-
هاديا منصور…. الجمهورية .نت
-
-
-
بعد نحو عامٍ ونصف من سقوط نظام الأسد، تحاول المجتمعات المحلية إعادة ترتيب حياتها اليومية، مستندةً إلى ما تبقّى من مواردها وإلى خبرة قاسية راكمتها خلال سنوات طويلة من الصراع. العودة ليست سهلة ولا مكتملة، لكنها تظهر في تفاصيل صغيرة وواضحة، مثل أن يفتح دكانٌ أبوابَه بعد سنوات من الإغلاق، وأن تعود ورشة حدادة للعمل، وأن تُبعث مهنة قديمة من جديد لأنها أصبحت ضرورة للعيش.
في قلب المدن، كانت الأسواق أول الساعين إلى كسر الصمت، فبعد أن هُجِرت خلال سنوات الحرب أو تحولت إلى نقاط تماس خطرة، بدأت تستعيد دورها الاجتماعي والاقتصادي، ولو بإمكانات محدودة. في أحد أسواق حلب القديمة، وقف تاجر الخضار محمود عمور، صباح يومه الأول أمام باب متجره المتآكل، يُزيل الغبار عن الواجهة ويُعيد ترتيب الصناديق الخشبية كما كان يفعل قبل أعوام. كان يعرف أن حركة البيع ستكون محدودة، وأن الأرباح قد لا تكفي لسدِّ التكاليف، لكنّ عودته إلى فتح المحل لم تكن قراراً اقتصادياً بقدر ما كانت محاولةً لملء الفراغ الذي خلّفته الحرب.
يخبرنا عمور أن السوق، بالنسبة له ولغيره من التجار، لم يَعد مجرد مساحة لتبادل السلع، بل صار مكاناً لاستعادة الإحساس بالحياة المشتركة؛ يعود فيه الناس لتبادل التحية والأخبار، وتفقّد بعضهم بعد غياب طويل. ويقول: «فتحنا المحل من جديد، لا لأن الوضع تحسّن كثيراً، بل لأن الناس بحاجة لبعضهم. السوق ليس فقط للبيع، هو مكان نشعر فيه أن المدينة ما زالت حيّة».
ويُشير في حديثه إلى أن كثيراً من الزبائن يأتون للسؤال أكثر مما يأتون للشراء، وأن مجرد عودة الأصوات والحركة إلى الأزقة القديمة المُهدَّمة تمنحهم شعوراً بأن شوارع حلب تحاول الوقوف على قدميها من جديد، حتى وإن كانت الخطوات بطيئة. بالنسبة لعمور، صار استمرار فتح المحل كل صباح شكلاً من أشكال المقاومة اليومية للنسيان، ومحاولة للحفاظ على ما تبقى من روح المدينة التي أنهكتها الحرب.
وتُشير مشاهد الأسواق إلى تغيُّرٍ في سلوك الناس أيضاً، فحركة البيع والشراء لا تعكس بالضرورة قدرةً شرائيةً مرتفعة بقدر ما تُعبّر عن حاجة مُلحّة لاستعادة نمط الحياة الطبيعي، حتى في ظلِّ الغلاء المستمر، ومحدودية الدخل.
يرى الخبير الاقتصادي أيمن الطاهر في حديثه إلى الجمهورية.نت أن المشهد الاقتصادي القائم اليوم في المدن السورية لا يُمكن فصله عن سياق ما بعد الحرب، حيث تتقدّم المجتمعات المحلية لملء الفراغ الذي تركه غياب الدولة والاستثمارات الكبرى. ويوضح أن اعتماد الناس على أنفسهم لم يكن خياراً طوعياً بقدر ما كان نتيجة مباشرة لانهيار البنية التحتية وتراجع فرص العمل المُنظَّمة، ما أفرز نمطاً اقتصادياً جديداً يقوم على المبادرات الفردية والأنشطة الصغيرة.
يظهر نشاط المبادرات الفردية بوضوح في عودة الورش الصغيرة التي تؤدّي دوراً محورياً في مرحلة ما بعد الحرب، فقد أصبحت هذه الورش القائمة على المهارات اليدوية ورأس المال البسيط ملاذاً لآلاف الأسر.
وفي أحد الأحياء الشعبية في مدينة سراقب المدمّرة، لا يحتاج المارة إلى البحث كثيراً ليلاحظوا محاولات النهوض من بين الركام. إذ يخرج صوت مطرقة من ورشة صغيرة، تُحيط بها جدران متصدعة وأسقف مثقوبة، ويكسر صمتاً ثقيلاً فرضته سنوات الحرب، ويُعلن بداية مختلفة، وإن كانت متواضعة.
يقف خالد الرحّال، وهو حدّاد في الأربعين من عمره، بين بقايا آلات قديمة نجت بصعوبة من القصف والنزوح. أعاد فتح ورشته بعد انقطاع طويل، لا بدافع التفاؤل المفرط، بل بدافع الحاجة إلى العمل والاعتماد على الذات. يؤكد أن العودة لم تكن سهلة، فالورشة تفتقر إلى معظم معداتها، والمواد الأولية باهظة الثمن، والطلبات محدودة. يقول الرحال: «لم ننتظر دعماً أو مشاريع كبيرة، بدأنا بما توفر لدينا من أدوات قديمة. العمل قليل، لكنه يكفي لنشعر أننا لسنا عالة على أحد».
