انطلاقًا من اهتمامنا بهذا الموضوع، طرحنا في “ضفة ثالثة” مجموعة أسئلة على الباحث الأردني رائد سمور، ليبرز رؤيته النقدية التي تجاوزت المقاربات التقليدية في قراءة التحولات الخوارزمية، من منظور إعلامي وفلسفي وحضاري. سنتناول في هذه المقابلة عددًا من القضايا، منها الهيمنة الرقمية، ومستقبل الجيل الطالع، وسوق العمل، واستعادة فكرة الإنسان وسط الثورة التقنية التي باتت تشكّل الوعي والإدراك.
ورائد سمور كاتب وباحث أردني مهتم بدراسات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والخوارزميات، وهو مؤسس ومدير مركز ريفلكت لدراسات التطور التقني وأثره في الإنسان، وعضو في رابطة الكتّاب الأردنيين. صدرت له مجموعة كبيرة من الدراسات والكتب، من أبرزها: “إدارة الأزمة في الإعلام الجديد”، و”أصداء رقمية”، و”هندسة الوعي في العصر الخوارزمي – استحضار غرامشي لفهم الهيمنة الجديد”، و”الأيديولوجيا الخوارزمية ــ من ألتوسير إلى الخوارزمية”، و”التقنية في قبضة ترامب”، و”رقيم السياسة ــ التحول الرقمي في الممارسات السياسية وإدارة القرار”.
| (Getty) |
(*) بعد سنوات من انتشار الذكاء الاصطناعي، وبعد التوقعات التي بشّرت باستبدال الإنسان بالآلة، كيف يمكن تفسير لجوء بعض الشركات إلى إعادة موظفين سبق أن استغنت عنهم؟ وهل تسمح لنا هذه التجارب بإعادة النظر في التنبؤات المتعلقة بمستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في سوق العمل؟
ما حدث يكشف أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الذي رافق صعود الذكاء الاصطناعي لم يكن خطابًا علميًا خالصًا، بل كان مزيجًا من الدعاية التقنية، والمبالغة الاستثمارية، والرغبة الرأسمالية القديمة في تقليص كلفة العمل إلى أدنى حد ممكن. لقد تصرفت بعض الشركات كما لو أن الإنسان مجرد كلفة زائدة يمكن حذفها من معادلة الإنتاج، ثم اكتشفت أن ما حذفته لم يكن عددًا من الموظفين فقط، بل الخبرة الضمنية، والحكم البشري، وفهم السياق، والقدرة على التعامل مع الاستثناء، وتحمل المسؤولية حين تفشل الآلة.
الذكاء الاصطناعي بارع في إنتاج الاحتمالات، لكنه لا يعيش نتائجها. يستطيع أن يقترح قرارًا، لكنه لا يتحمل مسؤوليته الأخلاقية، أو القانونية، أو الاجتماعية. يستطيع أن يحاكي لغة الخبرة، لكنه لا يمتلك خبرة إنسانية متراكمة بالمعنى الحقيقي. ولهذا، حين اصطدمت الشركات بالواقع، ظهر الفرق ما بين إنجاز المهمة شكليًا وفهمها، وما بين إنتاج جواب واتخاذ موقف، وما بين السرعة والحكمة.
إعادة الموظفين لا تعني فشل الذكاء الاصطناعي، كما لا تعني عودة الأمور إلى ما كانت عليه. إنها تعني فشل تصوّر ساذج اعتقد أن مستقبل العمل يقوم على معادلة بسيطة “آلة أكثر، إنسان أقل”.
والواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. ما يحدث هو إعادة توزيع للأدوار داخل العملية الإنتاجية، فالآلة ستتولى قدرًا أكبر من الأعمال المتكررة والتحليلية والتوليدية، بينما ستزداد قيمة الإنسان في المواقع التي تتطلب فهم السياق، والابتكار الحقيقي، والثقة، والحس الأخلاقي، والتفاوض، واتخاذ القرار في البيئات الملتبسة.
