يجري الحديث مؤخراً عن إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية في سوريا من قبل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، يترافق – بحسب ما يتم تداوله – مع كلام عن أن المسودة تُدار بسرية تامة، وأن عدداً من جمعيات المجتمع المدني السورية والدولية التي جرى التشاور معها واطّلعت على النص قد وقعت اتفاقيات «عدم إفصاح».

يضعنا هذا الخبر أمام سؤال تأسيسي عن طبيعة العدالة الانتقالية التي نريدها، وكيف يُمكن لقانون يُفترَضُ أن يؤسِّسَ لمعنىً جديد للحقيقة والكرامة والحقوق أن يُصاغ بمنأىً عن أصحاب الحقوق وأصحاب الخبرات أيضاً. وفي الوقت نفسه، لا أتعاملُ هنا مع السرّية كإدانة بحد ذاتها، لأنني أعرف أن بعض المخاطر والتوجّسات في السياق السوري الحالي حقيقية، لكن ما يشغلني هو أن تُستخدَمَ هذه المخاطر لاحتكار القرار وعدم إشراك المجتمع والناجين وعائلات الضحايا وروابطهم كما يجب.

أُفكِّر في مسألة «السرية» هنا بوصفها أكثر من تفصيل إجرائي مرتبط بإعداد مسودة قانون. فالسرّية في لحظات التحوُّل تُصبح إشارة مبكرة إلى نوع الدولة التي تُبنَى، وإلى طبيعة العلاقة التي ستتشكل بين السلطة والمجتمع بعد سنوات طويلة من الخوف وانعدام الثقة. لذلك، حين يتردد أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تعمل على مسودة قانون مهم، لكن المسودة تُدار ضمن دائرة ضيقة وتُحاط باتفاقيات عدم إفصاح مع من اطّلعوا عليها، يُصبح من الطبيعي أن يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: هل تُكتَب هذه الوثيقة لتكون عقداً اجتماعياً جديداً يملكه السوريون والسوريات، أم لتكون إطاراً تقنياً مُحكَمَاً لكنه بلا حاضنة اجتماعية كافية؟

لا أقصد بهذا السؤال اتهاماً لأحد بقدر ما أراه تنبيهاً إلى مخاطرة استراتيجية، لأن قانون العدالة الانتقالية في سوريا تحديداً ليس مجرد «نص تنظيمي». هو قبل كل شيء رسالة سياسية وأخلاقية تقول للناس إن ما حدث لن يُختَزل في روايات متنافسة، وإن الألم لن يُدار بالنيابة عن أصحابه، وإن «الدولة الجديدة» لا تبدأ بترتيبات سرية بل بحوار شفاف وشجاع ومسؤول حول الحقيقة والحقوق والكرامة. وكلما ابتعد القانون عن هذا المعنى، ازداد احتمال أن يبقى حبراً على ورق أو أن يُستقبَلَ بالشك أو أن يتحوَّلَ إلى ساحة تجاذب بدل أن يكون نقطة ارتكاز للاستقرار.

السرّية قد تكون مفهومةً جزئياً في سياقات تكون فيها سرّيةُ البيانات وخصوصية الشهود والناجيات ضرورة لا جدال فيها. هناك فرق كبير بين شفافية مسؤولة توازن بين السلامة العامة وحق المجتمع في المعرفة، وبين غياب الشفافية الذي يخلق فراغاً قد تملؤه الشائعات ويعيد إنتاجَ الإحساس القديم بأن القرارات المصيرية تُتَّخذُ بعيداً عن الناس. وفي بلد عانى من سياسات الإخفاء والمنع والتضليل، تُصبح الشفافية نفسها جزءاً من العدالة ومن الحق العام.

من هذا المدخل، أرى أن القيمة الحقيقية لأي مسودة قانون عدالة انتقالية لا تُقاس فقط بما تتضمنه من مواد ومسارات، بل أيضاً في الطريقة التي تَضمنُ بها حقَّ السوريين في المعرفة وحقَّ الضحايا والناجين في المشاركة الآمنة، وفي قدرة القانون على أن يرى الفئات التي اعتادت الأنظمة والقوى المتصارعة تهميشها: النساء ضمن تجاربهنَّ المتنوعة، والشباب الذين دفعوا كلفة التحوّل منذ بداياته، والأطفال الذين لم يعرف كثيرٌ منهم سوى الحرب والنزوح وذوو الهمم والمُهجَّرون داخل البلاد وخارجها، والمجتمعات المهمشة التي تراكمَ فيها الألم مع الفقر والعزلة وفقدان الخدمات. هذه هي بعض المفاتيح لضمان أن العدالة الانتقالية لا تُعيد إنتاجَ اللامساواة نفسها التي غذّت الانفجار أصلاً.

