«ما تهنينا بسقوط الأسد غير ساعة، وبعدها تغيّرت حياتنا تماماً. ما صدقنا راح النظام إجا الاحتلال»، تُخبرني سيدة خمسينية ونحن جالسات داخل منزل واسع جميل وسط قرية طرنجة الواقعة في ريف القنيطرة الشمالي. تروي السيدة، ككثيرينَ من السكان في عموم المحافظة، تفاصيل باتت خبزهم اليومي، عمّا تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل يومي من توغُّلات ومداهمات ومضايقات ونصب حواجز مؤقتة، وحتى قصف مدفعي وإطلاق نار، وهي ممارسات تهدف، برأي كثيرين منهم، إلى «جعل الحياة في المنطقة مستحيلة».

زرتُ القنيطرة وريفها مرات مُتعدِّدة خلال الأشهر الماضية، وجلستُ مع عشرات الأشخاص، من سيدات ورجال وشباب، ومزارعين وعمال وأصحاب محلات. يجمعهم شعور بالخذلان، يختصرونه بقولهم: «ما حدا معترف فينا، منحس حالنا برا سوريا»، إلى جانب إرهاق واضح من حالة عدم اليقين والقلق التي يعيشونها، ومن غموض ما قد تحمله الأيام القادمة. فضّل معظم من التقيتهم الحديث من دون ذكر أسمائهم، أو باستخدام ألقاب أو أسماء أخرى؛ فالتعاملُ مع وسائل الإعلام لم يعد محبذاً، إذ ترصد قواتُ الاحتلال أي تصريحات إعلامية، ما قد يُعرّض صاحبها لخطر الاعتقال، أو على الأقل الاستجواب لساعات. أمّا الصحافيون أنفسهم، ولا سيما المقيمين داخل القنيطرة، فيتعرضون لضغوط كبيرة، وباتوا معروفين لدى قوات الاحتلال، ما جعل عملهم أكثر صعوبة وأقل أماناً.

ليلة سقوط الأسد: نقطة فاصلة

يحفظ سكان القنيطرة عن ظهر قلب جغرافية المنطقة، وما وراء كل بقعة فيها، وكيف تغيّرت على مدى عام ونصف. يُشيرون إلى تلال محيطة بقراهم، باتت نقاط تمركُز دائمة لجنود الاحتلال منذ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، وإلى طرق يعرفون أن دوريات الاحتلال تسلُكها بشكل شبه يومي، وهي تدخل إلى بلداتهم، إمّا بهدف التجول والمراقبة، أو المداهمة واعتقال بعض الشبان ومضايقة السكان في منازلهم. حتى إنهم باتوا مؤخراً يحفظون ساعات دخول الدوريات وخروجها، ويراقبونها من وراء ستائر نوافذ بيوتهم، ويعني ذلك، في كثير من الأحيان، اضطرارهم إلى تغيير خطوط سيرهم وحركتهم. وحتى عندما كنا نتنقل معاً من منطقة إلى أخرى، كان علينا أحياناً توخي الحذر، والسؤال أحياناً أخرى، كي لا نُفاجأ بإحداها هنا أو هناك، ومع ذلك يتحدث الجميع عن الأمر باعتياد واضح، وبشيء من التهكُّم على واقع الحال المأساوي.

ويبلغ عدد النقاط العسكرية الجديدة التي أصبحت دائمة لقوات الاحتلال تسعاً، تمتد من شمال المحافظة وحتى جنوبها، وهي مجهزة بآليات وعناصر ووحدات طبية وحتى نوادٍ رياضية، وفق شهادات السكان.

