
أصدرت هيئة التخطيط والإحصاء السورية دراسة تفصيلية عن واقع التضخم خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2025، مع “قراءة سريعة” للعام 2026. ويفيد التفكيك الذي أجرته الدراسة للتضخم ومصادره وديناميكيته وأثر السياسات الاقتصادية عليه، في بناء جملة دروس قابلة للتطبيق في المستقبل.
أول هذه الدروس يفيد بأن استقرار سعر الصرف أولوية. فأي معالجة للتضخم تبدأ وتنتهي عنده. وأي سياسة نقدية أو مالية أو اقتصادية يجب أن تضع استقرار سعر الصرف كشرط مسبق لها. كما أن رفع الأجور أو الدعم من دون استقرار سعر الصرف، يخلق دورة تضخمية جديدة.
ثاني هذه الدروس، أن معالجة التضخم تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الاستقرار النقدي، السياسة النقدية للتمويل وتغطية العجز، دعم الإنتاج المحلي، تأمين الطاقة، تخفيض تكاليف النقل، وتحسين كفاءة الأسواق وسلاسل الإمداد. وأي إجراء منفرد لن يكون كفيلاً بمعالجة التضخم، كما تثبت تجارب السياسات الحكومية خلال الفترة الزمنية المدروسة.
ثالث الدروس، أولوية دعم الإنتاج المحلي، فالتضخم في سوريا كان بنيوياً وليس نقدياً فقط، مما يجعل دعم الإنتاج المحلي (بصورة خاصة الزراعي والغذائي) أكثر فاعلية من الدعم السعري (زيادة الرواتب أو الدعم النقدي المباشر).
وتلفت الدراسة إلى أثر ملحوظ في توحيد الأسواق بالداخل السوري، وفتح الطرق بين المحافظات. وهو ما ظهر في مرحلة الاستقرار النسبي للتضخم بين عامي 2017 و2018، إذ ساهمت سيطرة النظام البائد على مناطق كانت خارجة عن سيطرته سابقاً في خفض تكاليف سلّة المستهلك وضبط التضخم. وهو ما تكرر خلال العام 2025، إثر انفتاح الأسواق في شمال حلب وإدلب على نظيرتها في وسط سوريا وجنوبها والساحل، ويتكرر خلال العام 2026 مع عودة المنطقة الشرقية للانفتاح -إلى حد كبير- على باقي الجغرافيا السورية.
وتكشف الدراسة أن تكاليف الطاقة والنقل، هي نقاط تدخل حرجة، فأي تعديل في أسعار الوقود يتبعه ارتفاع في تكاليف النقل ثم ينتقل الأثر إلى الغذاء والخدمات. مما يجعل ضبط تكاليف الطاقة والنقل ضرورة للجم “آلية التمرير التضخمي” التي تعمل بقوة في الاقتصاد السوري.
أما سادس الدروس فيتعلّق بوزن مجموعة الأغذية والمشروبات غير الكحولية في الإنفاق على السلع الأساسية (39.9%)، ما يجعلها الأكثر تأثيراً في التضخم العام، وهو ما يتطلب سياسات اقتصادية حسّاسة لعناصر هذه المجموعة في سلّة المستهلك السوري.
ويتبع للنقطة الأخيرة، درس سابع مستخلص من تجارب انقطاع سلاسل الإمداد الخارجية جراء الأزمات الإقليمية والدولية، كجائحة كورونا 2020، والحرب الروسية الأوكرانية، وأخيراً، الحرب مع إيران خلال العام الجاري، وهي تجارب انعكست بحدّة على مستوى الأسعار العام في سوريا، في كل مرة. وللدلالة على ذلك، نلحظ –وفق الدراسة- أن معدل التضخم السنوي في الفترة الزمنية المدروسة، وصل لأول مرة إلى ثلاثة أرقام (114%) عام 2020، تحت تأثير جائحة كورونا. ويظهر ذلك أيضاً في أثر الحرب الإقليمية في المنطقة عام 2026 والذي ارتد ارتفاعاً في أسعار بعض المواد بنسبة 30% خلال فترة زمنية قصيرة. وقد تركزت آثار الأزمات الخارجية على القمح والزيوت، وانعكست ارتفاعاً مباشراً في أسعار الخبز، الأمر الذي يوجب بناء احتياطيات استراتيجية وتنويع مصادر التوريد لهذه السلع تحديداً.
أما على مستوى السياسة النقدية والمالية، فأثبتت الدراسة أن القرارات الحكومية التي اعتمدها نظام الأسد في سنوات حكمه الأخيرة والقائمة على التمويل بالعجز، كانت أحد المحركات الرئيسية للتضخم. ووفق الدراسة، وصل معدل التضخم عام 2023 إلى أعلى مستوى خلال الفترة الزمنية المدروسة (130%)، وتلاها العام 2024 بنسبة (108%)، كنتيجة لسياسات التمويل بالعجز. مما يجعل ضبط العجز المالي والحد من التمويل بالعجز، شرطاً لازماً لاستقرار الأسعار. وهو درس يعيه صانع القرار المالي في سوريا اليوم، بشكل واضح، وإن كانت له كلفة متعلقة بتقليص الإنفاق العام الاستثماري والاجتماعي.
في المقابل، تكشف الدراسة نقطة ضعف في السياسات الحكومية، ما تزال قائمة حتى اليوم، إذ كان للتوقعات والتسعير الوقائي الناجم عنها، أثر مباشر في الدفع بالتضخم إلى نسب أعلى. مما يجعل إدارة التوقعات من جانب السلطات عبر شفافية السياسات الحكومية وتعزيز الاتصال مع الجمهور، عامل مؤثّر في الحد من التسعير الوقائي وارتفاع التضخم الناجم عنه.
وفي الانعطافة النوعية للتضخم عام 2025، والذي انخفض لأول مرة خلال 15 عاماً (-27%)، تصفه الدراسة بأنه تحسّن غير نهائي، لأن الربع الرابع شهد عودة واضحة نحو الارتفاع. أما في قراءتها “السريعة” للعام 2026، تذهب الدراسة إلى أن القرار الحكومي المتعلق بتغيير العملة والذي بدأ تنفيذه مع بداية العام الجاري لم ينعكس إيجاباً على التضخم والرقم القياسي لأسعار المستهلك، وإنما كانت النتيجة عكسية، إذ تسبب بضغط على الأسعار، وساهم -بالتزامن مع أثر صدمة العامل الخارجي (الحرب)- في امتصاص الزيادة النوعية في الأجور التي تقرر صرفها بداية شهر أيار الفائت.
في الختام، نجد أن دروس التضخم في سوريا خلال 15 عاماً، المفصّلة في دراسة هيئة التخطيط والإحصاء، تستحق وقفة مطوّلة من جانب المعنيين في وضع السياسات النقدية والمالية والاقتصادية في البلاد، للاسترشاد بها في صنع القرار بالفترة المقبلة، بهدف لجم “وحش” التضخم الذي أنهك معيشة السوريين، وما يزال.