قانون العدالة الانتقالية في أي بلد لا يكون مجرد وثيقة تنظيمية تُحدِّدُ تعريفات وصلاحيات وتواريخ. هو إطار تأسيسي يرسم حدود الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، ويحدد من يُسمَع ومن يُرَى ومن تُحمَى شهادته ومن يحصل على حقه ومن تُغلَق أمامه الأبواب. وفي السياق السوري تحديداً، حيث تراكمت الصدمات على مستوى الأفراد والعائلات والمجتمعات، يصبح من الصعب تصور نجاح أي مسار من هذا النوع من دون استشارة أوسعِ قدرٍ ممكن من السوريين والسوريات، وبشكل خاص الناجين والناجيات وعائلات الضحايا. ليس من باب الحق في المشاركة فقط، بل لأن التجارب تُخبرنا أن العدالة التي تُصاغ بعيداً عن أصحابها غالباً ما تفقد شرعيتها قبل أن تبدأ، أو تُحاصرها الشكوك أو تتحول إلى مشروع لا يملكه أحد.

المُفضَّلُ أن تبدأ المقاربة من استراتيجية بسيطة تنطلق في الحد الأدنى من إتاحة نسخة عامة من المسودة تُنشَر للنقاش، وأن تُصمَّمَ مشاوراتٌ آمنةٌ مع الناس عبر قنوات استماع متعددة مثل جلسات مغلقة مع ناجيات وعائلات الضحايا. واستشاراتٌ عن بعد للمُهجَّرين واللاجئين، ولقاءات محلية مع مجتمعات مُتضرِّرة وفي المخيمات. الفكرة هنا هي بناء مُلكية عامة للقانون، تنطلق من «الحق في المعرفة»، الذي هو العمود الفقري لأي مسارِ حقيقةٍ يُراد له أن يُبدِّدَ الشكَّ ويكسر إرثَ الإخفاء أو الاحتكار.

أمّا فيما يخص النقاش حول الأساسيات التي يجب ألا يَغفَلَ عنها أي قانون عدالة انتقالية، فيجب أن يعترف القانون صراحةً بأن معرفة الحقيقة هي حقٌّ ثابت للضحايا وعائلاتهم وللمجتمع، وهو غير قابل للمساومة أو التضييق. هذا الحق يحتاج إلى إجراءات ملموسة تتضمن ما يحق للعائلات أن تعرفه عن ملفّاتها، وما هي المهل التي يجب أن تلتزم بها المؤسسات في الردّ، وما هي الاستثناءات التي تُبرِّرُ حجب معلومة، وكيف يمكن الاعتراض على الحجب وكيف تُكتَب التقارير العامة بلغة مُبسَّطة ومفهومة لا بلغة بيروقراطية.

لكن لا معنى للحق في المعرفة من دون حوكمة صارمة للمعلومات. لهذا أرى أن أي قانون جدّي يجب أن يتضمَّنَ قواعد واضحة لحماية البيانات، تشملُ موافقات مُستنيرة والحقَّ في التراجع أو الانسحاب، وتصنيفاً للسرّية وسياسات أرشفةٍ وإتلافٍ آمن، وكذلك شروط مشاركة المعلومات بين مؤسسات الحقيقة والادعاء والقضاء، وضمانات صارمة ضد التسريب أو الاستخدام السياسي.

ثم هناك مسألة غالباً ما تُختزَل في «تمثيل النساء» بنسبة ما، بينما هي أعمق بكثير وتحتاج إلى مقاربة تقاطعية. على القانون أن يرى الأذى كما عاشه الناس فعلاً، وليس كما تحب الأنظمة القانونية أن تُصنِّفَه. الضرر ليس انتهاكاً منفرداً، بل هو تَراكُبٌ بين اعتقال وتعذيب وفقدان مُعيل ونزوح وفقر وإقصاء اجتماعي ووصمة عار وحرمان من التعليم أو العلاج، وهو يتضاعف عند النساء وعند ذوي الاحتياجات الخاصة وعند من عاشوا التهجير المتكرر وعند من يعيشون في المخيمات. إذا لم تُترجَم هذه الرؤية إلى قواعد تشغيل، فسُيعَاد إنتاجُ اللّامساواة داخل العدالة نفسها. كل هذه الأمور لن تُتيحها وتُعمِّقَ فهمها سوى نقاشات تشملُ من عاشوها ومن يعانون منها.