«كل المحافظات فرحت بالسقوط إلا نحنا، بعد كم ساعة ونحنا عم نحتفل قالولنا الاحتلال صار على حدود البلدة»، تقول أم عمر، وهي من سيدات قرية طرنجة، وتسرد بعض التفاصيل اليومية لحياتها وحياة عائلتها وجيرانها مؤخراً: «دبابات الاحتلال باتت تأتي كل يوم تقريباً وفي بعض الأحيان تكون مسرعة لدرجة يمكن أن تدهس أي شخص بطريقها، وصوت الزنانة لم يعد يفارقنا. في كثير من الأحيان ينزل الجنود ويدخلون المنازل ويسألون عن وجود السلاح، وعن الشباب على وجه الخصوص، وعن ارتباطات محتملة مع حزب الله اللبناني، ويبدو أنهم خائفون من تشكيل أي تجمع يُحتمل أن يُقاومهم. يتكلمون العربية جيداً ويهتمون بأن يعرفوا تفاصيل حياتنا، وماذا نعمل لكسب معيشتنا، ويعرفون بعض الأشخاص بالاسم. منذ أشهر خلال الشتاء، دخلوا إلى منزلي، وتعمّدوا أن يعيثوا فيه فساداً، فخرّبوا الأثاث وداسوا عليه بأحذيتهم المتسخة، وفتشوا أجهزة الخليوي، وبعد ساعتين انسحبوا، وجاءت جاراتي بعدها لمساعدتي في التنظيف وإعادة ترتيب كل شيء».

ولعل «المضحك المبكي» كما يقول الناس هو أن دوريات المراقبة التابعة للأمم المتحدة تسلك الطُّرق ذاتها التي تسلكها دوريات الاحتلال، بعد انسحابها ببضع ساعات، فتتجول بغرض «توثيق الانتهاكات التي حدثت». يزيد ذلك من شعورهم بأنهم «متروكون وحدهم لمواجهة مصيرهم»، ومن حالة عدم الثقة بهذه المنظمة وبأي هيئات تابعة لها.

تعتقد أم عمر أن الغرض من جميع تصرفات الاحتلال هو استفزاز السكان ليصدر عنهم أيٍُّ فعل يُمكن ان يتخذه ذريعة لمداهمات واستيلاءات على الأراضي بوتيرة أشد. وتُضيف: «نحن مؤمنون بأن الاحتلال إلى زوال، لكن علينا أن نكون أكثر صبراً فإمكانياتنا قليلة، ولا قدرة لنا على المواجهة حالياً. أحياناً يخرج البعض للتصدي لهم، أو يرشقهم الأطفال بالحجارة».

أمّا بالنسبة إلى آخرين من سكان طرنجة، فتحمل المسألة أبعاداً أعمق؛ مرتبطة بالخوف من تجربة تهجير جديد بعد كل ما عاشوه خلال العقود الماضية. تقول أم أحمد: «تعذّبنا كتير من نحنا وصغار. ننزح من بيوتنا وتتخرَّب ونرجع. ووقت الثورة كمان صار كتير معارك والنظام اعتقل كتير من شبابنا، وما عاد بدنا نتهجّر من جديد».

وفي القرى الواقعة إلى الجنوب أكثر، لا تختلف الأحاديث كثيراً. أخبار الواقع الجديد الذي فُرض عليهم قبل نحو عام ونصف هي شاغل الناس اليومي، إلى جانب رفض واضح لكل ما يحدث. يقول أبو أنس وهو رجل خمسيني من سكان قرية كودنة إن الحياة خلال الأشهر الأخيرة صارت صعبة للغاية نتيجة التوغلات اليومية وكل ما يرافقها من مضايقات، لكنه يتحدث أيضاً عن تكتيكات أخرى يستخدمها الاحتلال وتتمثّل في توزيع مساعدات إغاثية على الناس، وهو أمر مرفوض تماماً لديهم: «عرضوا علينا مساعدات حرقناها. مفكرين الناس ميتة من الجوع وإنه ممكن يشترونا بالإغاثة؟ منموت وما مناخد منهم حبة رز». كما يتحدث آخرون عن عروض من الاحتلال لبناء مساجد، ونقاط طبية، وحتى مساحات لعب للأطفال.

إلى جانب كل هذه الانتهاكات، تحدّث تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية في أيار (مايو) الفائت، عن «عمليات تدمير متعمدة نفذها الجيش الإسرائيلي في قرى وبلدات في محافظة القنيطرة منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024، بدون ضرورة عسكرية مطلقة، وهو ما ينبغي التحقيق فيه باعتباره جريمة حرب».