المشكلة، إذًا، ليست في أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظيفة الإنسان، أو يتركها له، بل في أن المؤسسة تعيد تعريف الوظيفة ذاتها. فبعض الوظائف ستختفي، وأخرى ستنكمش، ووظائف جديدة ستظهر، لكن الأخطر أن تبقى وظيفة قديمة بالاسم، بينما يتغير جوهرها بالكامل. الموظف الذي كان ينتج العمل بيديه سيصبح مطالبًا بإدارة منظومة تنتجه معه، ومراجعتها، وتصحيح انحيازاتها، وتحمل مسؤولية مخرجاتها.
لهذا ينبغي أن نعيد النظر في التنبؤات الحتمية التي صورت المستقبل بوصفه انتصارًا كاملًا للآلة، أو نهاية وشيكة للإنسان.
التاريخ لا يتحرك بهذه البساطة. الآلة لا تلغي الإنسان، لكنها تعيد ترتيب موقعه، كما أن الرأسمالية لا تتخلى عن العمل البشري، بل تحاول باستمرار إعادة تشكيله بما يخدم منطقها في الكفاءة والتراكم والسيطرة.
وفي تقديري، فإن السؤال الصحيح لم يعد “هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الإنسان؟”، بل “أي إنسان سيبقى مطلوبًا بعد أن أصبحت الآلة قادرة على إنجاز جزء متزايد من العمل؟”.
الإنسان الذي يكرر ما تعرفه الخوارزمية سيكون أكثر عرضة للإزاحة، أما الإنسان الذي يسأل، ويشك، ويبتكر، ويفهم السياق، ويمنح العمل معناه، فسيصبح أكثر ضرورة لا أقل.
إن التجربة الحالية لا تعلن هزيمة الآلة، ولا انتصار الإنسان، بل تكشف أن المستقبل لن يكون للذكاء الاصطناعي وحده، وإنما لمن يستطيع بناء علاقة نقدية معه، يستخدمه من دون أن يتحول إلى تابع له، ويستفيد من سرعته من دون أن يتنازل له عن الحكم، ويجعله شريكًا في الإنتاج لا بديلًا عن المسؤولية الإنسانية.
(*) باتت الخوارزميات، ممثلة بالمتحكمين بها، تمثّل هيمنة وسلطة تمارَس على الجمهور الرقمي، ألا يمكن بناء خوارزميات تتمتع بالتفكير النقدي والاستقلال المعرفي؟
السؤال يفترض أن المشكلة تكمن في الخوارزمية ذاتها، بينما أرى أن المشكلة تبدأ قبل ذلك بكثير، في البيئة التي تُنتج الخوارزمية، وفي المصالح التي تمولها، وفي القيم التي تُبرمج على أساسها. فالخوارزمية ليست كائنًا مستقلًا يعيش خارج المجتمع، بل هي تجسيد رياضي لرؤية بشرية، تعكس أولويات من صممها، وأهداف من يمتلكها، ونموذج الأعمال الذي تعمل داخله.
لهذا، فإن الحديث عن خوارزمية مستقلة معرفيًا يشبه الحديث عن صحيفة مستقلة تمامًا عن مالكها، أو مؤسسة إعلامية بلا سياسة تحريرية، أو دولة بلا مصالح. الاستقلال المطلق وهم فلسفي قبل أن يكون مستحيلًا تقنيًا. كل منظومة معرفية تعمل داخل إطار مرجعي، والخوارزميات ليست استثناءً من هذه القاعدة.
أما التفكير النقدي، فلا يمكن اختزاله في القدرة على المقارنة، أو اكتشاف التناقضات، أو توليد الاعتراضات. التفكير النقدي يبدأ عندما يستطيع العقل أن يشكك في المسلمات التي بُني عليها هو ذاته، وأن يراجع غاياته، لا وسائله فقط. والخوارزمية لا تفعل ذلك، فهي تعمل داخل الحدود التي رسمها مصمموها، حتى وإن بدت قادرة على إنتاج مخرجات متعددة، أو متعارضة.
قد نصل مستقبلًا إلى خوارزميات أكثر شفافية، وأكثر تنوعًا في مصادرها، وأقل انحيازًا، وربما قادرة على عرض وجهات نظر متعارضة ومناقشتها. لكن هذا لا يعني أنها أصبحت مستقلة، بل يعني أن الإنسان منحها مساحة أوسع داخل الإطار الذي حدده لها.
