجية.
ولا شيء يتقدم في أميركا اليوم على الجدل حول النقص في مخزون الذخائر الدقيقة، إذ أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 1000 صاروخ توما هوك خلال أسابيع في حين أنها تنتج مجرد 100 منها في العام، فضلاً عن الفارق في الكلفة الاقتصادية، فالمسيرة الرخيصة التي كلفتها 15 ألف دولار يحتاج إسقاطها إلى صاروخ بقيمة 4 ملايين دولار، وفي حين تصنع أوكرانيا 4 ملايين مسيّرة في العام، تصنع واشنطن 50 ألف مسيرة فقط، ومع التسليم بأن أميركا لا تزال “أقوى قوة عسكرية” فإنها “ليست مهيأة لعصر الحرب الجديد”، حسب بول شار.
ذلك أن عصر الدبابات وحتى حاملات الطائرات يقترب من الأفول أمام التسلح الجديد لجهة المسيرات ثم المسيرات الصغيرة التي يجري إطلاقها على طريقة “أسراب النحل”، لا بل إن صاروخاً صينياً فرط صوتي يدمر حاملة طائرات. والعصر الذي ازدادت أهميته في الحروب هو التحالفات التي كانت دائماً جزءاً من قوة أميركا، يواجه من ترمب سياسة الاستغناء عن التحالفات، واعتبر أنها “عبء على الولايات المتحدة”، حتى خلال حرب إيران فإنه استمر في مهاجمة الأعضاء الأوروبيين في “الناتو”، والادعاء أنه ليس في حاجة إليهم، ولو في نزع الألغام من مضيق هرمز. ولا مهرب اليوم من “التأقلم الثقافي” للعسكريين مع استخدام الذكاء الاصطناعي، كما من مشاركة الحلفاء في صناعة الأسلحة الضرورية للحروب الجديدة، فهل كان يجب انتظار أربعة أعوام من حرب أوكرانيا للسماح لكييف بإنتاج صواريخ باتريوت الدفاعية؟ وما معنى أن تضطر واشنطن الى إطلاق 190 صاروخ ثاد و1060 صاروخ باتريوت بحيث تفقد 53 في المئة من مخزونها المتطور.
وبكلام آخر، فإن العالم يواجه اليوم مرحلة حروب بلا معارك بالمعنى التقليدي لأيام الحرب الباردة والحرب العالمية الثانية وكوارث الحرب العالمية الأولى، فكل ما حدث في حرب إيران هو تبادل قصف من دون تحريك جيوش وخوض معارك بالدبابات والمشاة. وكلما صار أمر اليوم في العواصم هو إنتاج المسيرات والصواريخ والروبوتات والذكاء الاصطناعي صارت الدول الصغيرة وحتى المنظمات غير الدولتية مثل “حزب الله” في لبنان وفصائل الحشد الشعبي في العراق قادرة على خوض الحروب وإيذاء القوى المتوسطة والكبيرة، وليس قليلاً خطر انتشار هذه الأسلحة في أيدي منظمات إرهابية مثل “داعش” و”القاعدة” وأذرع إيران المرتبطة بالحرس الثوري وسواها، حيث لا قدرة على الضبط ولا رغبة في الانضباط في غياب نظام عالمي وأنظمة أمنية إقليمية.
وقديماً قال كلاوزفيتز “لكل عمر نوعه من الحرب، وشروطه المحددة، وأفكاره الخاصة”.
