
تستعيد أنقرة زمام المبادرة الأمنية في الإقليم عبر طرح أطروحة أمنية عالية السقف، تجسدت في تصريحات وزير الداخلية التركي لصحيفة “تركيا” بشأن عزم بلاده تدشين “آلية رباعية” تضم كلاً من تركيا وسوريا والعراق وإيران، بهدف هندسة “منطقة خالية من الإرهاب”.
الطرح الذي لا يزال في طور التصميم والتداول الدبلوماسي، يعكس رغبة تركية متصاعدة في الانتقال من مقاربات “التنسيق الثنائي” أو العمليات العسكرية الأحادية، إلى مظلة إقليمية جامعة تُطوق نفوذ “حزب العمال الكردستاني” (PKK) وامتداداته الميدانية، وفي مقدمتها “وحدات حماية الشعب” و”حزب الحياة الحرة” (PJAK).
وعلى الرغم من التجاوب الإيراني المبدئي المشوب بالرسائل الإيجابية، تطفو على السطح تساؤلات عميقة حول حدود الواقعية في هذه المقاربة، ومدى قدرة العواصم الأربع على تحويل التوافقات الأمنية إلى إستراتيجية حاسمة تفرض على التنظيمات المسلحة إلقاء السلاح أو الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة الوطنية.
أبعاد المقاربة التركية وتوازنات الضعف الإيراني
تأتي المبادرة التركية في لحظة فارقة تشهد تحولات جيوسياسية وتغيرات حادة في موازين القوى؛ إذ يرى الكاتب والمحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو أن التوقيت والظرف الإقليمي يفرضان نفسهما بعنف على المشهد، خصوصاً مع حالة الانكماش والضعف التي تعيشها إيران في الوقت الراهن مقارنة بأي وقت مضى.
ويرى رضوان أوغلو في تصريحات لـ”المدن”، أن أنقرة تحاول الاستفادة من هذا الهامش عبر “مقايضة ملفات أمنية بامتيازات سياسية”؛ فالملف في سوريا وإن بدا مقيداً بضغط وتفاهمات أميركية، إلا أن العقدة الأساسية تظل في كوادر وقيادات حزب العمال الكردستاني المتواجدة في العراق، والتي تتنقل بمرونة وتنسق مع الجانب الإيراني، حيث توجد كثير من قياداتهم داخل الأراضي الإيرانية نفسها. غير أن المحلل التركي يبدي شكوكاً عميقة حول تحول هذه المقترحات إلى بيئة عملياتية مشتركة أو القيام بعمليات عسكرية ميدانية بين الأطراف الأربعة، مؤكداً أن الطرح التركي يعاني من “تفاؤل مبالغ فيه”.
ويرجع رضوان أوغلو ذلك إلى محدودية القدرة التنفيذية لدى بغداد لإنهاء وجود الحزب من جهة، وإلى المصلحة الإيرانية المترسخة في استخدام الحزب كقوة دفع وأوراق ضغط تجاه سوريا والعراق وتركيا من جهة أخرى.
ويضيف أن إيران لن تخضع للإرادة التركية في مسألة إنهاء الحزب إلا في سيناريو واحد: إذا تحول “العمالي” إلى ورقة مباشرة في يد الولايات المتحدة لمحاربة النظام الإيراني وإسقاطه، فعندها فقط قد تفكر طهران في إضعافه، لكن بدون الذهاب إلى إنهائه كلياً.
الاستراتيجية الشاملة والتحوط لمخاطر “الحرب الكبرى”
في المقابل، يدرج الباحث في الشأن السياسي والعلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت الحركة التركية ضمن رؤية استراتيجية شمولية للتحوط من اضطرابات عالمية وشيكة.
ويرى أبو نبوت أن تركيا تتصرف وفق فرضية احتمال اندلاع “حرب إقليمية كبرى” أو مواجهة عالمية ثالثة، مما دفعها لرفع مستوى الجاهزية الداخلية، وبناء الملاجئ، وتطوير قدراتها العسكرية، بالتوازي مع تأمين أمنها القومي وحماية المكتسبات التي حققتها قوتها الناعمة.
ويوضح أبو نبوت لـِ “المدن”، أن تركيا تنتهج سياسة تعدد الأحلاف لتطويق المخاطر كافة؛ ففي حين أسست “مجلس السلام في البلقان” وضمنت جبهتها الأوروبية، عملت على بناء حلف تجاري وتنموي وبنك تنموي مع الدول التركية (مثل أوزبكستان، تركمانستان، أذربيجان) لضمان حضورها في ممرات آسيا الوسطى وبحر قزوين.