ومن هنا أعتقد أن السؤال الأهم ليس “هل نستطيع بناء خوارزمية ناقدة؟”، بل “من يملك حق تعريف ما هو النقد أصلًا؟” ومن يحدد ما يعد حقيقة، وما يعد تضليلًا، وما الذي يستحق الظهور، وما الذي ينبغي حجبه؟ فقبل أن تمارس الخوارزمية أي عملية تحليل، تكون هنالك سلطة سبقتها إلى تعريف قواعد اللعبة.
لقد انتقلنا من مرحلة كانت السلطة تمارس فيها الهيمنة عبر السيطرة على تدفق المعلومات إلى مرحلة تمارس فيها الهيمنة عبر تصميم البيئة التي يتشكل داخلها التفكير ذاته. وهنا تصبح الخوارزمية جزءًا من بنية السلطة، لا لأنها شريرة بطبيعتها، بل لأنها تعمل داخل منظومة اقتصادية وسياسية وثقافية وأمنية لها مصالحها الخاصة.
لهذا، لا أؤمن بإمكانية إنتاج خوارزمية محايدة أو مستقلة بالمعنى الفلسفي. ما يمكن السعي إليه هو بناء منظومات أكثر شفافية، وأكثر خضوعًا للمساءلة، وأكثر تعددية في مصادر المعرفة، مع الحفاظ على الدور النقدي للإنسان بوصفه الطرف الوحيد القادر على مساءلة المنظومة ذاتها، لا مجرد استخدامها.
وفي تقديري، فإن أخطر ما قد نفعله ليس أن نمنح الخوارزميات قدرة أكبر على التفكير، بل أن نتخلى نحن عن التفكير النقدي، فنحوّلها من أداة تساعد العقل إلى مرجعية تحل محله. عندها لن تكون المشكلة في ذكاء الخوارزمية، بل في تراجع استقلال الإنسان المعرفي أمامها.
(*) بالحديث عن الهيمنة عند غرامشي، ألا يمكن اعتبار الخوارزميات من الأدوات الجديدة التي تقوم بتوجيه الوعي؟
لقد تحدثت عن هذا الأمر بشكل موسع في كتابي “هندسة الوعي في العصر الخوارزمي – استحضار غرامشي لفهم الهيمنة الجديدة“. وأعتقد أن هذا هو السؤال الأكثر أهمية في فهم العصر الخوارزمي. وإذا أردنا أن نستحضر غرامشي اليوم، فعلينا ألا نبحث عنه في السياسة وحدها، بل في الشيفرة البرمجية، وفي أنظمة التوصية، وفي المنصات الرقمية التي أصبحت تنتج البيئة التي يتشكل داخلها الوعي.
لقد رأى غرامشي أن الهيمنة لا تقوم أساسًا على القوة والإكراه، وإنما على القدرة على جعل الناس يقبلون تصورًا معينًا للعالم بوصفه الحقيقة الطبيعية والبديهية. كانت المدرسة، والصحيفة، والجامعة، والكنيسة، والمثقف العضوي، أدوات هذه الهيمنة في عصره.
أما اليوم، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الوظائف انتقل إلى المنصات الخوارزمية.
فالخوارزمية لا تقول للإنسان: ماذا تفكر؟ بل تحدد له، بهدوء شديد، ما الذي يستحق أن يفكر فيه أصلًا. إنها لا تفرض رأيًا مباشرًا، وإنما تعيد ترتيب الأولويات، وتحدد ما يظهر أولًا، وما يختفي، وما يتكرر حتى يتحول إلى حقيقة مألوفة، وما يُدفن في أطراف الفضاء الرقمي حتى يفقد قدرته على التأثير. وهذه هي أعلى درجات الهيمنة، لأنها تمارس ذاتها من دون أن يشعر بها الخاضع لها.
