ملخص
قبل 100 عام، دشن لبنان حقبة رائدة من الحياة الدستورية على مستوى العالم العربي، ولكن مع مرور الوقت تعرضت تلك التجربة إلى كثير من الصدمات بفعل النسيج الاجتماعي والثقافي المتنوع، والفشل في إدارة الخلافات بفعل التأثير المباشر للخارج. وتحول المسرح السياسي اللبناني إلى ساحة للصراعات الفكرية والعقائدية في الخارج والمحيط العربي. وامتازت مسيرة الدستور اللبناني بسلسلة من الإصلاحات والتعديلات، وشكل “اتفاق الطائف” مع انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 علامة فارقة في حياة النظام السياسي اللبناني بسبب إعادة رسم الحدود بين السلطات الثلاث وصلاحيات المؤسسات اللبنانية.
في مئويته الأولى يعيش الدستور اللبناني في “عزلة” بسبب الممارسات السياسية التي غلبت المصالح الآنية العابرة، وتحول “التمسك بأحكامه” إلى مجرد شعار براق في الحياة السياسية. وأصبح الدستور يواجه تحدياً كبيراً من بعض الممارسات، ومحاولات تكريس بعض السوابق والأعراف تحت ذريعة “الديمقراطية التوافقية” و”الفيتو الطائفي”، فيما تزداد المطالبات بإقرار بعض التعديلات عليه من أجل إزالة الغموض عن بعض المواد التي تؤدي إلى “صراع الصلاحيات” بين السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية)، من دون أن ننسى المطالبات التي تظهر وتخبو على ضوء التطورات السياسية من أجل الانتقال من صيغة المناصفة بين الطوائف الإسلامية والمسيحية إلى صيغة “المثالثة” (بين المسيحيين والشيعة والسنة).
الآباء الأوائل
على مدى أكثر من أربعة قرون، كان لبنان جزءاً من السلطنة العثمانية، التي حكمت منطقة واسعة من الشرق الأوسط بنظام إداري قائم على الولايات والمتصرفيات. وفي عام 1861، وبعد أحداث دموية شهدها جبل لبنان أُنشئت “متصرفية جبل لبنان” ومنحت حكماً ذاتياً محدوداً تحت رعاية أوروبية، خصوصاً فرنسية. وقد شكلت المتصرفية أول تجربة سياسية وإدارية شبه مستقلة للبنان الحديث، ورسخت فكرة التوازن الطائفي في الإدارة والحكم، وهي الفكرة التي سترافق الحياة السياسية اللبنانية لاحقاً.
ثم بعد سقوط الدولة العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، دخل لبنان تحت الانتداب الفرنسي، لتبدأ معه رحلة البحث عن هوية الدولة الجديدة ونظامها السياسي.
وبعد سنتين، وتحديداً في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920 أعلن الجنرال الفرنسي هنري غورو من قصر الصنوبر في بيروت ميلاد “لبنان الكبير”.
كان لا بد للدولة الوليدة حينها أن يكون لها دستور يحكم الحياة السياسية، ويؤسس لنظام دولة القانون. ومنذ تلك اللحظة بدأت الخطوات الهادفة إلى وضع أسسه، وأسهمت جملة عوامل بذلك، فـي مقدمها “صك الانتداب” أي الوثيقة التي كرست وضع البلاد قانوناً تحت السيطرة الفرنسية عام 1920، وتضمنت بنداً ألزم السلطات الفرنسية وضع دستور للبنان خلال ثلاثة أعوام.
ثم في عام 1925 شكل “المجلس التمثيلي” اللبناني لجنة لوضع القانون الأساس والمشروع الأول لمسودة الدستور. وتألفت اللجنة من 12 عضواً، هم: بترو طراد، ويوسف سالم، وميشال شيحا، وعمر الداعوق، وفؤاد أرسلان، وروكز أبي ناضر، وصبحي حيدر، وعبود عبدالرزاق، ويوسف الزين، وشبل دموس، وجورج زوين، وجورج ثابت، وبرئاسة موسى نمور. وبعد الانتهاء من وضع المسودة من قبل اللجنة التأسيسية التي اقتبست بعض العناوين الأساسية للقواعد الدستورية من الدستور الفرنسي للجمهورية الثالثة الصادر في 1875، كان لا بد من انتظار الـ23 من مايو (أيار) 1926 لوضع الدستور الجديد موضع التنفيذ.