مداهمات واعتقالات

لعل أكثر ما يؤرق سكان محافظة القنيطرة هو الكلفة الإنسانية التي يدفعونها، والمُتمثّلة في الاعتقالات التعسفية التي تنفذها قوات الاحتلال، والتي طاولت، منذ سقوط نظام الأسد وحتى اليوم، عشرات الشبان والرجال وحتى الأطفال. أُطلِق سراح كثيرين منهم، في حين لا يزال 47 منهم قيد التوقيف، وهو العدد المسجل رسمياً حتى الآن، دون وضوح الأسباب والتهم ومدة الاحتجاز. يُشير بعض من التقيناهم إلى أن عدد من لا يزالون معتقلين أكبر من ذلك، لكن لا توجد حتى الآن إحصائية كاملة بأعدادهم. يُحتجز البعض لساعات أو أيامٍ داخل نقاط ضمن القنيطرة مثل نقطة الحميدية أو نقطة القنيطرة المهدّمة، أو ينقلون إلى سجون داخل إسرائيل مثل عوفر أو سد تيمان، فيمكثون أسابيع أو شهوراً، وقد يتعرضون للمحاكمة فيها.

يتحدث أحد سكان قرية كودنة بحزن عن واقع الحال هذا: «عايشين برعب أكتر من وقت نظام الأسد. وقتها لو حصل اعتقال كنا نعرف لوين نروح، فرع سعسع أو غيره. هلأ إذا أخدنا الاحتلال مين بده يسأل عنا ووين؟ ما حدا عم يتجاوب معنا، لا الأمن السوري، ولا الخارجية، ولا الأمم المتحدة. هاد غير خساراتنا وقت تصير مداهمات، من مصاري وجوالات ولابتوبات. عم نفقد الأمل، لا حياة لمن تنادي».

ويُضيف وائل من قرية صيدا الجولان: «الوضع من سيئ إلى أسوأ بعد سقوط النظام. المداهمات شبه يومية، بالجنود والكلاب، واعتقال أشخاص دون أن نعرف التهم الموجهة إليهم، فالذرائع مختلفة كل مرة، حتى أن هناك معتقلاً من قريتنا من قبل السقوط. والأمم المتحدة؟ لا تأثير يذكر لها».

وحتى لو لم تسفر المداهمات عن اعتقالات بالضرورة، فإنها توحي بأن المنطقة مستباحة أمام قوات الاحتلال، فقد أشارت شهادات عدة إلى أن عناصر الدوريات يعرفون عدداً من السكان ويعرفون تفاصيل حياتهم الدقيقة، ويوقفونهم ليسألوهم عن أمور شخصية، أو لتفتيشهم، ويلقون التحية على آخرين بأسمائهم، في مشهد يعكس انتهاكاً لكل الخصوصيات.

كودنة. زينة شهلا – الجمهورية

فقدان البيئة والأراضي

لا تقتصر ممارسات الاحتلال في القنيطرة وريفها خلال العام والنصف العام الأخيرين على المداهمات والاعتقالات والتوغّلات، على خطورتها؛ فأحاديث السكان تدور أيضاً حول تجريف الحراج والأراضي، واقتطاع آلاف الدونمات الزراعية أو جعلها غير صالحة للحياة، ويُشكّل ذلك مصدر قلق إضافي للمزارعين ورعاة المواشي، ويعزز لديهم الإحساس بوجود نية واضحة لتهجيرهم من خلال جعل الحياة اليومية أكثر تعقيداً. ووفق شهادات متقاطعة، يدفع الحرمان من مصادر العيش الأساسية، عدداً من شبان قرى القنيطرة المختلفة للانضمام إلى قوى الأمن العام، في ظل قلة الخيارات الأخرى المتاحة لهم.

يقول مصطفى، وهو أحد سكان مدينة القنيطرة: «يوماً بعد آخر يصبح كل شيء أصعب، نرصد بشكل مستمر حوادث إطلاق نار على المزارعين والرعاة، ومنعهم من الوصول للأراضي سواء للزراعة أو الرعي. نشعر بأن كل ما يحدث هو خطة ممنهجة لتفريغ المنطقة تحت وطأة الضغط الاقتصادي، فاليوم لم تعد هذه المهن كافية للمعيشة».

ووفقاً لأبي أنس من قرية كودنة: «راحت لنا أراضي ومراعي كتير، بسبب منعنا من دخولها والاهتمام فيها، أو بخ مبيدات عم تسبب حرق العشب لحتى ما نستفيد منه، إضافة لسيطرة الاحتلال على عدد من خزانات وآبار المياه، ومنعنا من إنا نروح عليها بعد المغرب؛ فالمياه صارت أقل، وعم نضطر نشتري. تأملنا خير هي السنة بموسم الأمطار، إجا الاحتلال سرقنا، وصار الوضع أسوأ من قبل. كتير مزارعين زيتون، مثلاً، ما قدروا يروحوا يحوشوا المحصول ويعصروه، فخسروا الموسم». ويُضيف أبو جاسم من القرية ذاتها: «عندي 140 راس غنم، والشغل عم يصير أصعب وأصعب. عم أشتري العلف بالدين، وهي السنة اضطريت بيع من الغنم لأقدر كمل، المهنة صارت مكلفة بدل ما تكون مربحة».

