بعد ثلاث سنوات على هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، يرى مايكل فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجيّة الأميركيّ، أنّ الشرق الأوسط تغيّر بصورة جوهريّة: تحوّلت حروب الوكالة إلى مواجهات مباشرة، وتراجعت قدرات “حماس” و”الحزب” وإيران، وتبدّلت موازين القوى في سوريا، فيما انتقلت إسرائيل من التعايش مع تهديدات منخفضة الحدّة إلى محاولة معالجتها بصورة أكثر شمولاً وديمومة.
لكنّ حصيلة هذه السنوات تطرح، في رأيه الذي كتبه على الموقع الإلكترونيّ لمجلس العلاقات الخارجيّة الأميركيّ، سؤالاً يتجاوز حجم الإنجازات العسكريّة: هل أصبح الشرق الأوسط الجديد أكثر أمناً وملاءمة لمصالح إسرائيل؟
من هذه المفارقة بين إضعاف الخصوم وعدم ضمان الأمن، يستخلص فرومان مجموعة من الدروس، مستحضراً خصوصاً تجربة الولايات المتّحدة بعد هجمات 11 أيلول 2001.
إعادة تشكيل المنطقة
يرى فرومان، الذي شغل منصب الممثّل التجاريّ للولايات المتّحدة في إدارة الرئيس باراك أوباما، وقبل ذلك منصب مساعد الرئيس ونائب مستشار الأمن القوميّ للشؤون الاقتصاديّة الدوليّة، أنّ ردّ إسرائيل على هجمات 7 أكتوبر لم يكن حرباً واحدة، بل سلسلة من الحروب أعادت تشكيل المنطقة.
انتقل الشرق الأوسط من حالة “عدم استقرار مستتر” إلى “صراع مكشوف”، وحلّت الغارات الجوّيّة والاجتياحات البرّيّة والمواجهات المباشرة محلّ جانب من الصراع الذي كان يُدار عبر الوكلاء والعمليّات السرّيّة.
قبل 7 أكتوبر، كانت “حماس” تحكم غزّة وتمتلك بنية عسكريّة وتطلق صواريخ على إسرائيل بصورة دوريّة، فيما كان “الحزب” يملك، وفق فرومان، نحو 120 ألف صاروخ دقيق قادر على استهداف البنية التحتيّة الحيويّة في أنحاء إسرائيل. وكانت سوريا تضمّ قواعد روسيّة وانتشاراً للحرس الثوريّ الإيرانيّ، وتشكّل حلقة أساسيّة في سلسلة إمداد “الحزب”، بينما امتلكت إيران بنية نوويّة داخل أراضيها وشبكة من الوكلاء في غزّة والعراق ولبنان وسوريا واليمن.
بعد ثلاث سنوات، تغيّر جانب كبير من هذه الصورة. أصبحت “حماس” و”الحزب”، وفق فرومان، “ظلّاً لِما كانا عليه”، وتعرّضت القدرات العسكريّة والإقليميّة لإيران، إلى جانب برنامجها النوويّ وبحريّتها، لضربات شديدة. وفي سوريا، ظهرت حكومة جديدة تعمل عن قرب مع الولايات المتّحدة وتسعى إلى صيغة تعايش مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، حافظت إسرائيل على علاقاتها مع دول اتّفاقات أبراهام وحسّنت علاقاتها اليوميّة مع دول أخرى في المنطقة.
لكنّ للنتائج جانباً آخر لا يقلّ أهميّة، بحسب فرومان: خسائر بشريّة كبيرة في غزّة، وتراجع احتمالات التوصّل إلى سلام طويل الأمد، وتآكل موقع إسرائيل على الساحة الدوليّة، بما بدأ ينعكس أيضاً داخل النظام السياسيّ الأميركيّ. كما أثبتت إيران ووكلاؤها أنّ تراجع قدراتهم العسكريّة لا يلغي قدرتهم على إحداث اضطرابات واسعة وامتلاك أوراق ضغط على الاقتصاد العالميّ.
من هذه الحصيلة المتناقضة، ينتقل فرومان إلى الدروس التي ينبغي لإسرائيل استخلاصها:
1 ـ إضعاف الخصوم لا يعني تحقيق الأمن
الدرس الأوّل هو ضرورة التمييز بين تغيير ميزان القوى وتحقيق نتيجة استراتيجيّة دائمة. فقد نجحت إسرائيل في إضعاف أبرز خصومها، وتراجعت قدرة إيران، لكنّ ذلك لا يكفي للقول إنّ إسرائيل أصبحت أكثر أمناً. فالخسائر البشريّة في غزة، وتراجع فرص التسوية، والأضرار التي لحقت بمكانة إسرائيل الدوليّة، كلّها أثمان يمكن أن يستفيد منها خصومها حتّى بعد إضعافهم عسكريّاً. وبذلك، لا يكمن معيار النجاح الحقيقيّ في حجم القوّة التي جرى تدميرها، بل في ما إذا كان الواقع الذي نشأ بعدها أكثر استقراراً وأمناً.
2 ـ الخصم الأضعف قادر على فرض كلفة كبيرة
يستخلص فرومان درساً آخر من تجربة إيران في الحرب غير المتكافئة. فقد تكون إسرائيل والولايات المتّحدة نجحتا في تقليص قدرة طهران على ترجمة قوّتها في المنطقة، لكنّ إيران ووكلاءها أثبتوا أنّهم لا يحتاجون إلى إمكانات ضخمة لإحداث اضطرابات واسعة واكتساب أوراق ضغط على الاقتصاد العالميّ.