هكذا إذا في 23 مايو عام 1926 صدر الدستور اللبناني رسمياً في عهد المفوض السامي الفرنسي، مستلهماً بشكل كبير النموذج الدستوري الفرنسي، وخصوصاً دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة. وقد أعلن الدستور قيام “الجمهورية اللبنانية”، محدداً نظام الحكم بأنه جمهوري ديمقراطي برلماني، يقوم على فصل السلطات وتوازنها. كما نص على إنشاء مؤسسات الدولة الأساسية وهي رئاسة الجمهورية، مجلس النواب، مجلس الوزراء، السلطة القضائية. ومنح الدستور اللبنانيين مجموعة من الحقوق والحريات العامة، مثل حرية الرأي والمعتقد والتعليم والصحافة.
مقدمة الدستور
جاء في مقدمة الدستور اللبناني أن لبنان وطن سید حر مستقل، وطن نهائي لجمیع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دولیاً ، ثم أكد على أن لبنان عربي الهویة والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربیة وملتزم مواثیقها، كما هو عضو مؤسس و عامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثیقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جمیع الحقوق والمجالات دون استثناء.
وشكل الدستور اللبناني محطة فاصلة في وضع أسس دولة “لبنان الكبير”، ويؤكد مدير كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية في شمال لبنان، محمود عثمان، مكانة الدستور اللبناني لعام 1926، فهو “يعد في طليعة الدساتير في العالم العربي، وهو دستور رائد على المستوى النظري في مجال الحريات العامة والنظام البرلماني والاعتراف باستقلالية القضاء، ولكنه في المقابل، وكسائر الدساتير لا يخلو من بعض الثغرات التي أبرزتها الممارسة”، مشيراً إلى أنه “على المستوى العملي تعرضت أحكام الدستور لتجاوزات عدة، مع تكرار المحاولات لإنشاء سوابق تفرض واقعاً دستورياً جديداً وموازين قوى سياسية لتفسير الدستور وفق مزاج العامل الطائفي والمحسوبيات والانصياع للتدخلات الإقليمية”. ويعدد المتخصص الدستوري عثمان “جملة عوامل ترهق الممارسة الدستورية، يأتي في مقدمها غياب الثقافة الدستورية لدى كثير من المسؤولين السياسيين لجهة عدم احترام المهل الدستورية، وعدم احترام استقلالية القضاء، والإصرار على المحاصصة في الإدارة، وعدم التزام الجانب الإصلاحي من ‘اتفاقية الطائف’ (1990) والدستور المنبثق من ‘وثيقة الوفاق الوطني’، التي تنص على إلغاء الطائفية السياسية بشكل تدرجي أو لجهة إنشاء مجلس الشيوخ، أو اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، أو لناحية التوصل إلى قانون انتخابات وطني وعصري متطور”.
التعديلات المؤجلة
ينتمي الدستور اللبناني إلى فئة “الدساتير الجامدة” التي تحتاج إلى إجراءات صعبة من أجل تعديلها، ولكن في المقابل، أظهرت الممارسة بروز توافقات مفاجئة من أجل تعديل الدستور خدمة لأشخاص أو خضوعاً للحظات سياسية ما، وشهدت العقود الثلاثة الأخيرة على تعديلات قادت إلى تمديد ولاية الرئيس السابق إلياس الهراوي لتصبح تسعة أعوام عوضاً عن ستة أعوام، وانتخاب قائد الجيش السابق أميل لحود رئيساً للبلاد، ومن ثم التمديد له، وهو ما شكل مقدمة لأزمة كبيرة في البلاد، قادت إلى اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في 2005، مما أدى إلى انقسام سياسي شديد في البلاد، وفرض شبه عزلة سياسية على رئاسة لحود إلى حين انتهاء ولايته في الـ23 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2007.
