نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
لم يعد الخطر الذي يمثله النظام الإيراني شأناً داخلياً، ولا مشكلة إقليمية يمكن وضعها في إطار الصراع التقليدي بالشرق الأوسط. فما راكمه نظام الملالي طوال العقود الماضية من أدوات النفوذ والتدخل والتسليح وإثارة الأزمات جعل الخطر يتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة ليطال منظومة السلام والأمن الدوليين.
لقد أثبتت التجارب أن النظام الإيراني لا يتعامل مع الأزمات باعتبارها ظواهر ينبغي احتواؤها، بل باعتبارها فرصاً لتوسيع نفوذه وتحسين شروط بقائه. فحين يواجه أزمة داخلية، يبحث عن متنفس خارجي؛ وحين يتعرض لضغط دولي، يفعّل أوراقه الإقليمية؛ وحين تضيق أمامه مساحة المناورة، يلجأ إلى وكلائه وأذرعه المسلحة لفتح جبهة جديدة أو تهديد ممر حيوي أو زعزعة أمن دولة أخرى. وهنا تكمن خطورته: إنه لا يكتفي بصناعة الأزمة، بل يعمل على تحويلها إلى منظومة دائمة لإنتاج الأزمات.
من اليمن إلى العراق ولبنان وساحات أخرى، تحول النفوذ الإيراني إلى شبكات مسلحة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على استهداف المدن والمنشآت والبنى التحتية والممرات البحرية. وما يحدث في البحر الأحمر من اضطراب في طرق التجارة والطاقة يقدم مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن بها لصراع في منطقة محددة أن يتحول إلى أزمة ذات تداعيات عالمية.
لكن الخطر لا يتوقف عند الحدود العسكرية؛ فالنظام بات يتعامل مع التحالفات الدولية ساحةً للمناورة، متعمداً تشتيت خصومه وإشغالهم بجبهات متعددة، بحيث يصبح العالم مضطراً في كل مرة إلى التعامل مع أزمة جديدة بدلاً من معالجة مصدر الأزمات. وهذا يعني أن استمرار الوضع القائم لم يعد خياراً آمناً. لقد جُربت العقوبات والمفاوضات وسياسة الاحتواء؛ ومع ذلك، أثبت النظام قدرته على استغلال الوقت لإعادة بناء أدواته. ومن هنا يصبح التغيير في إيران ضرورة ملحة، ليس للشعب الإيراني وحده، بل للمجتمع الدولي أيضاً.
غير أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يكون مشروعاً خارجياً تُمليه قوة أجنبية؛ فالشعب الإيراني هو صاحب الحق الأول في تقرير مستقبل بلاده، والقوى الوطنية والديمقراطية هي التي ينبغي أن تتصدر هذا التحول. وفي هذا السياق تكتسب المقاومة المنظمة أهمية استثنائية، لأنها تستطيع تحويل الغضب الشعبي إلى فعل سياسي منظم وبناء بديل حقيقي.
وفي هذا الإطار، أكدت الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، السيدة مريم رجوي، أنه بعد ثمانية أشهر من انتفاضة يناير 2026، باءت جميع حيل النظام للخروج من مستنقع السقوط بالفشل، مشيرة إلى أن بقايا النظام يعيشون كابوس الإسقاط ليل نهار مع تصاعد احتجاجات الشعب المنهوب وغليان المدن الإيرانية. وأوضحت السيدة رجوي أن سياسات الإفقار ورفع أسعار البنزين والسلع زادت من مساحة الاستياء، مما دفع النظام مرعوباً إلى موجة إعدامات وحشية شملت العشرات من السجناء السياسيين، وبخاصة أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والشباب الثوار. وأكدت السيدة رجوي أن البديل الديمقراطي في حالة صعود مستمر مدعوماً بجيل ثائر ووحدات المقاومة، وهو ما تجلى في تماسك الحركة عبر انتخاب الأمينة العامة الجديدة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، السيدة مهناز ميمنت.
إن على المجتمع الدولي أن يعيد تعریف موقفه؛ فالمطلوب ليس اختيار حكومة للمستقبل، بل التوقف عن التعامل مع بقاء النظام كقدر محتوم، ودعم حق الشعب في التغيير. كما أن مواجهة أذرع النظام في الخارج دون معالجة المصدر الذي يمولها في تهران ستظل مواجهة ناقصة.
إن إيران التي يحتاجها العالم ليست إيران الملالي ولا الحرس الثوري ولا الوكلاء المسلحين، بل إيران التي تستعيد علاقاتها الطبيعية وتحترم سيادة الدول وتكف عن تصدير العنف. والسؤال لم يعد ما إذا كان التغيير ضرورياً، بل كيف ومتى يحوله الشعب وقواه الوطنية إلى واقع؟ لن يصنع مستقبل إيران واشنطن ولا موسكو ولا أي عاصمة أخرى، بل سيصنعه الإيرانيون أنفسهم عبر مقاومتهم المنظمة من أجل إيران حرة، ديمقراطية، تعددية، ومستقلة.