في حين تموج مشاعر السوريين، وعلى مدار أسابيع، في خضم استقطابات وتشنجات متصاعدة، عبر حدثٍ تلو الآخر، حتى لتكاد تشعر أن “قشة” السلم الأهلي، قد تُقصَم في أي لحظة، نُفاجئ ببعض “أسيادنا” من علماء الدين، منخرطين في الدعوة لإهانة آخر، لأنه مخالف لاتجاههم الفكري والسياسي.
وفي حين يتصاعد الجدل حول حدود مسؤولية المجرم، أمجد يوسف، المتورط في مجزرة التضامن، ومدى شمولها لبيئته الحاضنة، وسط استسهال لتعميم حدود هذه المسؤولية لتتجاوز البعد الفردي والهرمي التنظيمي، إلى بعد أكبر، اجتماعي – طائفي، نجد استسهالاً مناظراً للطعن والتشنيع برجل دين، من جانب رجال دين آخرين، لأنه مخالف لفهمهم للدين، بكل بساطة. أو ربما، لأنه اشتق في وقت من الأوقات، فهماً مختلفاً لكيفية التعامل مع أحداث ثورة الـ 2011.
فقد فُوجِئ كاتب هذه السطور، بمنشور للشيخ محمود الدالاتي، يشارك فيه منشوراً للشيخ الدكتور بسام الشيخ، يدعو فيه الأخير، إلى منع الدكتور محمد حبش، من التصدر في مساجد سوريا كلها، آملاً أن تمنعه مديرية أوقاف دمشق من تدنيس المسجد، واصفاً إياه بـ “الزنديق”. وذلك في معرض تعليقه على إعلان حبش تصوير حلقات في جامع الشيخ محي الدين بن عربي بدمشق، نهاية الشهر الجاري. وقال الدكتور الشيخ: “أنا متأكد بأن الشباب الكاره له سيعطل مجالسه بالفوضى”. مشيراً إلى أن دعوته هذه تندرج في سياق “الحفاظ على الأمن العام والسلم الأهلي والحس الوطني”، حسب تعبيراته.
في حين علّق الشيخ الدالاتي على هذا المنشور، بالقول: “لا أؤيد رميه بالبيض أو الطماطم أو الاعتداء عليه وطرده من المسجد ورميه بالأحذية والبصاق عليه ولكن أتوقع أن هذا ممكن أن يحدث في دمشق الأبية العزيزة التي ترفض الضيم وتلفظ المنافقين وتنفي خبثها لذلك”.
بطبيعة الحال، يعلم كثير من القرّاء الطبيعة الإشكالية لطروحات وأفكار الدكتور محمد حبش. وهي إشكالية تعود إلى ما قبل عقدين من الزمن. سواء في مقارباته التأويلية والحداثية للنص الديني، أو في معالجاته للمشهد السياسي مع انخراطه في الحياة السياسية كعضو في مجلس الشعب، بعهد النظام البائد، وصولاً إلى العام 2011، والأحداث التي تلتها. وأما على صعيد السياسة، وهو مجال تخصص الكاتب، فلـ حبش ما يُحسب له، على صعيد أخذ مسافة من النظام منذ الأسابيع الأولى من الثورة، أخذت تتسع وصولاً للخروج من عباءته بصورة كاملة في وقت لاحق. ويمكن لنا أن نختلف معه ملياً، في طرحه حول ما عُرف بـ “التيار الثالث”، بعيد اندلاع الثورة عام 2011، وأخذه مسافة من المعارضة الحدّية ضد الأسد حينها. لكن حينما اتضح جلياً أن النظام يتجه في مسار الإيغال بدماء السوريين بلا رجعة، وأنه لا يعتزم تقديم أي تنازل جدّي لتحقيق تسوية سياسية، أخذ حبش موقفاً علنياً منه، ووسم بشار الأسد بالفشل، وحمّله مسؤولية ما ذهبت إليه البلاد منذ العام 2012، وبتصريحات مباشرة وعلنية، لا تقبل أي تأويل.
أما على صعيد الخلاف في الفكر والمنهج الديني، ورغم أن ذلك ليس من اختصاص كاتب هذه السطور، لكن استسهال إطلاق توصيف “الزنديق”، من جانب عالم دين، بحق عالم دين آخر، صادم بالنسبة لي. فهو حكم خطير يعادل التكفير، ويتطلب ضوابط شرعية صارمة، وفيه تحريض مباشر على العنف، خاصة في خضم الأجواء التي نحن فيها الآن، في سوريا.
الملفت أن الدكتور بسام الشيخ، الذي أطلق وصف “الزنديق” بحق محمد حبش، هو دكتور في الفقه الإسلامي وأصوله، وأستاذ في كلية الشريعة بجامعة حلب. أما الشيخ محمود الدالاتي، فهو خريج كلية الدعوة الإسلامية في جامعة “أبو النور” بدمشق، وأحد الشخصيات الدينية الفاعلة في الحراك الثوري بحمص، عام 2011، وعضو المجلس الإسلامي السوري سابقاً. وهنا تصبح المفارقة، أنه إن كان “علماؤنا” يستسهلون شكلاً من أشكال “التكفير” لنظرائهم، بسبب الخلاف الديني والسياسي، الذي لا يُخرِج من “الملّة”، وفق الرائج لدى جمهور العلماء، فلا عتب على “الرويبضة” الذين يحكمون عالمنا الافتراضي ويُوصَف كثير منهم بأنهم “مؤثّرون”، من جراء ما يفتعلونه من تحريض بأوساط السوريين!
في هامش الاختلاف السياسي، يجب تقبّل كل الآراء، باستثناء تلك التي تؤيد أو تحرّض على العنف أو سفك الدماء. ولا نجد في سيرة محمد حبش ما يندرج في هذا السياق، حتى لو اختلفنا مع تقديراته ومواقفه السياسية. أما في هوامش الخلافات في الفكر الديني، فآدابها معروفة، من احترام المخالف وحسن الظن به، وتجنب الطعن والتشنيع بسبب خلاف فقهي، والحوار المهذّب، ومقارعة الحجة بالحجة، واجتناب التعصب، وسعة الصدر.
حينما يُوصَف “رجل دين” بأنه “زنديق”، وتتم الدعوة لإفشال مجلسه “العلمي” بالفوضى، أو حتى الدعوة الضمنية لـ “البصاق” عليه، يكون ذلك تحريضاً صريحاً على شكل من أشكال العنف السلوكي. وارد أن يتحول إلى عنف جسدي. وهو أمر يهدد بالفعل، السلم الأهلي، ويتيح خلق بيئة طاردة للحوار وتقبّل المختلف، حتى من داخل “الملّة” ذاتها، فقط لأنه يقدّم قراءة مختلفة عن السياق الذي يؤمن به مُطلِق وسم “الزندقة”. فما بالك بالمختلفين من خارج “الملّة”! فهل هذه سوريا التي يأملها بعض “أسيادنا” من “العلماء”! وهل هذا هو “الدين” السمح، الذي يدعوننا إليه، والذي أُرسِلَ نبيه، “رحمة للعالمين”!
