حنة أرندت
كانت حنة أرندت تدخل قاعة محاكمة أدولف أيخمان وهي تحمل سؤالاً يتجاوز مصير رجل واحد. كانت تراقب طبيعة الشر حين يتحول إلى مؤسسة كاملة، وحين تصبح الجريمة جزءاً من العمل اليومي داخل الدولة. أمامها جلس أحد أبرز مسؤولي النظام النازي المسؤولين عن تنظيم ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة. صورة أيخمان في المخيلة العامة ارتبطت بصورة السفاح الاستثنائي، صاحب الملامح القاسية والخطابات المشتعلة بالكراهية. غير أن المرأة التي تابعت جلسات المحكمة يوماً بعد يوم خرجت بصورة مختلفة تماماً. الرجل الذي أمامها بدا محدود الخيال، قليل العمق، يتحدث بلغة إدارية جافة، ويكرر عبارات الطاعة والقانون والالتزام بالأوامر.
من هذه التجربة ولدت فكرتها الأشهر: “تفاهة الشر”. التعبير صدم العالم لأن الناس اعتادوا أن يروا الشرّ كائناً خارقاً، بينما كانت أرندت ترى أن الكارثة الإنسانية الكبرى تستطيع أن تصدر عن أشخاص عاديين جداً، فقدوا قدرتهم على التفكير الأخلاقي المستقل، وسلّموا ضمائرهم للسلطة. الإنسان الذي يعتاد الطاعة داخل الأنظمة الشمولية يدخل تدريجياً في عالم تصبح فيه الجريمة جزءاً من الروتين. التوقيع على ورقة، نقل مجموعة سجناء، كتابة تقرير أمني، إدارة غرفة تحقيق، ترتيب قطارات الموت، كلها تتحول إلى أعمال يومية داخل ماكينة ضخمة تفصل الفعل عن الضمير.
هذه الفكرة تبدو اليوم شديدة القرب من التجربة السورية. فالسوريون يقفون منذ سنوات أمام واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. عشرات الآلاف من المعتقلين والمغيبين، مئات الآلاف من القتلى، مدن محطمة، أحياء كاملة سُوّيت بالأرض، عائلات دفنت تحت الأنقاض، أقبية تعذيب تحولت إلى مصانع للموت، وصور ضحايا خرجت من السجون تحمل آثار الجوع والخنق والتعذيب والإهانة. كل ذلك جرى داخل دولة تمتلك مؤسسات وقوانين وأختاماً وموظفين وسجلات وأجهزة كاملة تعمل بدقة باردة.
الهولوكوست السوري، بهذا المعنى، يكشف عن آلية عميقة في صناعة الجلاد. كثير من القتلة لم يدخلوا الحياة وهم يحملون مشروع إبادة. بعضهم كان شاباً فقيراً يبحث عن راتب، أو موظفاً يريد ترقية، أو عنصراً أمنياً صغيراً يسعى إلى سلطة تحميه من هشاشته الداخلية. ثم تبدأ المؤسسة بإعادة تشكيله نفسياً ولغوياً. الكلمات تأتي أولاً: خائن، مندس، إرهابي، عميل، جرثومة، بيئة حاضنة. ومع الوقت يفقد الضحية اسمه ووجهه وحياته الفردية، ويتحول إلى هدف مشروع للعقاب. هنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن القتل يصبح ممكناً حين يفقد الإنسان صورته الإنسانية في عين الجلاد.
حنة أرندت انتبهت مبكراً إلى خطورة اللغة السياسية حين تتحول إلى غطاء أخلاقي للعنف. الأنظمة الشمولية تعيش على الكلمات الجاهزة والشعارات المغلقة. الجندي يكرر العبارة نفسها، والمذيع يكررها، والقاضي يكررها، والموظف يكررها، حتى تصبح الحقيقة نفسها أسيرة اللغة الرسمية. في سوريا ظهرت هذه الظاهرة بوضوح مرعب. سنوات طويلة من التخوين والتحريض وصناعة الخوف خلقت مناخاً يرى في التعذيب وسيلة دفاع عن الدولة، ويرى في القتل إجراءً أمنياً ضرورياً، ويرى في المعتقل خطراً يستحق الإخفاء.
المحاكمات التي بدأت لبعض رموز النظام تحمل قيمة تتجاوز العقوبة القانونية. أهميتها الحقيقية تكمن في كشف البنية الداخلية لمنظومة القمع. القاضي حين يسأل ضابطاً عن تفاصيل التعذيب، فهو يعيد بناء صورة الجريمة أمام المجتمع. الشاهد حين يروي ما جرى في الأقبية، فهو ينزع الغطاء عن عالم كامل عاش سنوات داخل الظلام. الوثائق الأمنية تكشف كيف تتحول الدولة إلى ماكينة تبتلع مواطنيها عبر التعليمات والتقارير وسلاسل التوقيع.