لكنني أعتقد أننا تجاوزنا حتى تصور غرامشي ذاته. فالهيمنة الخوارزمية لا تكتفي بإنتاج الرضى الاجتماعي، بل أصبحت تشارك في إنتاج البنية الإدراكية التي يُصاغ داخلها الرضى والرفض معًا. نحن لم نعد أمام سلطة تحاول إقناع الإنسان بفكرة معينة، بل أمام سلطة تعيد تشكيل البيئة التي يولد فيها التفكير منذ لحظته الأولى.
ولهذا كنت قد اقترحت الانتقال من الحديث عن اقتصاد الانتباه إلى اقتصاد المعنى. فالخوارزميات لم تعد تتنافس على جذب نظر الإنسان فحسب، وإنما أصبحت تنافس على إنتاج المعنى الذي يفسر به العالم. ومن يشارك في إنتاج المعنى، يشارك بالضرورة في إنتاج الوعي ذاته.
غير أنني لا أرى الخوارزمية فاعلًا مستقلًا يمارس الهيمنة من تلقاء ذاته، بل أراها جزءًا من منظومة اقتصادية وثقافية وسياسية أوسع. فالخوارزمية لا تمتلك إرادة خاصة، وإنما تجسد إرادة من صممها، ومن يملكها، ومن يحدد أهدافها الاقتصادية والسياسية. ولهذا فإن الحديث عن هيمنة الخوارزميات يجب ألا يحجب عنا الهيمنة التي تمارسها البنى التي تقف خلفها.
وفي تقديري، فإننا نعيش اليوم انتقالًا تاريخيًا من هيمنة المؤسسات إلى هيمنة البنى الخوارزمية. لم تعد السلطة تفرض خطابًا واحدًا كما كان يحدث في الماضي، بل أصبحت تنتج لكل فرد خطابه الخاص، وتبني لكل مستخدم واقعه الإدراكي المختلف، ثم تجمع هذه العوالم الفردية داخل منظومة واحدة تديرها الخوارزميات.
لذلك، فإن أخطر ما في الهيمنة الخوارزمية أنها لا تمنع الإنسان من التفكير، بل تمنحه شعورًا دائمًا بأنه يفكر بحرية، بينما تكون حدود هذا التفكير قد رُسمت مسبقًا داخل البيئة الرقمية التي يتحرك فيها.
ولهذا، لو كان غرامشي بيننا اليوم، لربما لم يبدأ بدراسة الأحزاب أو الصحف، بل بدأ بدراسة الخوارزميات، لأنها أصبحت المثقف العضوي الجديد الذي لا يكتب المقالات، بل يعيد تنظيم الواقع الإدراكي الذي تُكتب داخله جميع المقالات.
(*) إلى أي مدى يمكن اعتبار نظريات الإعلام صالحة للجمهور الرقمي اليوم، خصوصًا إذا تناولنا نظرية الغرس الثقافي، ونظرية وضع الأجندة، في ظل اعتماد البودكاست كوسيلة حديثة للمرئي والمسوع؟
الإعلام تغير، وأصبح هنالك واقع جديد يفرض ذاته في هذا الوسط، الإعلام الجديد، وأقصد به “حالة الاشتباك” ما بين الإعلام الكلاسيكي ومنصات التواصل الاجتماعي، أوجدت حالة جديدة تسمى الإعلام الجديد، هذا الإعلام أصبح مهيمنًا على كل منصات الإعلام الكلاسيكي، ولا يجوز لنا أن نسقط نظريات الاتصال والتواصل ونظريات الإعلام الكلاسيكي على الإعلام الجديد، لأن الإعلام الجديد له نظريات وله استراتيجيات مختلفة تمامًا عن ما كان في حالته الكلاسيكية. وهذا الفخ الذي تقع به معظم المؤسسات الإعلامية الرسمية العربية، بحيث تتعامل مع الإعلام الجديد من خلال الحرس القديم في الإعلام الكلاسيكي، وتطبق عليه نظريات الإعلام الكلاسيكي.
في تقديري، لا ينبغي أن نتعامل مع نظريات الإعلام الكلاسيكية بوصفها نظريات انتهى زمنها، كما لا يجوز أن نطبقها على البيئة الرقمية في الإعلام الجديد كما هي من دون مراجعة. فما تغير ليس الإنسان فقط، بل البيئة التي يتكون فيها وعيه، وآليات إنتاج الرسالة، ودورة انتقالها، وطبيعة الوسيط الذي ينقلها.
