ملخص
تسعى بكين إلى تحويل تفوقها في الصناعات الخضراء والمعادن الحيوية إلى نفوذ مالي عالمي، عبر توسيع استخدام اليوان وبناء منظومة قادرة على تحدي هيمنة الدولار، ولا تستهدف الصين إطاحة العملة الأميركية بقدر ما تريد تقليص اعتمادها عليها وانتزاع سلاح العقوبات من يد واشنطن، مستفيدة من سيطرتها على سلاسل إمداد الطاقة النظيفة لتمهيد الطريق أمام صعود “اليوان الأخضر”.
في عام 1971، حين كان النظام المالي العالمي على شفير الانهيار، قال وزير الخزانة (المالية) الأميركي جون كونالي لمجموعة من وزراء المال الأوروبيين القلقين، إن الدولار “عملتنا، بيد أنه مشكلتكم”، فالدولار غدا في عام 1944 العملة الاحتياطية الرسمية لذاك النظام العالمي بموجب اتفاق “بريتون وودز”، مما جعل الموقعين على الاتفاق المذكور خاضعين لأهواء السياسات النقدية الأميركية، وحتى بعد انهيار نظام “بريتون وودز”، وانتقال كثير من العملات إلى التعويم الحرّ، ظل الدولار محتفظاً بهيمنته.
وخلال نصف القرن الماضي، اتسع نفوذ العملة الأميركية أكثر فأكثر، مع اندماج مزيد من الدول في الاقتصاد العالمي واعتمادها المتزايد على الدولار، وكانت الصين، بحكم اعتمادها على النمو القائم على التصدير، في طليعة هذه الدول.
وإدراكاً منها لاحتمال أن تقرر واشنطن يوماً ما جعل الدولار مشكلة صينية، تعمل بكين الآن على صياغة حل خاص بها، فخلال خطاب ألقاه في يناير (كانون الثاني) 2024، أعلن الزعيم الصيني شي جينبينغ هذا التوجه صراحة، داعياً كبار المسؤولين في الأقاليم والوزارات إلى تسريع تحول الصين إلى “قوة مالية رائدة”، وحدّد العملة القوية باعتبارها أحد الأسس الضرورية لتحقيق هذه المكانة، وعندما نشرت مجلة “تشيوشي”، المتحدثة باسم الحزب الشيوعي الصيني، النص الكامل للخطاب في عام 2026، اتضح بصورة أكبر المعيار الذي يقصده شي: فلا يمكن اعتبار العملة “قوية” ما لم تكن واسعة الاستخدام في التجارة والاستثمار الدوليين وأسواق الصرف الأجنبي، وتحظى باعتراف عالمي بوصفها عملة احتياط.
ويأتي نداء شي جينبينغ في سياق تاريخ طويل من محاولات القوى الكبرى تقليص اعتمادها على النظام المالي العالمي الذي يتمحور حول الدولار، ففي عام 1965، وصف وزير المالية الفرنسي فاليري جيسكار ديستان المزايا غير المتكافئة التي تمنحها هيمنة الدولار للولايات المتحدة بأنها “امتياز باهظ”، وبدأت فرنسا في العام نفسه تحويل نسبة كبيرة من احتياطاتها الدولارية إلى الذهب، في خطوة أسهمت في انهيار نظام “بريتون وودز”.
وفي عام 1999، أصدرت الحكومة اليابانية تقريراً حول سبل توسيع الاستخدام الدولي للين، وفي العام نفسه، أتاح إطلاق اليورو لأوروبا امتلاك ثاني أهم عملة دولية في العالم، وهو ما منحها قدراً أكبر من الاستقلال النقدي، حتى مع حرص البنك المركزي الأوروبي على تجنب أية إشارة إلى رغبته في تحدي هيمنة الدولار.
لكن ما يميز طموح شي أن الصين، خلافاً لأوروبا واليابان، تمتلك الثقل الاقتصادي والقدرات العسكرية والإرادة السياسية التي تؤهلها لمنافسة الولايات المتحدة على النفوذ الجيوسياسي، فمنذ الحقبة التي كانت فيها لندن تدير إمبراطورية عالمية، لم تظهر عملة دولة أخرى فرصة واقعية لمنافسة الدولار، ولم يعد من الممكن استبعاد احتمال الانتقال بالنظام المالي العالمي من شعار “بالله نؤمن” In God We Trust (الشعار المكتوب على الدولار) إلى معادلة “حيثما يقود الحزب نتبع”، باعتباره مجرد فكرة من بنات الخيال.