ويأتي الحلف الأمني الرباعي مع سوريا والعراق وإيران كركيزة مكملة لهذه الاستراتيجية لحماية جبهتها الجنوبية والشرقية، متقاطعاً مع تحول أعمق في السياسة الدولية حيث تندفع القوى المتوسطة كباكستان والسعودية وتركيا لبناء شبكات أمان خاصة في ظل الضبابية الأميركية وسياسات واشنطن القائمة على التخلي عن الحلفاء والبحث عن صفقات جديدة.
وعلى صعيد المسار السوري، يؤكد أبو نبوت أن دخول سوريا في هذه المعادلة يتوج مساراً متقدماً من التعاون الأمني والاستخباراتي المتصاعد، والذي شهد زيارات مكثفة لوزير الخارجية السوري إلى أنقرة، وتنسيقاً أمنياً عقب استهداف مطار أبو الظهور، وصولاً إلى التمهيد لافتتاح السفارة السورية في أنقرة والزيارة المرتقبة للرئيس رجب طيب أردوغان إلى دمشق، ناهيك عن الحديث عن إنشاء مجلس استشاري أعلى بين البلدين.
أما بالنسبة إلى دمشق، فإن الانخراط في تحالف أمني إقليمي يتيح لها تطوير بنيتها الاستخباراتية والسياسية، ويمنحها أوراق مناورة للتلويح بالورقة الإيرانية ومواجهة الضغوط والضربات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب وفي محيط العاصمة.
عقدة “الاندماج” ومآلات السلاح الكردي
تتصدر مسألة تفكيك البنية العسكرية لـِ “قسد” و”وحدات حماية الشعب” جوهر التحدي في الطرح التركي، خصوصاً مع تحذير وزير الداخلية التركي من خطورة تسرب الكوادر والعناصر الرافضة لعمليات الدمج والحل باتجاه الحدود العراقية والإيرانية للالتحاق بصفوف تنظيم “PJAK“.
وتشير قراءة الواقع الميداني إلى أن مشروع “الإدارة الذاتية” بات فعلياً من الماضي؛ حيث يتجه المشهد السوري نحو اندماج العناصر داخل مؤسسات الدولة التمثيلية والحكومية.
غير أن إنجاح مسار الاندماج يستوجب معالجة مخاوف أنقرة العميقة من تحول العملية إلى مجرد “إعادة تموضع شكلي” يتيح تسرب العناصر المسلحة نحو العراق أو إيران. تتطلب الآلية الرباعية التزاماً كاملاً وإلغاءً للذرائع كافة عبر نزع السلاح بشكل تام وليس مجرد تغيير التسميات.
تتقاطع أهداف الأطراف الأربعة في هذه الآلية بحذر بالغ؛ فبينما تسعى أنقرة لتأمين حدودها الجنوبية وتجريد العمالي من أي ملاذ أمني، ترى دمشق في المبادرة فرصة لفرض سيادتها وإعادة تفعيل حضورها الدبلوماسي والأمني في المنطقة ووسط آسيا (كما ظهر في زيارة وزير الخارجية السوري إلى إسلام آباد).
وفي حين تحاول طهران فتح قنوات التهدئة والتنسيق الدبلوماسي غير المعلن لتفادي عزلتها الدولية تحت وطأة الهجمة القاسية التي تتعرض لها، يبحث العراق عن مساندة إقليمية لضبط حدوده، وسط شكوك استراتيجية حول قدرته على تنفيذ حسم عسكري تام ضد معاقل الحزب المتجذرة في أراضيه.
وتظهر هندسة “المنطقة الخالية من الإرهاب” كمحاولة إقليمية طموحة لملء الفراغ السياسي والأمني المتوقع في حال إعادة تقييم واشنطن لوجودها في المنطقة، أو اتجاه الإقليم نحو استقطابات حادة على خلفية الصراعات الدولية الكبرى.
ومع ذلك، يظل الرهان الحقيقي المتبقي أمام هذه المبادرة مرهوناً بقدرة العواصم الأربع على تجسير الفجوة الشاسعة بين التصريحات الدبلوماسية والتطبيقات الميدانية المعقدة. فما لم تتحول الرغبة التركية والتجاوب الإيراني المبدئي إلى آليات استخباراتية وعسكرية تنفذ على الأرض بقرارات موحدة، فإن مقترح “الرباعية الأمنية” سيظل يواجه خطر التحول إلى مجرد مناورة سياسية مؤقتة، تُبرز تقاطع المصالح الآنية بين الدول الأربع أكثر مما تؤسس لسلام أمني دائم ومستقر في المنطقة.