يؤكد الدكتور عثمان أن “الدساتير الجامدة لا تخضع في طبيعتها للتعديل وفق آليات سهلة، وهي تضع إجراءات معقدة وصعبة من أجل الحفاظ على استقرار الحياة الدستورية، ولكن لا يعني ذلك الانغلاق على التعديل بدليل خضوع الدستور اللبناني بدءاً من عام 1926، وحتى اليوم، إلى كثير من التعديلات، وكان أبرزها عام 1943 لإزالة شوائب الانتداب الفرنسي من النصوص. والتعديل الأهم كان عام 1990 بناءً على وثيقة ‘اتفاق الطائف’، الذي حاول تصويب الممارسة البرلمانية في لبنان، ووضع السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء كمؤسسة وليس كفرد، سواء كان رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة”، مستدركاً أن “الممارسة السياسية في زمن الوصاية السورية فرضت معاييرها من أجل التمديد لرئيس الجمهورية في مرات عدة وفق شعار ‘لمرة واحدة وأخيرة’، ولكن في لبنان يتحول الموقت إلى دائم، وظهر التعديل من أجل شخص، وهو يتعارض مع أهم سمات الدستورية ألا وهي العمومية والتجرد”.
دستور عصري
من جهته، يؤكد المتخصص في الفلسفة السياسية باسم الراعي أن “الدستور اللبناني شكل نقلة نوعية في الحياة السياسية، واستغرق ثلاثة أعوام لقولبته وتكييفه مع طبيعة المجتمع اللبناني، وأثبت خلال 100 عام من الزمن فاعليته، لأن لبنان الدولة الوحيدة في محيطها الجغرافي التي التزمت وثبتت على دستورها، وتمكنت من إجراء تعديلات دستورية من دون إلغاء البنى الدستورية القائمة. وتمكن الدستور من الحفاظ على مسألتين أساسيتين: الأولى اتصفت بإبقاء لبنان كدولة بطابعها العلماني، وإزالة أي إمكان لتحويل لبنان إلى دولة عسكرية على خلاف ما جرى في الدول المجاورة. وكرس الدستور قناعة اللبنانيين باحترام الأديان المختلفة، ولكن مع الحفاظ على الحياد، وعدم تحويل البلاد إلى العسكرة”. ويلفت الراعي إلى أن “الدستور اللبناني تبنى بعض أفكار عصر الأنوار التي أنتجت دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا، وواكب التطورات بصورة ما، ولم يكن جامداً بالمطلق”، متحدثاً عن “التحولات الدستورية بموجب وثيقة الوفاق الوطني نحو التشاركية في السلطة، وحسم مسائل ترتبط بإعلان نهائية لبنان، والعروبة، وغيرها”، “كذلك فإن الدستور يحكم وفق قيم المساواة وتجاوز المسألة الطائفية”.
ويرى الدكتور باسم الراعي أن “التعديلات الدستورية هي دليل على الحيوية، وأن الدولة في تطور مستمر لإدارة البلاد”، معتبراً أن “أهم التعديلات على الإطلاق تكمن في ‘اتفاق الطائف’ لأنه حاول التعامل مع الصيغة اللبنانية التعددية، ومحاولة فهم حقيقة الصراع، إلا أنه لم يتجاوزها إلى مكان أبعد نحو أداء دور المهمة الحضارية”.
يرفض الراعي طرح “الانتقال إلى ‘المثالثة’ من أجل الاستجابة للتغييرات الديموغرافية”، مطالباً بالعودة إلى القراءة التاريخية بدءاً بحقبة المتصرفية (1861-1918)، حين شكل اعتماد المناصفة كصيغة بعيداً من البعد الديموغرافي، أساس النظام، وتكريس الإيمان بأن البلاد نشأت على جناحين (مسيحي ومسلم)، وفي الفترة بين عامي 1920 و1948 كان الميزان الطائفي مختلفاً، ولكن على رغم ذلك كان التمسك بالمناصفة مبنياً على القناعة وليس وفق الموازين الديموغرافية، واستمرار لبنان ومستقبله مرهون بالحفاظ على تلك الصيغة والعمل على تقاسم المسؤولية والتمسك بالعدل في إدارة البلد.
الطائفية أم الدستور؟
يعتقد أبو جودة أن “العقبة الأولى والأهم أمام تطبيق الدستور تكمن في غياب رؤية وطنية واضحة يمكن أن تترجم بسياسات تربوية وثقافية واجتماعية تؤدي إلى تجاوز الطائفية تدريجاً. أو، بكلام آخر، ليس ثمة خطة وطنية تهدف إلى العبور من الطائفية إلى الديمقراطية الليبرالية التي ينص عليها الدستور. وفي الواقع، فإن العمل السياسي ينحصر في المنطق الميثاقي وهو منطق طائفي بامتياز. وفي حين أن الدستور يذكر أن الطائفية حال موقتة، فإن الممارسة السياسية والخطاب السياسي، بل وخطاب المرجعيات الدينية، حول الميثاق، ومن ثم الطائفية، إلى ثابتة. غير أنه من الثابت أن الميثاق، كما يبينه تاريخ لبنان منذ إعلان دولة لبنان إلى اليوم، لم يكن ذاكرة وطنية واضحة المعالم من شأنها أن تؤدي إلى إنتاج قيم وطنية مشتركة صلبة لا طائفية، تعزز روح الانتماء إلى الدولة لا إلى الطائفة، وتنمي مفهوم الخير العام، بل من المستحيل أن يؤدي الميثاق إلى بلوغ هذه الأهداف”.