لنأخذ نظرية الغرس الثقافي على سبيل المثال. كان جورج غيربنر ينطلق من فرضية أن التعرض الطويل والمستمر للتلفزيون يعيد تشكيل تصور الإنسان للواقع. أما اليوم، فلم يعد لدينا جمهور يشاهد الرسالة ذاتها، ولا شاشة واحدة يتعرض لها الجميع. لقد أصبح لكل فرد شاشة مختلفة، وخوارزمية مختلفة، وعالم مختلف. ولذلك فإن الغرس لم يعد جماعيًا كما كان في عصر التلفزيون، بل أصبح غرسًا شخصيًا تُصمم ملامحه وفق بيانات كل مستخدم وسلوكه واهتماماته. نحن لم نعد أمام غرس ثقافي موحد، بل أمام غرس خوارزمي متكيف يعيد تشكيل إدراك كل فرد بصورة مختلفة.
أما نظرية وضع الأجندة، فقد كانت تفترض أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس ماذا يفكرون، لكنها تنجح في إخبارهم بما ينبغي أن يفكروا فيه. واليوم، لم تعد المنصة تكتفي بوضع أجندة عامة للمجتمع، بل أصبحت تضع أجندة خاصة لكل مستخدم. لم تعد هنالك قائمة أولويات واحدة، بل ملايين الأجندات الفردية التي تنتجها الخوارزميات في الزمن الحقيقي. وهذا تحول نوعي، لأن السلطة لم تعد تمارس عبر اختيار القضايا فقط، وإنما عبر تخصيصها وفق كل فرد على حدة.
أما البودكاست، فلا أراه مجرد امتداد للراديو، أو التلفزيون، بل يمثل عودة إلى الحوار العميق في بيئة رقمية سريعة الإيقاع. غير أن تأثيره لا يتحدد بطول الحلقة، أو جودة محتواها، بل بالخوارزمية التي تقرر لمن ستصل، ومتى، وبأي سياق ستُستهلك. ولذلك فإن البودكاست، رغم قدرته على إنتاج معرفة عميقة، يبقى جزءًا من المنظومة الخوارزمية التي تتحكم في انتشاره، ولا يعمل خارجها.
| (Getty) |
ولهذا أعتقد أننا في حاجة إلى تجاوز مجرد تحديث النظريات الكلاسيكية، والانتقال إلى بناء إطار نظري جديد يفسر البيئة الخوارزمية ذاتها. فنحن لم نعد أمام وسائل إعلام تنقل الرسائل، بل أمام منظومات رقمية تشارك في إنتاج الرسالة، وتوزيعها، وتفسيرها، وإعادة إنتاجها داخل ما أسميته الدورة الثقافية الخوارزمية المغلقة. هنا لا يعود الجمهور متلقيًا فقط، ولا يصبح المنتج هو الفاعل الوحيد، بل تدخل الخوارزمية شريكًا دائمًا في صناعة المعنى.
من هنا، فإن السؤال البحثي لم يعد “هل ما زالت نظريات الإعلام صالحة؟ بل: كيف نعيد بناء نظريات الإعلام عندما أصبحت الخوارزمية طرفًا أساسيًا في العلاقة ما بين الرسالة، والوسيط، والجمهور؟”.
وأعتقد أن مستقبل دراسات الإعلام لن يكون في التخلي عن التراث النظري، وإنما في إعادة قراءته على ضوء التحول الذي نعيشه اليوم، انتقالًا من إعلام كان يوزع المعلومات، إلى منظومات خوارزمية تعيد تشكيل الوعي ذاته. وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي الذي سيواجه الباحثين خلال العقد المقبل.
أخاف على معنى الكتابة
(*) “أخاف على الأدب…”- هذه العبارة تراودنا منذ أن بدأنا نرى الاستسهال بالكتابة، وتحوّل شريحة كبيرة من الناس إلى كتّاب، ويظهر ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. هل خوفنا في مكانه ولماذا؟
أنا لا أخاف على الأدب بقدر ما أخاف على معنى الكتابة ذاتها.
