محرر بموقع السفينة
هناك أناس يمرّون في الحياة بصمت، لكن أثرهم يبقى أطول من أعمارهم. والمحامي خليل معتوق واحد من أولئك الذين اختاروا أن يجعلوا من مهنتهم موقفاً، ومن القانون طريقاً للدفاع عن الإنسان.
كان رجلاً شديد الوعي، مستقلاً في رأيه، يعرف جيداً طبيعة المخاطر التي تحيط به، ويدرك أن الوقوف إلى جانب المظلومين والمعتقلين ليس طريقاً آمناً. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يسمح للخوف أن يغيّر بوصلته.
اختار أن يكون إلى جانب من لا صوت لهم، وأن يمنح القانون معنى يتجاوز نصوصه ومواده؛ معنى إنسانياً يقوم على حماية الضعيف، والدفاع عن الكرامة، والوقوف في وجه الظلم.
كان يعرف أن الحرية التي يدافع عنها للآخرين قد تصبح يوماً ثمناً يدفعه هو نفسه. وهذا ما يجعل سيرته أكثر من مجرد سيرة محامٍ؛ إنها سيرة إنسان آمن بأن العدالة لا قيمة لها إذا غاب عنها الشجعان.
وحين أُغلقت خلفه أبواب الزنزانة، لم يكن السجن قادراً على إغلاق المسافة بينه وبين أولئك الذين دافع عنهم. بقي اسمه خارج الجدران، يمشي مع ذاكرة المعتقلين، ويطلّ من وجوه الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن، ومن ملفاتٍ تركت فوق الرفوف شاهدةً على زمنٍ كان فيه الدفاع عن الإنسان مخاطرةً بحياة المدافع عنه.
خليل معتوق لم يكن يبحث عن البطولة، بل كان يبحث عن العدالة. وربما لهذا بقي اسمه مرتبطاً بكل الذين آمنوا بأن الدفاع عن المعتقل والمظلوم ليس عملاً هامشياً، بل واجباً إنسانياً.
بعض الرجال تغلق وراءهم أبواب الزنازين، لكن أبواب الذاكرة لا تُغلق؛ وبعضهم يدفع حريته ثمناً لمبادئه، فيبقى صوته، حتى في الغياب، شاهداً على زمنٍ كان فيه قول الحقيقة نوعاً من الضوء.