لهذا أرى أن «مركزية الناجيات/الضحايا» يجب أن تَظهر كحقوق إجرائية، تضمن حقَّ المشاركة الفعلية وحقَّ الحماية وحقَّ الدعم وحقَّ الوصول إلى ملفاتهم وحقَّ الاعتراض على القرارات التي تمسّ كرامتهم أو مصالحهم. وأرى أيضاً أن تعريف الناجية/الضحية ينبغي ألا يتوقف عند من تعرَّضوا لانتهاك مباشر، بل يتجاوز ذلك ليشمل من تَحمَّلَ عبء الأذى بحكم العلاقة والرعاية والإقصاء، لأن سوريا علّمتنا أن دوائر الضرر أوسع بكثير من الفرد المُتضرِّر.

ولأن العدالة الانتقالية تُقاس في النهاية بمن استطاع الوصول إليها، لا بمن كُتِبَت لأجله نظرياً، فالقانون يجب أن يفرض على مؤسساته أن تكون «قابلة للوصول» من خلال مكاتب في المحافظات وآليات عن بُعد، وترتيبات لذوي الاحتياجات الخاصة وترجمة عند الحاجة ودعم قانوني ونفسي، وكذلك مراعاة من لا يملك وثائق كاملة أو يَخشى الظهور أو لا يرغب بالإدلاء بشهادة علنية.

ومن المهم أيضاً أن تصبح هذه الرؤية قابلة للقياس، أي أن يلتزم القانون بإنتاج معرفة عامة آمنة ومجهولة الهوية عمَّن يتقدمون إلى المؤسسات، ومن يحصل على الخدمات ومن يُستبعد ولماذا، حتى لا يبقى الإقصاء صامتاً وغير مرئي. لأن العدالة التي لا تنتبه لاختلالاتها مبكراً، ستكتشف بعد سنوات أنها أعادت توزيع الأذى بدل أن تعالجه.

أمّا الأطفال والشباب، فيُخشى عليهم من وضعين متناقضين لكنهما شائعان. فهم إما أن يُترَكوا خارج الصورة، أو أن يتم الإشارة إليهم واستخدامهم دون ضمانات تَحميهم من إعادة الأذى.

في سوريا، كثيرٌ من الأطفال والشباب كانوا ضحايا وشهود وجناة، وبعضهم جرى استغلاله أو تجنيده أو تحميله أدواراً أكبر من سنه. لذلك، يجب على القانون أن يتضمَّنَ بوضوح مبادئ حماية ومشاركة خاصة بهم، وأن تُنشَأ داخل الهيئات والمؤسسات المعنية بُنية مُتخصِّصة تُعنى بالسلامة والمشاركة، وتضمنُ أن كلَّ مسارٍ يمسُّ الأطفال يخضع لمعايير حماية ومشاركة تراعي السن والضرر، وتضع قواعد لمشاركة صديقة للطفل وللتعامل الحسّاس مع الصدمة والإحالة إلى خدمات الدعم. مشاركة الشباب يجب ألا تُحصَر في منصات حوار شكلية، يجب أن تُبنى آلية استشارية حقيقية تؤثر في السياسات، لأن الشباب هم الجزء الأساسي في التجربة السورية كمُتلقّين وفاعلين وحَمَلة ذاكرة، وكأصحاب مصلحة في عدم التكرار.

