يتّخذ كثيرون، عند محاولة قراءة التحوّلات الكُبرى التي تصيب بلدان منطقتنا، طريق العودة إلى الماضي، كأنّ في الحوادث السابقة نسخة أولى من الحاضر يمكن استعادتها لفهم ما يجري والتنبّؤ بما سيأتي. تُستدعى الثورات القديمة، وسقوط الأنظمة، والحروب الأهلية، والانقلابات، وصعود القادة، ثمّ تُقارن الوقائع بعضها ببعض بحثاً عن أقرب استعارة تاريخية تصلح لتفسير اللحظة. غير أنّ التاريخ، مهما تشابهت مشاهده، لا يعيد إنتاج شروطه كاملةً؛ فالمجتمعات تتغيّر، وأشكال السلطة تتبدّل، وتتطوّر أدوات السيطرة والدعاية، كما تتغيّر تصوّرات الأفراد عن الحقوق والهُويّة والمواطنة والخوف والمصلحة. ربّما تكمن المشكلة في أنّنا نميل إلى استخدام الماضي خريطةً جاهزةً، وهو، في أحسن الأحوال، لا يمنحنا أكثر من إشارات قد تساعد على قراءة الطريق. فالثورة التي نجحت في بلد ما، أو الانقلاب الذي انتهى إلى دولة أكثر استقراراً، أو النظام الذي تغيّر تحت ضغط المجتمع أو نتيجة تقاطع مصالح إقليمية، لا يصلح أيّ منها، بمجرّد تشابه الوقائع، نموذجاً قابلاً للتطبيق في مكان آخر. وبين لحظة تاريخية وأخرى تتغيّر بنية المجتمع، ودرجة تماسك مؤسّساته، ومستوى الثقة بين أفراده، وطبيعة علاقته بالدولة، وحتّى معنى الحرية.
المفارقة هنا في ما سيأتي بعد السقوط، وفي تفكيك الاشتباك الاجتماعي مع السلطة القديمة. قد ينجح مجتمع ما في التحرّر من حاكم، من دون أن يكون قد تحرّر بعد من العلاقات التي سمحت لذلك الحاكم بترسيخ طغيانه؛ علاقات قامت على الخوف، والتبعية، وانتظار القرار من الأعلى، والاعتقاد بأنّ الدولة لا تكتمل إلا بوجود مركز قوّة قادر على إخضاع الجميع. وقد أشار المفكّر وعالم النفس الاجتماعي الألماني إريك فروم (1900- 1980)، في كتابه “الهروب من الحرية” (1941)، إلى هذا التوتّر بين التحرّر من السلطة وبين القدرة على تحمّل الحرّية نفسها؛ فالإنسان قد يتخلّص من سلطة كانت تحدّد له مكانه وقراره، ثمّ يجد نفسه أمام قلق الاختيار وعدم اليقين، فيبحث مجدّداً عن قوّة تمنحه الإحساس بالنظام والأمان.
وتساعدنا هذه المفارقة على طرح سؤال أوسع: ماذا يحدُث عندما تنهار السلطة قبل أن تتشكّل مؤسّسات جديدة تستطيع حماية الحرّية وتنظيم ممارستها؟ ماذا يحدُث عندما يخرج الناس من نظام علّمهم، على مدى عقود، أنّ السياسة خطر، وأنّ القانون قابل للتفاوض، وأنّ القرب من القوّة أكثر فاعليةً من الحقّ، ثمّ يُطلب منهم في لحظة واحدة أن يتحوّلوا من رعايا إلى مواطنين؟
قد يتغيّر رأس السلطة بسرعة، بينما تحتاج علاقات المجتمع مع السلطة إلى زمن أطول بكثير، بحسب خبرته السياسية، واستقلال مؤسّساته، والمصالح التي تراكمت داخله، وما اعتاده الأفراد في علاقتهم بالإدارة والقانون والسلطة. ولهذا لا يبدو غريباً أن ترفع الثورات شعارات القطيعة مع الماضي أحياناً، ثم تجد نفسها بعد سنوات تستخدم بعض أدواته، أو لغته، أو تصوّراته عن الدولة. يتغيّر اسم الحاكم، وتتغيّر الراية والخطابات والوجوه، في حين تظلّ فكرة الدولة نفسها أسيرة تعريف قديم؛ دولة قوية بقدرتها على الضبط أكثر من قدرتها على حماية الحقوق، ودولة مُهابة لأنّ المواطن يخشاها أكثر ممّا يحتكم إلى القانون، وحاكم ناجح لأنّه يمنع الفوضى، حتّى لو استعاد شيئاً فشيئاً المسافة القديمة بين السلطة والمجتمع، بحيث تعود العلاقة إلى صورة الرئيس والمرؤوس.