لقد اعتدنا أن نربط الأدب بالنص، بينما كان جوهر الأدب دائمًا هو التجربة الإنسانية التي تقف خلف النص. واليوم أصبح إنتاج النص أسهل من أي وقت مضى، لكن إنتاج التجربة لم يصبح أسهل. وهنا تكمن المفارقة.
لقد منحت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي الجميع قدرة غير مسبوقة على الكتابة، لكنها لم تمنحهم جميعًا شيئًا يستحق أن يُكتب. فاللغة يمكن توليدها، والأسلوب يمكن محاكاته، والبناء السردي يمكن تعلمه، أما الألم، والخبرة، والخيبة، والدهشة، والتحول الداخلي، فلا تُولد بخوارزمية، لأنها ليست معلومات، بل حياة عاشت داخل إنسان.
ولذلك فإن ما نشهده اليوم ليس أزمة أدب، بل أزمة معايير. لقد انهارت الحواجز التي كانت تفصل ما بين الكاتب والقارئ، وما بين النشر والكتابة، وما بين النص والمسودة. أصبح الجميع قادرًا على النشر، لكن النشر ليس دليلًا على وجود أدب، كما أن كثرة النصوص لا تعني بالضرورة كثرة الكتّاب.
في الماضي، كان الزمن يمارس وظيفة الناقد، فلا يبقى إلا ما يستحق البقاء. أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزمية تمارس وظيفة مختلفة، فهي “لا تسأل ما أجود النص؟”، بل تسأل “ما أكثره قابلية للتداول؟”.
وهنا يبدأ الخلط ما بين القيمة الأدبية والقيمة الخوارزمية. فقد ينتشر النص لأنه يثير الانفعال، لا لأنه يضيف معرفة، وقد يختفي نص عظيم لأنه لا يحقق شروط المنصة في التفاعل والانتشار.
ومن هنا أرى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أن يكتب الجميع، بل في أن تصبح الكتابة خاضعة لمنطق الخوارزمية. حين يبدأ الكاتب بطرح السؤال “ما الذي سيعجب المنصة؟” بدلًا من “ما الذي يستحق أن يُقال؟” نكون قد انتقلنا من الإبداع إلى تحسين الأداء أمام الخوارزمية. أي أننا منذ البداية نحاكي ونكتب للمنصة، ثم للقارىء.
لكنني، في الوقت ذاته، لا أنظر إلى هذه المرحلة بوصفها نهاية الأدب. فالأدب الحقيقي مرَّ عبر التاريخ بأزمات أكبر من هذه، ونجا منها جميعًا. الطباعة لم تقتل الأدب، والصحافة لم تقتله، والسينما لم تقتله، والإنترنت لم يقتله، والذكاء الاصطناعي لن يقتله. الذي يتغير هو شكل المنافسة، لا جوهر الأدب.
بل ربما تدفعنا هذه المرحلة إلى إعادة تعريف الكاتب ذاته. ففي المستقبل لن يكون الكاتب من يستطيع إنتاج نص جميل فحسب، لأن الآلة تستطيع أن تنتج نصوصًا سليمة ومتماسكة. الكاتب الحقيقي سيكون من يمتلك رؤية لا يمكن توليدها، وتجربة لا يمكن استعارتها، وسؤالًا لم يخطر بعد في ذاكرة الخوارزمية.
ولهذا، فأنا لا أخاف على الأدب، وإنما أخاف على الإنسان إذا اكتفى بأن يكون مستهلكًا لما تنتجه الخوارزميات، وتخلى عن مسؤوليته في أن يعيش تجربة تستحق أن تتحول إلى أدب. فالمستقبل لن يميز ما بين من يكتب كثيرًا ومن يكتب قليلًا، بل ما بين من يكرر اللغة، ومن يضيف إلى الوجود معنى جديدًا.
وفي تقديري، ستزداد قيمة الأدب الحقيقي كلما ازدادت وفرة النصوص الاصطناعية، لأن الندرة لن تصبح في الكلمات، بل في الأصالة. وعندما تصبح الكتابة متاحة للجميع، سيصبح السؤال الحقيقي “من الذي ما زال لديه ما يستحق أن يقوله؟”.