وهنا نصلُ إلى فكرة «العدالة الشفائية»، التي أَعتبِرُها شرطاً لنجاح أي قانون للعدالة الانتقالية. العدالة يمكن أن تُشفي ويمكن أيضاً أن تُعيدَ فتح الجروح. الفارق ليس في النوايا إنما في التصميم. تجربة سوريا المتواصلة مع التعذيب والاعتقال والإخفاء القسري تجعل كثيرين يترددون في أي عملية قد تُعيدهم إلى لحظة فقدان السيطرة. إذا لم يُلزِم القانون مؤسساته بمبدأ «عدم إحداث ضرر» وإذا لم يضمن للناجين حقَّ التحكم بسردهم وحقَّ التوقف أو الانسحاب وحقَّ اختيار السرية أو العلنية وحقَّ تلقي دعم نفسي واجتماعي وقانوني، فستصبح عمليات الحقيقة والمحاسبة شديدة الكلفة على من يُفترَض أنها جاءت لحمايتهم. وأنا أرى أن جبر الضرر تحديداً يجب ألا يُختزَل إلى تعويض مالي، رغم جوهرية وأولوية هكذا تعويض. التعويض مهم لكن «الإقرار» والاعتراف وطلب الصفح وإعادة التأهيل هي قلب جبر الضرر، في بلد يحاول الخروج من التعذيب والإفقار والتهجير.

في العلاقة بين الحقيقة والمحاسبة، يجب الموازنة بين الحقيقة التي تخدم العدالة الجنائية بمعايير وإثباتات ومسارات إحالة واضحة، والحقيقة التي تخدم المجتمع والتي تحتاج إلى مساحة أوسع للنقاش والسرد والمعنى. كلاهما ضروري، لكن خلطهما بلا قواعد يخلق التباساً وخوفاً لدى الشهود، ويخلق فوضى لدى المؤسسات. لذلك، من المهم أن يوضح القانون كيف تنتقل الملفات من لجان الحقيقة إلى الادعاء ومتى وبأي شروط، وكيف تُحمَى السرّية وكيف يُحمى الشاهد وكيف يمكن ضمان ألا تتحول المعلومات المقدمة لأجل التعافي إلى فخ قضائي أو سياسي.

أمّا في موضوع المصالحة والآليات غير القضائية، فأرى فرصة كبيرة وخطراً كبيراً في آن واحد. الفرصة هي معالجة النزاعات المحلية وإعادة نسج الحد الأدنى من الثقة المجتمعية، أما الخطر فيكمنُ في أن تَتحوَّلَ «المصالحة» إلى باب جانبي لإغلاق ملفات الجرائم الجسيمة، أو إلى ضغط اجتماعي على الضحايا للتنازل. لذلك، أرى أن القانون يجب أن يضع حدوداً واضحة حول ما الذي يمكن أن يدخل في مسارات غير قضائية وما الذي لا يمكن أن يدخل أبداً، وكيف تُحَمى إرادة الضحية من الإكراه وكيف تُراجَعُ النتائج قضائياً عندما تمسّ حقوقاً أساسية أو تتعلق بانتهاكات وجرائم جسيمة.

أُدركُ حساسية اللغة في بلد يُحاول الخروج من الاستقطاب، ولهذا أُفضِّلُ مقاربة هادئة لكنها صارمة في النتائج، تتضمن تقليص النصوص الفضفاضة التي قد تُستخدَم لاحقاً كسلاح ضد حرية التعبير أو البحث أو النقاش العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجريم «الإنكار» أو «التمجيد» بصيغ واسعة. المجتمع السوري يحتاج إلى مواجهة الماضي، لكنه يحتاج أيضاً إلى فضاء نقاش لا يخاف من السؤال ولا يخاف من الاختلاف ولا يخاف من النقد. القانون الذي يفتح باباً لمعاقبة الكلام بسهولة سيُنتِجُ صمتاً جديداً، والصمت هو أحد أعداء العدالة الانتقالية.

في النهاية، أعود إلى النقطة التي أعتقد أنها الأكثر استراتيجية: نجاح قانون للعدالة الانتقالية لا يتوقف على نصٍّ ومواد مثالية، بل على إمكانية احتوائه اجتماعياً. السرّية قد تحمي لحظةَ الصياغة، لكنها لن تحمي لحظات التطبيق. ما يحمي التطبيق هو أن يشعر السوريون والسوريات أن القانون يخصّهم ويمثلهم، وأنهم رأوا أنفسهم فيه وأنهم أثّروا فيه وأنه صُمِّمَ ليُقلِّلَ المخاطر عليهم لا ليزيدها. لهذا أرى أن أفضل ما يمكن أن تفعله الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إن أرادت حماية المسار لا مجرد حماية مسودة القانون، هو أن تعتمد شفافية مسؤولة من خلال نشر مدروس لمسودة القانون، ومشاركة آمنة وحوار واسع بما يكفي لإغناء القانون ومنحه شرعية يحتاجها بقدر ما يحتاج إلى موادٍ وتعريفاتٍ وأحكام.