تعيش محافظة القنيطرة على إيقاع من الحذر الدائم، إذ يترقب الأهالي تحركات دوريات الاحتلال وحواجزه الطيارة التي قد تظهر فجأة في الطرقات والقرى. وتنتشر قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم في عدة نقاط عسكرية داخل محافظة القنيطرة وريفها، بعد أن استغلّت الفراغ السياسي والأمني الذي أعقب سقوط نظام الأسد، لتبسط نفوذها العسكري وتحتل أراضي سورية جديدة.

وتشهد محافظة القنيطرة جولات مكثّفة لدوريات الاحتلال، حيث تُنصَب حواجز «طيّارة» في أوقات وأماكن غير متوقعة، تُخضِع الأهالي للتفتيش عند مرورهم، وتعتقل شبّاناً من دون تهم واضحة وتقتادهم إلى نقاط التفتيش، وقد أفاد بعض السكان بتعرُّض عددٍ منهم للضرب.

تكمن خطورة هذه الحواجز في عنصر المفاجأة، الذي يرافق ظهورها عند مداخل القرى أو في الطرق الزراعية، ما يُبقي السكان في حالة ترقّبٍ دائم ويجعل حركتهم اليومية مثقلة بالقلق. ويرى بعض الأهالي أن هذا الأسلوب يهدف إلى فرض واقع أمني ضاغط وإيصال رسالة عن حضور إسرائيلي دائم في المنطقة.

سيطرت قوات الاحتلال على قرية الحميدية، الواقعة شمال القنيطرة على بُعد نحو كيلومتر واحد فقط من خط وقف إطلاق النار على الحدود مع الجولان السوري المحتل، ومنذ ذلك الحين، تُمارس سلسلة من الانتهاكات بحق أهاليها. يروي محمود من سكان منطقة الحميدية: «كنت طالع لأجمع حطب للبيت، فجأة وقّفت الدورية ونزلوا عليّ. ما سألوني شي، أخدوني مباشرة عالنقطة، وظلّيت موقوف بنقطة الحميدية 24 ساعة، تعرضت للضرب والشتائم، وما كان في أي تهمة». ويقول والده إنه قصد النقطة العسكرية للسؤال عن ابنه، فأبلغه جنود الاحتلال أن محمود سيُرحَّل إلى تل أبيب، وأنه «إرهابي». وبعد يوم كامل أُفرِجَ عنه وعاد إلى منزله، لكنّ الحادثة تركت أثراً عميقاً في نفسه، وزادت خوف العائلة وقلقها حيال تحركات أبنائها حتى في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية.

كما هدمت قوات الاحتلال في قرية الحميدية عدداً من المنازل الواقعة على أطراف المنطقة «بهدف إنشاء مستوطنة جديدة» كما تناهى إلى سمع السكان. ولم يُسمَح للأهالي حتى بأخذ أيٍّ من مقتنياتهم قبل الهدم، ما خلّفَ حالة صدمة وغضب واسعة بين المُتضرّرين وعموم أهالي المنطقة.

تُضيف سيدة من قرية الحميدية: «هدموا بيتنا بالكامل، ما خلونا ناخد ولا قشة من البيت، وما حدا عوّضنا أبداً. الحكومة ما عطتنا شي، بس الهلال الأحمر عطانا بطانيات وشوية مونة، وهلأ قاعدين ببيت حماي، ما عنا مكان ثاني نروح عليه».

بالمقابل، تَتّبِعُ قوات الاحتلال سياسةً مختلفة مع الأطفال، إذ أنشأ الجانب الأميركي مساحةً مخصّصةً للعب في منطقة الحميدية، لكن الجنود الإسرائيليين يدخلون بشكل متكرر إلى الخيمة المخصّصة للأطفال، يوزّعون الحلويات ويلتقطون الصور معهم. وهو سلوك يُثير قلق بعض الأهالي ويعمّق مخاوفهم على أطفالهم.

تقول (نسرين. م) من سكان الحميدية: «أطفالنا مو بحاجة الاحتلال يعطف عليهم. بيكفي يحلّوا عنا وعن شبابنا، صرنا نخاف على ولادنا ونمنعهم يلعبوا برا البيت أو نجبرهم يظلّوا قريبين من البيت وعيوننا عليهم، ولازم الأهالي يمنعوا أطفالهم من الذهاب إلى أي مكان يخص الاحتلال».

وتسود محافظة القنيطرة حالة الحذر، إذ يراقب الأهالي تحركات دوريات الاحتلال الإسرائيلي ويتبادلون سرّاً معلوماتٍ عن تحركات تلك الدوريات والحواجز الطيّارة لتجنّب الاحتكاك، في حين تمنع قوات الاحتلال الأهالي من تصوير الدوريات الإسرائيلية عند مرورها، فيما يقوم العناصر بتصوير السكان. كما يلتقط الجنود صوراً بجانب العلم السوري، في مشهدٍ يعتبره السكان ذا أبعادٍ رمزية تتجاوز البعد الأمني.

في ظلّ هذا الواقع، وبين حاجز قد يظهر فجأة ودوريات تجوب القرى ومساحة لعب الأطفال، يعيش السكان في يقظة لا تنقطع، ويبقى السؤال الذي يشغلهم: هل يمكن أن يتحول الشعور الدائم بالحذر إلى حياة طبيعية، أم أن المفاجآت ستظل جزءاً ثابتاً من يومياتهم؟