هذه إحدى الحقائق القاسية للحرب غير المتكافئة: التفوّق العسكريّ لا يلغي قدرة الطرف الأضعف على فرض تكاليف استراتيجيّة. لذلك، فإنّ تدمير الجزء الأكبر من قدرات الخصم لا يعني بالضرورة القضاء على قدرته على التأثير أو تعطيل مصالح الطرف الأقوى.
3 ـ يمكن الانتصار عسكريّاً والفشل استراتيجيّاً
يستحضر فرومان تجربة الولايات المتّحدة بعد 11 سبتمبر/أيلول. وإذا كان على إسرائيل أن تتعلّم درساً من الحروب الأميركيّة التي امتدّت على مدى عقدين في الشرق الأوسط، فهو أنّ القوّة الكبرى لا تحتاج إلى خسارة الحرب عسكريّاً لكي تفشل في تحقيق أهدافها الأوسع.
فقد تنتصر في المعارك وتدمّر قدرات خصومها، لكنّها تستنزف في المقابل رصيدها من التعاطف الدوليّ ومزاياها الجيوسياسيّة والاستراتيجيّة. ويشير فرومان إلى أنّ حروباً من هذا النوع لا تنتهي عادة بانتصار واضح واستسلام نهائيّ، وإنّما قد تنتهي بالإرهاق واليأس.
لذلك لا ينبغي قياس النجاح بعدد المعارك التي جرى الفوز بها، بل بالموقع الاستراتيجيّ الذي تجد الدولة نفسها فيه عند نهاية الحرب.
4 ـ توسّع المهمّة قد يحوّل الحرب إلى مستنقع
يعود فرومان إلى المقارنة بين 7 أكتوبر و11 سبتمبر. في الحالتين تعرّضت دولة قويّة لهجوم إرهابيّ وحشيّ استهدف المدنيّين، ثمّ دخلت الحرب طلباً للعدالة وحماية مواطنيها والقضاء على التنظيم المسؤول والشبكة التي تدعمه.
لكنّ التجربة الأميركيّة أظهرت كيف يمكن لمزيج من المعلومات الاستخباراتيّة غير الواضحة، وضبابيّة الحرب، وتوسّع المهمّة، أن يقود إلى مستنقع من الصراعات، تكون له انعكاسات بعيدة المدى على الأمن والسياسة والمكانة الدوليّة.
هذا هو الخطر الذي يراه فرومان في التجربة الإسرائيليّة. فما بدأ في غزّة اتّسع إلى لبنان ثمّ إلى مواجهة مع إيران. وعلى الرغم من النتائج العسكريّة التي حقّقتها إسرائيل، فإنّ التجربة الأميركيّة تطرح سؤالاً أكثر أهميّة: كيف تنتهي الحرب؟ وما الهدف السياسيّ الذي ينبغي أن تفضي إليه؟
من دون إجابة واضحة، يمكن للانتصارات العسكريّة المتتالية أن تتحوّل إلى التزامات مفتوحة واستنزاف طويل.
5 ـ الاختبار الحقيقيّ يبدأ في اليوم التّالي
يضع فرومان مستقبل غزّة في صلب المرحلة المقبلة. فتدمير القدرات العسكريّة لـ”حماس” لا يجيب عن السؤال الأصعب: ما الذي سيحلّ محلّها؟
يرى أنّ إسرائيل والولايات المتّحدة تحتاجان إلى نقاش جدّيّ حول مستقبل غزّة على المدى الطويل، وما يمكن أن يحقّقه بناء المؤسّسات والدولة، والمخاطر التي ينبغي تجنّبها. وهنا يمكن للولايات المتّحدة أن تقدّم خبرة مهمّة لإسرائيل، ليس بسبب نجاح تجاربها السابقة فحسب، بل أيضاً بسبب الصعوبات التي واجهتها في محاولة إعادة بناء دول كانت تحكمها أنظمة استبداديّة وقوى مسلّحة.
يشير فرومان إلى مشروع “مجلس السلام” الذي اقترحه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وأيّده مجلس الأمن الدوليّ، ويعتبر أنّ المجلس قد يكون غير مثاليّ في جوانب عدّة، لكنّه، في غياب بدائل ذات صدقيّة، قد يشكّل فرصة لدفع العمل على مستقبل غزّة. غير أنّ نجاحه سيبقى مرهوناً بالتنفيذ.
الدّرس الأخير: ماذا تفعل بالانتصار؟
بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، يعود فرومان إلى السؤال الأساسيّ: هل أصبح الواقع الجديد في المنطقة أكثر أمناً لإسرائيل؟
يحذّر من أنّ الخطر يكمن في أن تنتصر إسرائيل في معاركها وتضعف خصومها، ثمّ تجد نفسها وقد استنزفت جزءاً من رصيدها الدوليّ ومزاياها الاستراتيجيّة وفرص الوصول إلى تسوية سياسيّة.
عليه، فإنّ الاختبار الحقيقيّ لا يكمن في قدرة القوّة العسكريّة على إعادة تشكيل المنطقة، بل في القدرة على تحويل ما تحقّق في الحرب إلى أمن واستقرار ونظام سياسيّ قابل للاستمرار.
