
كابوسية الحرب بريشة الرسام السوداني راشد دياب (صفحة الرسام – فيسبوك)/
..شريف صالح… اندبندنت عربية
ملخص
في رواية “حصار الغزالة واو” (منشورات بوكتينو)، يقدم الكاتب مهند الدابي وثيقة حية، جريئة وأمينة وصادمة، عن الحرب الدائرة في السودان. لا يهم من ضد من، ولا مبررات الأطراف المتحاربين، بل ما يهم هو المواطن العادي الذي كان يعيش آمناً، ثم فجأة وجد نفسه عالقاً في كابوس دموي عنيف لا نهاية له.
تنضم رواية “حصار الغزالة” للكاتب السوداني مهند الدابي إلى عشرات الروايات العربية التي رصدت الحروب في المنطقة منذ عام 2011 حتى الآن، وتلك التداعيات المؤلمة بعد ما يُسمى “الربيع العربي”، وكيف انقلبت الشعارات البراقة إلى كابوس في غير بلد عربي. وينطلق السرد بعد سقوط نظام عمر البشير الذي احتفظ “الحاج درديري” بصورة معه، ثم دفع ثمناً فادحاً لها. تعود ابنته “وصال”، بعد 20 عاماً قضتها في أوروبا، تحديداً في دبلن، برفقة زوجها “عزام خاطر” وابنتيهما اللتين لا تعرفان شيئاً عن السودان ولا تتحدثان العربية.
هذه العودة كانت بمثابة الفخ، أو مفتاح لـ”صندوق باندورا” الذي ستنطلق منه كل الشرور الإنسانية. أرادت “وصال” أن تتصل بماضيها وتتصالح مع جذورها وتسترد حنان أبيها كبير المنطقة، وتصل ابنتيها بالوطن الأم، مستغلة الاحتفال بعرس ابنة أختها، ومنذ اللحظة الأولى ألقت بنفسها في مياه النيل، “جرت نحو ضفة النهر قبالة المعدية الغارقة والتي خرجت عن الخدمة منذ أيام طفولتها”. تلك العودة الرومانسية انهارت سريعاً تحت وطأة الحرب الأهلية والقتال على الهوية، وحصار القرية من الأطراف المتصارعة والمرتزقة، وممن يحلمون بالثراء والنفوذ على جثث الآخرين.
عنف الغريزة
تبدو الرواية كجملة وصفية طويلة تحكي عما جرى، وما زال يجري في السودان، وتلتقط تفاصيل كابوسية من قتل وتجويع وفوضى وسرقة وأمراض وتدمير طرق وبيوت. كل ما يمكن تخيله رصده الكاتب بعناية وبحس توثيقي صريح ومؤلم، ثم أعاد توزيعة سردياً على عائلة “الدرديري” والمقربين منها. فلا أحد في النص عثر على طوق نجاة، أو رأى ضوءاً في نهاية النفق.
إنها رواية مقبضة، لا تجمّل المأساة، ولا تلطف الجريمة وتغلفها بأمل كاذب، وكأنما الكاتب يحفر بأظفاره في رماد الحرب ليمسك بما بقي من قصص ضحاياها، ربما يعثر على دمية طفل قتل أمام أبويه، أو صرخة أطلقتها شابة قبل أن يغتصبها المرتزقة.
وسط ذلك كله، تُختبر المعاني، جل المعاني التي تمثل إنسانيتنا كالحب والانتماء والأمان والأبوة والبنوة والرحمة. كل معنى ارتفعت به إنسانية الإنسان كان يسقط ويتهاوى أمام عنف الغريزة المجنونة التي لا قلب لها ولا عقل. لا يهم الحق مع أي طرف. ولا ينشغل السرد برواية الحرب على ألسنة من أشعلوها، بقدر الانشغال بتأثيرها في ضحايا لا حول لهم ولا قوة. فـ”الحاج درديري” نفسه اعتُقل وأهين من طرفي الصراع. وليس أسهل من أن يدعي أحدهم أنه مع الطرف الفلاني ثم ينقلب عليه خوفاً وطمعاً. حتى إمام المسجد “الشيخ صديق” فجأة ظهر كأحد المتمردين من حملة السلاح.