نحو المثالثة؟
يتطرق أبو جودة إلى “اتفاق الطائف” بوصفه “التعديل الأهم للدستور اللبناني”، مشيراً إلى أن “التعديل لم يتجاوز الفلسفة الميثاقية، بل يمثل امتداداً لها، لذا فنظام اتفاق الطائف هو إعادة إنتاج للنظام الميثاقي القائم على ترتيبات طائفية يمكن أن تتغير بتغير أوضاع أي طائفة. وما المثالثة إلا تعبير عن استمرار المنطق الميثاقي. ولتوضيح الفكرة، يمكن الكلام عن أن ثمة تعميماً تأسيسياً للكيان اللبناني يقوم على تلاقي المسيحية والإسلام والشراكة بينهما، ولكن هذا التعميم الذي لا تزال تكرره مرجعيات سياسية ودينية عدة لا يتوافق وتطور المجتمع، فضلاً عن أن الشراكة نفسها موضع خلاف مستمر، فالشراكة المذكورة لا تقوم على المساواة الكاملة من جهة، ومن جهة ثانية، تنطوي على تعميم، فعندما ننظر إلى التعميم التأسيسي تاريخياً، نراه ينحصر إلى حد كبير بالطائفة المارونية والطائفة السنية. غير أن التطور الذي عرفته الطائفة الشيعية أدى بديهياً إلى الكلام على المثالثة، فالطائفة الشيعية كيان بحد ذاته، ولا يمكن أن تمثله الطائفة السنية، والعكس صحيح”. ويجزم أن “الحل الطائفي بحد ذاته ليس مثالياً، بل هو بالحري حل ‘أعرج’، وبالنظر إلى تركيبة لبنان كان أفضل ما يمكن التوصل إليه. غير أن الوضع المثالي يبقي قيام هوية وطنية واحدة لا طائفية، ومن ثم إذا كان التعميم التأسيسي يكمن في أساس قيام لبنان، فهو يحتاج إلى أن يتطور باتجاه اللاطائفية، أما جموده أو نهائيته كما بلغت الأمور مع تكريس الميثاق الوطني فيعني تكريس لبنان ‘الأعرج’ كيانياً ووظيفياً، مما يفتح لا على مثالثة فحسب، بل ربما في المستقبل على مرابعة ومخامسة…”.
ينطلق أبو جودة مما سبق، ليجيب عن سؤال حول موقع الطائفة المارونية ضمن الصيغة القائمة مقارنة بالصلاحيات التي كرسها الدستور بصيغته الأولى. ويقول “أنا لا أقرأ التاريخ اللبناني من زاوية ربح وخسارة لهذه الطائفة أو تلك، فالجميع خاسر في ظل النظام الطائفي. إن الطائفية تمنع قيام دولة معاصرة، وتمنع المحاسبة، وتعوق القضاء، وتسهل الفساد، وتشجع المحسوبيات والزبائنية، فضلاً عن أنها تفسح في المجال لتدخل قوى خارجية في الشؤون الداخلية، إذ إن حال الحذر بل والعداء المتبادل، تحث هذا الطرف أو ذاك على البحث عن سند خارجي. وعندما ننظر بموضوعية إلى المشهد السياسي المحلي منذ قيام دولة لبنان إلى اليوم، نجد أن النظام لا يقوم على تكاتف القوى السياسية، بل على صراعها بعضها مع بعض. وفي ظل مناخ كهذا، لا يمكن الكلام على نجاح فريق وإخفاق فريق في إدارة البلاد، فمنطق النجاح والإخفاق في ضوء هذا الواقع يعني النجاح في القضاء على الخصم”، ليخلص إلى أنه “لا مستقبل للبنان في ظل النظام الطائفي”.