بدأ خالد عمله بإصلاح الأبواب والنوافذ الحديدية المتضررة في بيوت الجيران، قبل أن تتوسع الدائرة تدريجياً مع عودة بعض السكان وترميم منازلهم بشكل جزئي. بالنسبة له، لم تعد الورشة مجرد مصدر دخل، بل مساحة لاستعادة الكرامة الشخصية والشعور بالقدرة على الاستمرار.
وتعكس ورشة خالد نموذجاً يتكرر في كثير من المدن والبلدات الخارجة من الحرب، حين يتحوّل الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد دمار وإغاثة، إلى اقتصاد يقوم على المبادرات الفردية والمهارات المحلية. ورغم هشاشة هذا التحوّل في ظلِّ غياب سياسات عامة فاعلة ودعم مؤسسي حقيقي، فإنه يُشكّل محاولة واقعية لإعادة بناء الحياة بأدوات بسيطة وإرادة لا تزال تُقاوم الانكسار.
ورشة خالد الرحّال في سراقب ويُشير الخبير الاقتصادي أيمن الطاهر إلى أن هذه الديناميكية، رغم ما تحمله من إشارات إيجابية على قدرة المجتمع على التكيّف، تبقى شديدة الهشاشة وقابلة للانتكاس في أي لحظة إذا لم تُدعَم بسياسات اقتصادية واضحة وخطط إعادة إعمار جدّية تخلق فرص عمل مستدامة وتُعيد الثقة إلى السوق. فإعادة فتح الأسواق والورش، برأيه، تُشكّل مؤشراً على عودة نبض الحياة، لكنها «لا تكفي وحدها لمعالجة مستويات الفقر والبطالة التي تراكمت خلال سنوات الحرب».
بعيداً عن الأسواق والورش، اضطرت كثير من النساء السوريات إلى البحث عن مهنٍ يمكن ممارستها من المنزل، في محاولة للنجاة اقتصادياً. واستعادت بعضهن خلال الحرب مهناً كادت تندثر، مثل تصليح الأدوات القديمة (بابور الكاز) والخياطة اليدوية والصناعات المنزلية البدائية (مربيات، مخللات، سوائل الجلي،…)، لتتحول إلى مصادر دخل بسيطة لكنها ضرورية.
اختارت سناء السلطان العودة إلى الخياطة من منزلها في ريف إدلب الجنوبي بعد سنوات من الانقطاع، ولم تتخيل يوماً أن الإبرة والخيط سيُصبحان طوق النجاة الوحيد لعائلتها. وضعت ماكينة خياطة قديمة في غرفة صغيرة من منزل مُتضرر جزئياً، بعد أن نفضت عنها الغبار كما لو أنها تستعيد جزءاً من ذاكرتها الشخصية.
تعلمت سناء الخياطة على يد والدتها في سن مبكرة، لكنها هجرتها لاحقاً مع تغيّر ظروف الحياة وانشغالها بأعمال أخرى خلال سنوات الحرب، انقطعت عن المهنة تماماً، قبل أن تعود مضطرة إليها مع ضيق سُبُل العيش وغياب فرص العمل، خاصة بالنسبة للنساء.
تعمل سناء لساعات طويلة يومياً، تُخيّط الملابس وتُصلح ما تضرر منها، وتلبي طلبات بسيطة تأتي في معظمها من الجيران والمعارف. ورغم أن الدخل محدود ولا يوازي الجهد المبذول، لكنّه وفّر لها الحد الأدنى من الاستقرار، وأعاد إليها شعوراً بالقدرة على الإعالة والاعتماد على النفس.
يُحذّر الخبير الاقتصادي من أن الاستقرار الاجتماعي سيظلُّ مهدَّداً في ظلِّ غياب الضمانات الاقتصادية الأساسية، لافتاً إلى أن استمرار انقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف القدرة الشرائية، كلها عوامل تضغط على هذه المحاولات الوليدة لإعادة تنظيم الحياة اليومية. وأي تعثّر في هذا التوازن قد يُعيد إنتاج أنماط الهشاشة نفسها التي عرفتها البلاد في مراحل سابقة.
ورغم ذلك، يرى الطاهر أن ما يجري اليوم يعكس إرادة مجتمعية واضحة في استعادة الحياة، حتى وإن جاءت هذه العودة ناقصة ومثقلة بالتحديات، فمحاولات الناس فتح محلاتهم وورشهم، والعودة إلى المهن التقليدية، تُعبِّر عن رغبة عميقة في البدء من جديد، ولو من نقطة الصفر.
في النهاية، تعكس تلك الحكايات عودة الحياة بخطوات مُتردِّدة إلى المدن السورية، عودة لا تصنعها الخطط الكبرى بقدر ما تنسجها التفاصيل الصغيرة التي يبتكرها الناس بمحاولاتهم اليومية. ورغم بساطة هذه المبادرات وتواضعها، وقدرتها على إبقاء روح الاستمرارية حيّةً ولو في حدّها الأدنى، فإنها ما تزال مُحاطة بواقع اقتصادي هشٍّ يحدُّ من نموِّها، ويجعلها عرضةً للانتكاس في أي لحظة ما لم تُدعم بسياسات جادة تُعيد الاستقرار وتكسر دورة التعثّر المتكررة.
-