في التجربة السورية يظهر سؤال شديد القسوة: كيف عاش المجتمع كل هذه السنوات قرب الجريمة؟ تحت شعار يبدو بريئاً (كنا عايشين) كيف استطاعت البلاد أن تتكيف مع الخوف إلى هذا الحد؟ كيف تحولت أخبار الموت والاعتقال إلى جزء من الحياة اليومية؟ هذه الأسئلة تقترب كثيراً من الأسئلة التي شغلت حنة أرندت بعد الحرب العالمية الثانية. المجتمعات الواقعة تحت القمع تدخل مع الوقت في حالة إنهاك أخلاقي عميق. الخوف الطويل يغيّر العلاقات بين الناس، ويزرع الشك، ويحوّل الصمت إلى وسيلة نجاة. داخل هذه البيئة يزداد نفوذ الجلاد، لأن الرعب يمنحه سلطة على الأجساد والذاكرة والكلمات. وحتى على المستقبل.
الجرح السوري يحمل أيضاً خطراً آخر يتمثل في الانقسام الطائفي الحاد. كثير من الخطابات تحاول تفسير الكارثة عبر اختزالها في جماعة كاملة أو طائفة كاملة. هذا النوع من التفكير يدفع البلاد نحو دورة جديدة من الكراهية والثأر. فهم آلية الاستبداد يمنح المجتمع فرصة أعمق للنظر إلى الجريمة بوصفها نتاج سلطة مغلقة صنعت شبكة واسعة من الخوف والمصالح والعنف. العدالة تحتاج إلى تحديد المسؤوليات الفردية بدقة، لأن التعميم يحول الألم إلى وقود لصراعات جديدة.
ربما تحتاج سوريا اليوم إلى مفكرة تمتلك شجاعة حنة أرندت وقدرتها على النظر داخل قلب الكارثة. امرأة أو رجل يدرسان لغة الجلاد السوري، وطريقة تفكيره، وعلاقته بالأوامر، وشعوره بالقوة، وآليات تبريره للعنف، وطبيعة المؤسسة التي أعادت تشكيله. الحاجة اليوم تمس كتابة تاريخ أخلاقي للسجون السورية، تاريخ يشرح كيف تتحول الدولة إلى عالم مغلق يعيش على الخوف والطاعة والإذلال.
الأنظمة الشمولية تدرك قوة الذاكرة، لذلك تعمل دائماً على تحطيمها. المقابر الجماعية السرية، الاختفاء القسري، حرق الوثائق، دفن الضحايا بأرقام، كلها وسائل تهدف إلى محو الإنسان حتى بعد موته. لهذا السبب تكتسب الشهادة أهميتها الكبرى. كل معتقل نجا يحمل جزءاً من الحقيقة. كل أم تنتظر ابنها المغيب تحمل ذاكرة كاملة عن البلاد. كل صورة خرجت من السجون تحولت إلى وثيقة أخلاقية ضد القتلة.
المحاكمات تمنح السوريين فرصة نادرة لإعادة بناء المعنى الإنساني للعدالة. المجتمع الخارج من الكارثة يحتاج إلى مواجهة الحقيقة كاملة. يحتاج إلى معرفة ما جرى داخل الفروع الأمنية، داخل السجون، داخل غرف التحقيق، داخل مؤسسات الإعلام والقضاء والتعليم التي شاركت في إنتاج الخوف الجماعي. هذه المعرفة تحمي المستقبل؛ لأنها تكشف الطريق الذي يقود إلى الهاوية.
حنة أرندت رأت أن أخطر ما يصيب الإنسان هو فقدان القدرة على التفكير الحر. الإنسان الذي يكرر اللغة الرسمية من دون مساءلة يصبح قابلاً للمشاركة في الجريمة، حتى لو ظل مقتنعاً بأنه يؤدي واجبه فقط. هذه الفكرة تمنح التجربة السورية معنى بالغ الأهمية. البلاد تحتاج إلى إعادة بناء الحس الأخلاقي العام، وإلى تربية جديدة تحترم الإنسان الفرد، وتحمي كرامته، وتمنع تحويله إلى مادة داخل خطاب الكراهية أو أجهزة السلطة. ورفع مستوى الوعي إلى الدرجة التي يخرج فيها البعض كي يعتذر أخلاقياً وإنسانياً إكراماً للمواطنة المشتركة.
الجلاد السوري لم يسقط من السماء. خرج من المجتمع نفسه، من المدارس نفسها، من الأحياء نفسها، ثم دخل آلة السلطة فغيّرت لغته ونظرته إلى البشر. فهم هذه العملية يمنح السوريين فرصة حقيقية لحماية المستقبل. العدالة هنا تتحول إلى شرط للحياة المشتركة، والذاكرة تتحول إلى حماية للأجيال القادمة، والكشف الصريح عن الجريمة يصبح بداية طويلة لاستعادة الإنسان السوري من الخراب الذي عاشه طوال عقود.