ملخص
من المعروف أن نصوص جيل دولوز وفيليكس غاتاري اشتهرت بصعوبتها اللغوية وتركيبيتها الأسلوبية، بحيث يمكن القول إن قراءتها والاشتغال عليها كادا يكونان وقفاً على المختصين
في الحقيقة إنهم كانوا قلة أولئك الذين لاموا الناقد الصحافي الإسباني حين، بعد أن انتهى من قراءة قرابة السبعمئة صفحة التي كرسها الباحث الفرنسي فرانسوا دوس لسيرة الفيلسوفين جيل دولوز وفيليكس غاتاري، تنهد بقوة وصرخ: “يا له من كتاب مضجر!”. كثر رأوا أنه على حق في ما ذهب إليه وهم أنفسهم من الذين يكاد الواحد منهم يعجز عن قراءة عدة صفحات من كتابة أي واحد من هذين الباحثين اللذين كان لهما، مع ذلك، تأثير كبير في الحياة الثقافية الفرنسية ما بعد مايو (أيار) 1968 وتحديداً عبر عدة كتب وضعاها سوية برز من بينها العملان الأكثر أهمية، “ضد أوديب” و”ألف هضبة”.
ومن المعروف أن نصوص دولوز وغاتاري اشتهرت بصعوبتها اللغوية وتركيبيتها الأسلوبية، بحيث يمكن القول إن قراءتها والاشتغال عليها كادا يكونان وقفاً على المختصين. ومع هذا غامر فرانسوا دوس، قبل ما يقرب من عقدين وبعد أن كان المفكران قد رحلا عن عالمنا، بوضع سيرة مزدوجة للمفكرين معاً أسهب فيها إلى درجة أن النص الذي كان يحاول ألا يشغل أكثر من 300 صفحة انتهى على أكثر من ضعفي ذلك، حتى وإن كان هو قد قال للصحافة فيما كان يعمل على الكتاب، أن ليس ثمة من أحداث يمكن العثور عليها في حياة أي من الفيلسوفين يمكنها أن تملأ صفحات كتاب متوسط الحجم. لكنه حقق تلك المعجزة وأثار في طريقه ضجر الناقد الإسباني. غير أن ثمة نقاداً آخرين رأوا على العكس منه أن تلك السيرة المزدوجة تتسم بأهمية كبيرة لمن يتمكن من قراءتها، في نهاية الأمر. وتكاد تكون نوعاً من التأريخ لنوع شديد الخصوصية من فكر “ما – بعد – الحداثة” الذي يمثله المفكران الفرنسيان.
“الشخص الثالث”
والحقيقة أن الذين وجدوا للكتاب الكثير من الفضائل قالوا إن من أهمها أن “كتابته لحياة دولوز وغاتاري، لا يتم التعامل معها هنا بوصفهما كتابة عن شخصين منفصلين تتوزع فصول الكتاب عليهما بالتساوي، بل تحاول أن تفهم كيف أن امتزاج تينك الحياتين، يمكّن من فهم الكيفية التي ولد بها الشخص الثالث ذلك الكائن الذي يفيض عن لقائهما الفكري”.
وكما يذكر كاتالوغ المكتبة الوطنية الفرنسية، من الواضح أن دوس قد اعتمد في كتابه على أرشيفات ووثائق لم يسبق نشرها إضافة إلى لقاءات واسعة مع عدد من أشخاص عرفوا المفكرين عن كثب.
غير أن الأهم من ذلك هو حرص دوس على ألا يكتب سيرة مزدوجة بالمعنى التقليدي، بل يطرح سؤالاً أكثر إثارة هو: “كيف أمكن لشخصين مختلفين إلى هذا الحد أن ينتجا فكراً مشتركاً يبدو أحياناً وكأنه صادر عن عقل واحد؟”.
فبحسب دوس، كان دولوز فيلسوفاً أكاديمياً صارم التعمق في تاريخ الفلسفة، بينما كان غاتاري محللاً نفسياً وناشطاً سياسياً مرتبطاً بالتجارب الجماعية والممارسة العلاجية.
ومن المعروف، كما يروي لنا الكتاب على أية حال، أنهما التقيا للمرة الأولى عام 1969 ليكون ذلك اللقاء بداية تعاون وصداقة فكرية تواصلت حتى وفاة غاتاري عام 1992.
