جمال العتّابي.. جريدة المدى
حين يكتب تاريخ الصحافة العراقية بحبرها الحقيقي الممزوج بالدموع والعرق والتضحيات، فإن أسماءً قليلة تلك التي تلمع ببريق الطهر والنزاهة، لتشكل نبراساً للأجيال. ومن بين هذه الأسماء المضيئة، يبرز الصحفي الرائد حسام الصفار، الذي كتب مؤخراً، بذاكرة توثيقية فذة، تمثلت في كتابه الجديد الصادر في بغداد “ختامها مسك: أكثـر من نصف قرن في بلاط صاحبة الجلالة”. الصادر عن دار الصفار للطباعة والنشر 2026.
قراءة التجربة ومراجعتها، تشبه العودة في رحلة عبر الزمن إلى بغداد الستينيات، حيث كانت الكلمة شرفاً، والصحافة التزاماً وطنياً وإنسانياً نبيلاً. يعود بنا حسام إلى بداياته الأولى منذ أوائل ستينات القرن الماضي، ذلك الشاب اليافع الذي يمتلك جرأة الحالمين، حين غامر بخطوات ثابتة، وثقة مترعة بالشغف، ليدخل على رئيس تحرير جريدة “صوت العرب” فوزي عبد الواحد، مقدماً نفسه وقدراته الشجاعة للعمل محرراً في الجريدة. لم تكن تلك البداية سوى عتبة العشق الأبدي لعالم الصحافة، عالم السهر والقلق الجميل والبحث عن الحقيقة وسط أجواء الصراع والتناحر السياسي بعد 14 تموز 1958.
من “صوت العرب” انطلق الصفاّر ليحط رحاله في ميادين الصحافة العريضة، متنقلاً بين الصحف والمنابر التي صنعت وعي جيل بأكمله: “المنار”، “النور”، “صوت العمال”، “الفكر الجديد”، “طريق الشعب”، و”النهضة”. عمل فيها محرراً ومصمماً، وشغل مواقع متقدمة كرئيس للتحرير وسكرتارية التحرير في العديد من الصحف والمجلات. لم يكن انتقاله بين هذه المحطات مجرد تنقل مهني، بل كان ارتحالاً فكرياً ونضالياً لصيقاً بنبض الشارع العراقي وتطلعاته.
لم يكن حسام الصفار صحفياً مهادناً أو باحثاً عن مكسب شخصي، فقد كان منتمياً بوجدانه وعقله إلى “حركة القوميين العرب”، متأثراً بأفكارها التحررية والوحدوية التي كانت تملأ الأفق صخباً وأملاً. هذا الانتماء المبدئي والالتزام الوطني دفع ثمنه أكثر من مرة في زمن النظام الدكتاتوري، حيث تعرّض للاعتقال، والرقابة الأمنية، وحرمته من حق العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها الصحفية، وغالباً ما اتّهم الصفار بالانتماء إلى اليسار، أو الانحياز له، بسبب نهجه التقدمي، وعمله في صحافة الأحزاب اليسارية، العربية والكردية.
ظل حسام صلب الإرادة، نظيف اليد واللسان، قدم في تجربته الواسعة مثلاً على أن الصحافة الحقيقية هي التي ترتبط بقضايا الشعب ومطالبه الوطنية والإنسانية، وأنه لا مفاضلة بين شرف الكلمة وشرف الموقف. ورغم مسيرته الطويلة والحافلة بالمنجزات، ظل وفياً لمبادئه ونهجه الوطني، مفضلاً استقلالية الضمير وحرية العمل، على قيود الوظيفة الرسمية وامتيازاتها. لم يكتفِ حسام الصفار بأن يكون كاتباً ومصمماً في الصحافة، بل كان مؤسساً وبانياً حقيقياً للبنية الإعلامية والنقابية في العراق. لقد شغل عضوية مجلس نقابة الصحفيين العراقيين بكل اقتدار، وكان من الأسماء الفاعلة في تأسيس “اتحاد الصحفيين”. كما امتدت رؤيته النافذة لتأسيس “جمعية الناشرين”، فضلاً عن إرسائه دعائم عدة مشاريع صحفية وإعلامية، بقيت عياناً شاهداً على ديمومته وعطائه الثّر.
كان ناشطاً دؤوباً، مثابراً، يرى في الصحافة رسالة مجتمعية وليست مهنة عابرة. وكتابه الأخير ليس تسجيلاً لذاكرة شخصية، بل هو وثيقة تاريخية حية، وذاكرة وطنية لا غنى لكل باحث عن تاريخ الصحافة العراقية الحديثة عن العودة إليها والاسترشاد بدروسها.
حين أتناول تجربة حسام الصفار، فإنني لا أكتب من مسافة الحياد المبرر، بل أكتب من عمق التجربة والذاكرة. فقد كنت، ممن زاملوا حسام وعملوا معه عن قرب. في مجلة “الاقتصاد” وجريدة “الفكر الجديد”. منذ أول عدد صدر عنها عام 1972. كان مصمماً للجريدة، وكنت خطاطها.
لقد تعلّمت منه، في تلك السنوات الطويلة، أشياء كثيرة ما زالت راسخة في وجداني لحد الآن: تعلمت منه صدق العلاقة، وعمق الوفاء، ونبل الموقف الذي لم يتراجع أمام مغريات الزمن. وإحدى مكاسب الصفار المهنية، أنه عمل مع جيل من الرواد الصحفيين، هؤلاء عمقوا تجربته، ومهدوا السبل له نحو الصعود والتميز، أذكر بعضاً منهم: عبد العزيز بركات، عبد الله خياط، فائق بطي، سجاد الغازي، هاشم علي محسن، حلمي شريف، صادق الأزدي، وغيرهم.
كان حسام، ولا يزال، معلماً بالخلق والممارسة. تجسدت فيه ومن خلاله أسمى معاني السيرة الوطنية والإنسانية، مقدمًا مثلاً ساطعاً في المنهج المهني للعمل والعلاقات الإنسانية، والحفاظ على النهج الانساني الناصع في الصحافة.
إن تجربته الطويلة ونقاء سيرته يمثلان امتداداً مشرفاً لسيرة الرواد الكبار في الصحافة العراقية، أولئك الذين تركوا لنا إرثاً عظيماً من التضحية والنزاهة والعطاء الذي لا ينضب. في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى عدد من زملاء المهنة الذين تركوا أثرا في حياة الصفار، كما ورد في فصل الكتاب الأخير وهم: منير رزوق، سعود الناصري، جلال الماشطة، سلوى زكو، صادق الجلاد، عزيز علي، عباس البدري، ضياء حسن. إن كتاب “ختامها مسك” ليس مسك الختام فحسب لمسيرة صحفي لامع، بل هو تجربة رجل يتباهى بقلمه وضميره. شكراً لحسام الصفار لأنه منحنا هذا السفر الخالد، وستبقى سيرته العطرة مناراً وضاءً، لكل قلم شريف، وموقف نبيل في بلاط صاحبة الجلالة.