(*) ما زال محتوى التوثيق العربي غير كامل على الرغم من الجهود المبذولة مقارنة بالمحتوى الغربي في ظل مساعدة الذكاء الاصطناعي. ما الحل في رأيك؟
في اعتقادي، نحن نخطئ عندما نتصور أن المشكلة هي نقص في المحتوى العربي فقط. المشكلة أعمق من ذلك، إنها تتعلق بموقعنا داخل دورة إنتاج المعرفة العالمية.
فالذكاء الاصطناعي لا يبتكر المعرفة من العدم، بل يتعلم من المعرفة المتاحة له. وحين تكون المصادر العربية أقل حجمًا، وأضعف توثيقًا، وأقل انفتاحًا، فإن النتيجة الطبيعية أن تصبح النماذج أكثر قدرة على فهم العالم من خلال الرواية الغربية، وأكثر عجزًا عن فهمه من خلال الرواية العربية. وهنا لا تكون المشكلة تقنية، بل حضارية.
لقد اعتدنا أن نتعامل مع التوثيق بوصفه نشاطًا ثقافيًا، بينما أصبح اليوم جزءًا من الأمن المعرفي للأمم. فالدولة، أو المجتمع الذي لا يوثق تاريخه، ولغته، ومصطلحاته، وإنتاجه العلمي، وشخصياته، وأحداثه، سيجد نفسه بعد سنوات يُقرأ ويُفسر ويُعاد إنتاجه من خلال ما كتبه الآخرون عنه، لا من خلال ما كتبه هو عن نفسه.
ولهذا فإن السؤال لم يعد “كيف نزيد عدد الصفحات العربية على الإنترنت؟”، بل “كيف نجعل المعرفة العربية جزءًا من المادة الخام التي تُدرَّب عليها النماذج الذكية؟”. هنالك فرق كبير ما بين أن تكون مستهلكًا للذكاء الاصطناعي، وأن تكون مساهمًا في تشكيل ذاكرته المعرفية.
ومن هنا أرى أن الحل لا يبدأ من الذكاء الاصطناعي، بل من مشروع عربي شامل لإعادة بناء البنية التحتية للمعرفة. نحن في حاجة إلى رقمنة التراث العربي، وتوثيق الإنتاج العلمي والأدبي، وبناء قواعد بيانات مفتوحة، وتعريب المصطلحات الحديثة بلغة يفهمها الجيل الجديد، وتشجيع الباحثين على نشر أعمالهم بصيغ رقمية قابلة للفهرسة والاستفادة. فكل كتاب لا يُرقمن، وكل مخطوط يبقى حبيس الرفوف، وكل بحث لا يصل إلى الفضاء الرقمي هو خسارة معرفية ستنعكس لاحقًا على أداء النماذج الذكية نفسها.
لكنني أضيف إلى ذلك قضية أراها أكثر خطورة، وهي أن المحتوى العربي لا يعاني من نقص الكم فقط، بل من نقص الإنتاج المفاهيمي. نحن نترجم النظريات أكثر مما ننتجها، ونستهلك المصطلحات أكثر مما نصوغها، ونشرح أفكار الآخرين أكثر مما نبني أفكارنا الخاصة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة ترجمة، بل معركة إنتاج معرفة عربية قادرة على أن تصبح مرجعًا عالميًا، لا مجرد ترجمة لمرجع آخر.
إن المستقبل لن يقاس بعدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي، بل بعدد المجتمعات التي تشارك في تشكيل المعرفة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي. ومن يملك المادة الخام يملك جزءًا من مستقبل الوعي العالمي.
لذلك، فإنني لا أدعو إلى مشروع لتغذية الآلات بالمحتوى العربي فحسب، بل إلى مشروع حضاري يعيد للعقل العربي دوره في إنتاج المعرفة الإنسانية. فعندما ننتج علمًا أصيلًا، وأدبًا أصيلًا، ونظريات أصيلة، لن نكون قد خدمنا اللغة العربية فقط، بل سنكون قد أسهمنا في إعادة التوازن إلى الذاكرة الرقمية التي يتشكل منها وعي العالم في العصر الخوارزمي.
(يتبع)