غريزة وحشية تمارس عنفاً مجانياً وعشوائياً لا يلتزم أعرافاً ولا قيماً ولا منطقاً، بينما تحاول عائلة “الدرديري” النجاة بأي ثمن، والهروب من الجحيم قبل فوات الأوان. ويجد أبطال الرواية أنفسهم أمام تحديات لم تخطر لهم على بال، فتحفز في داخلهم غريزة البقاء. فحتى البقاء على قيد الحياة يتطلب أحياناً عنفاً كان كامناً في النفوس.
مفارقة الأنثى
كان “الحاج درديري” صالحاً كبطل أبوي للرواية وشاهداً على عصور السودان وتحولاته، لكن الكاتب اختار ابنته “وصال” لتكون الشخصية المحورية، ومن خلال عينيها وذكرياتها، تنتظم الأحداث كلها. فحبيبها أيام الجامعة صار ضابطاً، وزوجها وقع في أيدي المتمردين، والعروس ابنة أختها تلقت رصاصة طائشة في يوم عرسها.
بدت المرأة باعتبارها الحلقة الأضعف في النص، فهي لا تحمل سلاحاً، وتكتفي بخدمة الرجال، وكلما أحكم الكابوس سيطرته على البلد، كان على الأنثى، الضحية، أن تتولى زمام المبادرة وإعادة الحياة لرشدها ومنطقها السليم.
وعلى رغم أن الحرب هي الثيمة الأساسية، والحروب دائماً وأبداً هي تهور ذكوري، أو جرح نرجسي ذكوري بالدرجة الأولى، فإن النص ظل وفياً للمرأة. فهي التي ضحت بجسدها كي تنقذ رجلاً، وهي من تطبخ وتعالج المصابين، ومن تحمي الأطفال. هي الضحية وهي الأمل الوحيد لاستعادة الحياة. فعندما يصاب الرجال بالجنون والغضب والوحشية، يظل الأمل معقوداً على المرأة، الأم والأخت والابنة والحبيبة “عادت إلى غرفتها قلقة فوجدت الفتاتين ترسمان على الحائط من خلف الشمعة كلاباً وأحصنة، أراحها المشهد وشعرت ببعض الأمل”.
طوق النجاة
بدت الحرب في البداية بعيدة من بلدة “الحاج درديري”، ثم اقتربت وتمددت وتوحشت والتهمت الرجال والنساء والأطفال، وشيئاً فشيئاً غابت كل المفردات التي تعين على العيش، فلا ماء ولا طعام ولا أدوية ولا كهرباء ولا سيارات. ومن بين كل الضحايا ظلت “وصال” صامدة، ليس من أجل نفسها، وإنما من أجل طفلتيها البريئتين اللتين لم تعرفا شيئاً عن السودان، وتشعر الأم بالذنب لأنها من ورطتهما في هذا الكابوس.
ولعل عنوان الرواية “حصار الغزالة واو”، هو إشارة لروح الأنثى ومعركتها المعلنة والخفية ضد الصيادين القتلة من كل الأطراف. قد تكون الغزالة هي “وصال” نفسها أو أية بطلة أخرى ظهرت في النص وقاومت بكل ما أوتيت من قوة، حتى قضت نحبها. “وصال” بإصرارها على النجاة بطفلتيها، ظلت هي بارقة الأمل الوحيدة في رواية كابوسية مليئة بالدم والظلم والصراخ والدموع وقسوة الاختبار لكل معنى إنساني.
لكن المؤلف، على رغم كل وعوده التي ألقى بها في طريق “وصال”، لم يلجأ إلى نهاية سعيدة وجاهزة. لم يحسم أمر النجاة ولو لمصلحة الطفلتين. لم يلجأ إلى سفارة أوروبية لاستعادة “وصال” بحكم جواز سفرها الأوروبي.
بل ظل الكابوس جاثماً والظلام ممتداً، فيما استمرت “وصال” في محاولتها الأبدية من أجل الخلاص. كل ما استطاعت الوصول إليه هو أمان نسبي وموقت عندما طمأنتها الممرضة بأن طفلتيها بخير والجيش هنا. مع ذلك حين سألتها بما بقي لديها من وعي “هل انتهت الحرب؟”، أجابتها بلا مبالاة “لقد بدأت للتو”.