هنا يبدأ مأزق “وهم الدولة”، فوجود حكومة وجيش وحدود وعلم ومؤسّسات لا يكفي وحده لبناء دولة قانون ومواطنة، إذا بقيت علاقة المواطن بها قائمة على الخضوع أكثر ممّا تقوم على الحقوق والواجبات والمساءلة والمشاركة. وقد يكون من أكثر الأوهام رسوخاً الاعتقاد بأنّ المشكلة كانت دائماً في شخص الطاغية، وأنّ استبداله يفتح تلقائياً طريقاً مختلفاً، بينما قد يكون الطاغية، في بعض الأحيان، التعبير الأعلى عن منظومة أوسع من العلاقات والخوف والمصالح وأساليب الطاعة.
وعلى هذا النحو، يصبح السؤال أقلّ تعلّقاً بظهور طاغية جديد، وأكثر تعلّقاً بالكيفية التي تعيد بها المجتمعات إنتاج بعض شروط الطغيان بعد أن تكون قد ثارت عليه. ولماذا تظهر، في لحظات الانهيار، الحاجة مجدّداً إلى “الرجل القوي” أو “المنقذ” أو صاحب المشروع القادر على إعادة الاستقرار؟ وهل تختار المجتمعات الاستبداد فعلاً، أم أنّها تختار، في لحظات الخوف وعدم اليقين، ما يعدها بالنظام، ثمّ تكتشف لاحقاً أنّ ثمن النظام كان إعادة بناء السلطة القديمة بأسماء جديدة؟
لا تتعلّق تلك الأسئلة بالحاكم وحده، ولا بالثورة وحدها، وإنّما بالعلاقة الأكثر تعقيداً بين الإنسان والدولة والذاكرة التاريخية. فالثورات تستطيع إسقاط الحكام في أيام أو أشهر وربّما في سنوات، لكنّها لا تستطيع بالسرعة نفسها إزالة ما راكمته عقود طويلة من السلطة داخل المجتمع: تصوّرات عن القوة، والخوف، والأمان، والانتماء، والحقّ في الاختلاف، وحدود الطاعة. وربّما هنا تحديداً يصبح الرجوع إلى التاريخ مفيداً؛ لجهة رغبتنا في فهم سبب تكرّر بعض الأسئلة حتّى عندما تتغيّر الإجابات والوجوه والشعارات.
قد تمنح السيطرة على وسائل الاتصال وتوجيه الإعلام السلطة قدرةً أكبر على تشكيل الوعي السياسي، خصوصاً عندما يكون التحذير من الفوضى وانهيار مؤسّسات الدولة جزءاً من الخطاب العام. وتقودنا هذه المسألة، في نموذج سورية، منذ سيطرة قوى المعارضة المسلّحة على دمشق وسقوط نظام الأسد، إلى سؤال أكثر تحديداً يتعلّق بما بقي داخل مؤسّسات الدولة نفسها، وبالفرق بين تغيّر السلطة السياسية وتغيّر الإدارة التي تعمل تحتها.