وفي هذا السياق يلفت دوس نظرنا إلى واحدة من أفكار كتابه الأكثر إثارة وهي أن كتباً مثل “ضد أوديب” (1972)، و”ألف هضبة” (1980)، وبينها الكتاب عن كافكا (1980)، ومن ثم الأخير لهما والمعنون “ما هي الفلسفة؟” (1991)، لا تبدو مجرد كتب وضعها مؤلفان معاً، وإنما نتاج عملية تحول متبادل. كيف؟
استعادة لمكانة غاتاري
الحقيقة أننا سوف نصل إلى الجواب مباشرة بعد أن نوضح، كما فعل المعلقون على الكتاب، أن جوهر المسعى الذي قام بها المؤلف هنا إنما كان في استعادة غاتاري من مكان الظل في علاقته مع دولوز. فلقد كانت الصورة الشائعة توحي لنا، وبخاصة في تاريخ الفلسفة الفرنسية المعاصرة، أن دولوز هو المفكر الكبير الذي أضاف إليه غاتاري بعض العناصر السياسية والتحليل نفسية. بيد أن دوس يرى أن في هذا التصور قدراً كبيراً من الإجحاف. إذ إن “غاتاري لم يكن على الإطلاق، تابعاً لدولوز، كما أن هذا الأخير لم يكن بأية حال من الأحوال، مجرد منظر لأفكار غاتاري. الحقيقة أن كلاً من الإثنين كانا في علاقتهما يعمل على تغيير الآخر، وبصورة جذرية من بعض المناحي”. ونحن إن نظرنا إلى علاقتهما من هذا المنظور، سيضحي تعبير “السيرة المتقاطعة” بالغ الأهمية والدلالة. إذ إن دوس يحاول، من خلاله، أن يطبق على من يترجم لهما، وبطريقة تكاد تكون ممنهجة، بعض الأفكار التي صاغاهما هما لنفسيهما مثل التدفق، والاتصال، وخطوط الإفلات والتكوينات أو “التجميعات”.
ومن المهم أن نذكر هنا كيف أن أحد النقاد قد لاحظ، أن مشروع دوس الأساسي إنما يقوم على فهم الكيفية التي أنتجت بها ممارسة الكتابة المشتركة نفسها، لدى المفكرين المعنيين، مفاهيمهما الكبرى. حتى وإن كان كل من الإثنين قد أتى من “مدرسة” فكرية حرص دائماً على عدم الابتعاد عنها حتى ولو سعى دائماً إلى “دحضها” أو على الأقل التخفيف من تأثيراتها عليه، بشكل أو بآخر: فوكو وعالمه بالنسبة إلى دولوز، ولاكان طبعاً بالنسبة إلى غاتاري.
بعيداً من الرومانسية
يبقى أن علينا أن ندرك كيف أن دوس، وبحسب المعلقين الأكثر جدية على كتابه هذا، لم يسع أبداً إلى تحويل العلاقة بين دولوز وغاتاري إلى علاقة رومانسية. إذ إنه يحرص، وفي كل فصل من فصول الكتاب، على أن يتابع الفروقات والاختلافات والتوتر بين المؤلفين، كما يتوقف طويلاً عند الظروف الخاصة بكل منهما، ولكن أيضاً عند الظروف المشتركة التي يرى أنها هي التي جعلت التعاون بينهما ممكناً.
ولذلك يمكن قراءة الكتاب، من ناحية ما، بوصفه، وبحسب النقاد “سيرة لفكرة التعاون الفكري نفسها”، أو كيف يتحول الحوار بين شخصين إلى إنتاج فكري لا يمكن ربطه كاملاً بواحد منهما من دون الآخر. وهنا تكمن، كما يؤكد واحد من أهم المعلقين على الكتاب، “قيمة هذا الكتاب الأكثر عمقاً إذ إنه يجعلنا نقرأ دولوز وغاتاري، لا بوصفها مؤلفين اثنين وحسب، بل بوصفهما ينتميان إلى تجربة فكرية واحدة موقتة نشأت من التقاء بين اختلافين”. ومن هنا، يرى هذا المعلق أن أهم ما في جوهر هذا الكتاب تعبير “حياتين متقاطعتين”، لأن هذا التقاطع هو أهم ما في اللعبة كلها…