وقد نقلت وكالة سانا للأنباء عن رئيس اتحاد الفلاحين في القنيطرة نهاية حزيران (يونيو) الفائت، أن «الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة شملت ملاحقة الرعاة، ومضايقتهم، ورش مبيدات كيميائية تالفة على المحاصيل، إضافة إلى اقتطاع مساحات زراعية». ووفق شهادات عدة عن رشِّ المبيدات، أشار عدد من السكان إلى أن تأثيرها لم يقتصر على حرق الأعشاب والمزروعات؛ إذ شعر عديدون بضيق في التنفس حينها، واضطروا إلى مراجعة أطباء الصدرية، من دون أن تشخَّص لديهم أيُّ حالة خطيرة حتى اليوم.

يُضيف مجيد عبد العزيز حسين وهو مختار قرية صيدا الجولان، في هذا الصدد: «تضررت الأراضي الرعوية بسبب رش المبيدات، كما أن قوات الاحتلال أقامت حواجز لمنع الرعاة من الوصول إلى هذه الأراضي، ونتحدث هنا عن المنطقة الممتدة من حوض اليرموك إلى الرويحينة. حتى دونمات القمح والشعير تأثرت، وكذلك تربية النحل بسبب عدم القدرة على التحرك بحرية. الزراعة والرعي مهن أساسية في منطقتنا ويعتمد عليها الجميع، حتى لو كانت لديهم وظيفة أخرى، لكنها اليوم باتت عبئاً، فكثيرون يضطرون إلى بيع بعض مواشيهم لتأمين تكاليف العلف وغيرها، إلى جانب سرقة قوات الاحتلال مئات  من رؤوس الأغنام والماعز والأبقار». وعن واقع المياه، يقول حسين: «نعتمد على الآبار، فمياه السدود ما زالت خفيفة، وبعضها في وضع حرج، ونحتاج إلى عدة مواسم متتالية من الأمطار الوفيرة حتى نصبح في مأمن».

خان أرنبة. زينة شهلا – الجمهورية

شعورُ سكان القنيطرة عموماً بالخذلان واليأس والغضب واضحٌ جداً، وهم اليوم «آخر نبأٍ في نشرات الأخبار» وفق تعبيرهم، ما يدفعهم أحياناً إلى القول إنهم «يعيشون وكأنهم خارج سوريا». وهو إحساس متراكم منذ عقودٍ، في ظلِّ إهمال محافظتهم خدمياً وجعلها مجرد ورقة تفاوضٍ؛ فهي «كانت منسية وما زالت منسية». ويمتد هذا الإهمال إلى المشاريع الاستثمارية أيضاً، كما يقول محمد السيد، وهو صاحب مكتب عقاري في بلدة خان أرنبة، فلا خدمات تشجّع المستثمرين، ولا أوضاع أمنية مستقرة تجعل شراء الأراضي أو إقامة المشاريع أمراً معقولاً أو مجدياً.

لا حلول سحرية لدى الأهالي، وهم يحتاجون بشكل أساسي إلى الأمان، وإلى دعم مقومات الحياة والمعيشة والزراعة خصوصاً. يصرّون على أن الحياة مستمرة، وعلى أنهم متمسكون بأراضيهم ومنازلهم، فعلاً لا قولاً، فلم تشهد المنطقة حتى اليوم حركة خروج واسعة أو جماعية. لا أحد ممن قابلتهم يساوم على فكرة النزوح من جديد، وبعضهم يقول: «لن نكرر أخطاء الماضي». لا يقبلون وجود قوات الاحتلال، لكنها باتت أمراً واقعاً يجب التعامل معه، وفي الوقت ذاته لا يرفضون تماماً إبرام اتفاقيات مع الكيان الإسرائيلي، شريطة أن تحفظ أراضيهم وكامل حقوقهم