لم تختفِ الخبرة الإدارية التي تراكمت داخل الوزارات والمؤسّسات بسقوط النظام. بقي جزء من هذه المعرفة لدى موظّفين وكوادر عملوا سنوات طويلة في مؤسّسات الدولة السابقة، في وقتٍ دخلت كوادر جديدة إلى الإدارة، وأُعيد تشكيل قطاعات واسعة منها. وليست المشكلة هنا في أنّ الموظف قد عمل في مؤسّسة تابعة للنظام السابق؛ فهذا وحده لا يصلح حكماً عليه، كما أنّ إدارة الدولة لا يمكن أن تبدأ في كلّ مرّة من نقطة الصفر. المشكلة الأهمّ معرفة ما الذي يبقى مع بقاء الجهاز الإداري نفسه: الخبرة المهنية وحدها، أم تبقى معها طرق اتخاذ القرار، والعلاقة مع المسؤول، والتعامل مع القانون، والواسطة والمحسوبيات، والخوف من تحمّل المسؤولية، وشبكات المصالح التي تشكّلت عبر سنوات طويلة؟
اطّلعتُ، خلال الأشهر الماضية، على تقارير تتعلّق بالتغيّرات الجارية في عدة مؤسّسات ووزارات، وصولاً إلى بعض القطاعات الأمنية والعسكرية. وتظهر في عدد من هذه الحالات مشكلة يصعب تجاوزها بمجرّد تبدّل القيادة؛ فالإبقاء على موظفين أو الاستعانة بخبراتهم قد يكون ضرورياً لاستمرار العمل، لكنّ هذا لا يعني أن طريقة العمل التي تشكّلت سابقاً قد تغيّرت بالضرورة. وفي حالات أخرى، جرى تبرير استمرار بعض الموظفين بالحاجة إلى خبراتهم أو بعدم وجود ما يثبت تورّطهم في انتهاكات. وهذا في حدّ ذاته يطرح سؤالاً مختلفاً عن المسؤولية الفردية: كيف يمكن الحفاظ على الخبرة التي تحتاج إليها المؤسّسات من دون الحفاظ معها على الممارسات التي كانت جزءاً من طريقة عمل النظام السابق؟
وقد انتبه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864- 1920)، في تحليله البيروقراطية الحديثة، إلى أنّ الجهاز الإداري لا يرتبط بالضرورة بمصير السلطة السياسية التي تقف فوقه، فالبيروقراطية، بعد أن تستقرّ، تصبح من أكثر البنى الاجتماعية صعوبةً في التفكيك، لأنّها لا تقوم على الأشخاص وحدهم، بل على المعرفة المتخصّصة، وتقسيم العمل، والملفّات، والتدرّج الإداري، والخبرة التي تجعل استمرار الدولة نفسها معتمداً على عملها. ولهذا رأى فيبر أنّ الجهاز البيروقراطي يمكن أن يتحوّل إلى أداة قوّة بالغة الأهمية لمن يسيطر عليه، وأنّ تغيّر القيادة في الأعلى لا يستدعي بالضرورة إعادة بناء الجهاز من أساسه.
وتفيد هذه الملاحظة في الحالة السورية من زاوية محدّدة؛ فسقوط السلطة السياسية لا يعني أنّ الدولة تستطيع الاستغناء، في اليوم التالي، عن الجهاز الذي كان يدير الوزارات والمؤسّسات والخدمات، ولا عن المعرفة المتراكمة داخله. هنا تظهر المشكلة التي تتجاوز مجرّد بقاء هذا الموظّف أو خروج ذاك؛ فالسلطة الجديدة ترث جهازاً تحتاج إليه لكي تحكم، قبل أن تتمكّن بالضرورة من تغيير الطريقة التي اعتاد هذا الجهاز أن يعمل بها. وما يجب فحصه، بالتالي، هو مقدار ما بقي من قواعد العمل والعلاقات الإدارية وأساليب اتخاذ القرار التي تشكّلت خلال عقود، وما إذا كانت السلطة الجديدة قد استطاعت تغييرها أم اكتفت بتغيير من يقف في قمّة الهرم.
لهذا يصبح الدخول إلى عالم الموظّف السوري ضرورياً لفهم حدود التغيير بعد سقوط النظام. فالموظّف جزء أساس من الطريقة التي تعمل بها الدولة يومياً؛ يستقبل القرار، ويفسّره، وينفّذه، وقد يملك في بعض المواقع مساحةً لتسهيله أو تعطيله أو إعادة إنتاج الطريقة القديمة في تطبيقه. تُرى، هل تغيّرت قواعد العمل داخل المؤسّسات التي تمثل الدولة، ومن يملك القرار حقّاً فيها؟ ما مقدار سلطة القانون على المسؤول والموظّف معاً؟