هذه الخارطة، التي شكّلت وعينا بصورة العالم لقرون، تُبرز دول الشمال بشكل مهيمن: كندا وروسيا تمتدّان على ثلثي عرض الخارطة تقريبًا، وتتوسّطهما غرينلاند الشاسعة في شمال المحيط الأطلسي، في حين تتقلّص القارات الواقعة جنوب خط الاستواء، ولا يمتد على طول الحافة السفلى سوى القطب الجنوبي. والمفارقة أن الخارطة، مع دقّتها في تمثيل الزوايا وأشكال البلدان محليًا، تُخطئ بشكل جوهري في تمثيل المساحات والمسافات: فكل بلدٍ يقترب من القطبين يتمدّد أكثر فأكثر، حتى تبدو غرينلاند بحجم أفريقيا تقريبًا، رغم أن أفريقيا أكبر منها بأربع عشرة مرة في الواقع.
يكمن السبب في استحالة تمثيل الكرة الأرضية على سطح مستوٍ من دون تشويه، تمامًا كما يحدث لو قصصنا بالونًا منتفخًا وشددناه على إطار مستطيل: كل ما اقترب من الحافتين العلوية والسفلى يتمدّد أكثر. ومع ذلك، ظلّت خرائط مركاتور، في القرن السادس عشر، ذات فائدة كبرى للملاحة البحرية، لأنها تسمح برسم المسارات كخطوط مستقيمة بمسار بوصلة ثابت، فكان البحّارة يخطّون خطًا مستقيمًا ويتّبعونه. لكن الخط المستقيم على الخارطة لا يعني بالضرورة أقصر الطرق: فالخط الذي يبدو الأقصر بين نيويورك وموسكو يبلغ نحو 8900 كيلومتر، في حين أن الطريق الأقصر فعليًا، الذي يظهر على الخارطة كقوس شمالي يعبر جنوب غرينلاند والدول الاسكندنافية، لا يتجاوز 7500 كيلومتر.
| الصورة السابقة للعالم كانت تتمحور عمليًا حول أوروبا وأميركا |
كان الملاحون القدامى على وعي بهذا الخلل: فعند خط الاستواء، في وسط الخارطة، يبقى المقياس دقيقًا نسبيًا، أما في أقصى الشمال والجنوب فتتضخّم المساحات والمسافات بشكل مبالغ فيه، حتى يُمكن لخطين أفقيين متساويي الطول أن يمثّلا مسافتين مختلفتين تمامًا كليًا، بحسب موقعهما بين كندا وخط الاستواء. ولذلك تبقى خرائط مركاتور مفيدة كأداة ملاحية حين تصوّر مناطق محدودة المساحة، حيث يكون التشويه ضئيلًا، لكنها تفقد نجاعتها كليًا حين يتعلّق الأمر برسم العالم بأكمله لأغراض ملاحية دقيقة، لأنها في النهاية لا تعرض سوى صورة مشوّهة.
هذا ما رأته أيضًا، منذ زمن طويل، الدول التي تظهر أصغر من حجمها الحقيقي في إسقاط مركاتور. وفي يوم الجمعة، الرابع من أيلول/ سبتمبر 2026، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بطلبٍ من الدولة الأفريقية توغو، وضع حدٍّ لهذا الخلل التمثيلي. وأوصى قرار الأمم المتحدة، الذي حمل اسم “تصحيح الخارطة”، باعتماد نسخة “أكثر عدلًا” من تمثيل العالم، تعكس بدقّة أكبر النسب الحقيقية لمساحات البلدان. ويُعدّ هذا القرار خطوة تاريخية، لأن الصورة السابقة للعالم كانت تتمحور عمليًا حول أوروبا وأميركا، وقد رأى كثيرون أن تضخيم دول الشمال الصناعي، مقابل تصغير دول الجنوب القريبة من خط الاستواء، أمرٌ ينطوي على تمييز.
صوّتت 164 دولة، من بينها ألمانيا، لصالح مبادرة توغو، وامتنعت ست دول عن التصويت، في حين لم تعترض سوى الولايات المتحدة الأميركية، وربما لم يكن ذلك فقط بسبب معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المبدئية لكل ما يصدر عن المجتمع الدولي، بل لأن الولايات المتحدة نفسها من بين الدول التي ستتقلّص صورتها بشكل ملحوظ في الخارطة الجديدة.
يبقى تمثيل الكرة الأرضية على سطح مستوٍ مشكلة يصعب حلّها كليًا بالنسبة لعلم رسم الخرائط، فتحويل سطح كروي إلى مستطيل مسطّح مهمة استُنزف فيها عدد لا يُحصى من الفنانين والخرّاطين على مرّ القرون. ويبدو أن رسم صورة للأرض حاجة إنسانية أصيلة، إذ يبلغ عمر أقدم “تمثيل للعالم” عرفته البشرية 8200 عام.