إن تدويل اليوان من شأنه أن يمنح الصين قدراً من القدرة على الصمود مالياً إذا قررت الولايات المتحدة، في أي وقت استخدام الدولار سلاحاً للعقاب، على غرار ما فعلته مع روسيا بعد إطلاقها هجومها العسكري الشامل على أوكرانيا عام 2022، فالولايات المتحدة تسيطر على كل من المعروض من عملة الاحتياط العالمية المهيمنة، وعلى عدد كبير من نقاط الاختناق الحيوية في البنية التحتية المالية التي تتيح تداولها، وإذا أرادت واشنطن، فيمكنها أن تقيد بشدة وصول الصين إلى السيولة الدولارية، عبر جعل التعامل مع المؤسسات الصينية باهظ الكلفة، من خلال توجيه اتهامات أو فرض عقوبات على مصرف صيني كبير، مثلاً. ومن شأن أية خطوة كهذه أن تهز النظام المالي الصيني، وترفع كُلف التعاملات التجارية، وتوجه ضربة تنافسية كبيرة إلى قطاع التصدير الصيني، الذي يمثل نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
لكن القدرة على الصمود ليست سوى شرط أولي لردع الخصم بصورة موثوقة، فلكي تردع بكين الولايات المتحدة عن استخدام الدولار سلاحاً، تحتاج إلى امتلاك قدرة مالية على توجيه ضربة مضادة ثانية، ويتطلب ذلك أن تكون قادرة على تحويل حصة كبيرة من التجارة والتمويل العالميين إلى شبكة قائمة على اليوان، وتعتمد استدامة هذا التحول على وجود طلب عالمي قوي على أصل مالي مرجعي مقوّم باليوان، وبالنسبة إلى الصين، فإن المصدر الأرجح لمثل هذا الأصل يكمن في هيمنتها على الاقتصاد الأخضر.
ليس بالضرورة أن يكون هدف شي جينبينغ إحلال اليوان محل الدولار، فقد دعا في خطابه عام 2024 إلى امتلاك عملة قوية، لا إلى فرض هيمنتها، ومن شأن احتلال اليوان المرتبة الثانية، أو حتى الثالثة مع امتلاكه وزناً مؤثراً، أن يكون كافياً لكسر الاحتكار الفعلي للدولار وتقييد قدرة الولايات المتحدة على فرض العقوبات المالية من جانب واحد، مع تجنيب الصين كُلف الجهد اللازم للحفاظ على هيمنة عملتها عالمياً. ومن منظور بكين، تتمثل المهمة في جعل اليوان بمثابة “بيبسي” في مواجهة “كوكاكولا” الدولار: ليس بالضرورة الخيار الأول في السوق، لكنه بديل متاح عند الحاجة، وقادر بما يكفي على إبقاء العملة المهيمنة تحت ضغط المنافسة.
المرتبة الثانية هي الأفضل
ربما تستفيد الصين من الاعتماد شبه العالمي على الدولار الأميركي أكثر من أي دولة أخرى، فالاقتصاد الصيني يعتمد على التصدير، وتسعير السلع الصينية بالدولار وتمويلها به يتيحان وصولها إلى مشترين مستعدين لشرائها في أي مكان تقريباً.
ويمكن بعد ذلك استثمار الأرباح في أي مكان تقريباً، وتحويلها إلى أموال سائلة في غضون وقت قصير، وهذا الوضع يناسب بكين، إذ تستفيد الصين من السيولة العالمية من دون أن تتحمل أعباء الحفاظ عليها.
ولكي تحافظ الولايات المتحدة على النظام العالمي القائم على الدولار، يتعين عليها قبول امتلاك الأجانب حجماً متزايداً باستمرار من المطالبات المالية المقومة بالعملة الأميركية، مع توسع التعاملات التجارية الدولية التي تجري بها، وهذا يعرض الأسواق الأميركية لتقلبات خارجية، ويمنح المستثمرين الأجانب قدراً من التأثير في الشركات الأميركية. كذلك يتحمل الاحتياط الفيدرالي، الذي يصدر الدولار، مسؤولية توفير شبكة الأمان للنظام، من خلال توسيع موازنته العمومية في أوقات الأزمات المالية، حين تسارع الحكومات والشركات الخاصة إلى تكديس الدولارات لضمان قدرتها على سداد ديونها وشراء السلع.
ولم يشكل هذا الانفتاح، وما ينطوي عليه من انكشاف على الخارج، تهديداً يُذكر للاقتصاد الأميركي، لأن المساهمين الأجانب سعوا عموماً إلى العمل وفق قواعد الأعمال الأميركية، لا إلى تغييرها، فيما حققت المصارف الأميركية أرباحاً كبيرة من التوسط في تدفقات رؤوس الأموال العالمية عبر نيويورك ولندن.
لكن القادة الصينيين لا يرغبون في تحمل مثل هذه المقايضة، فالحفاظ على نظام عالمي قائم على اليوان يتعارض بصورة جوهرية مع النموذج الاقتصادي الصيني الذي تقوده الدولة، ولكي يؤدي اليوان الوظائف نفسها التي يؤديها الدولار، سيتعين على الصين إنشاء قنوات مالية واسعة ومتبادلة الاتجاهات، تتيح لحاملي اليوان الأجانب إعادة استثمار أموالهم داخل الاقتصاد الصيني، ومن شأن تدفقات رؤوس الأموال الناتجة من ذلك أن تعيد تشكيل الأسواق المالية المحلية في الصين بصورة جذرية.
ولن يكون من العملي أن تواصل بكين حصر المستثمرين الأجانب في مجموعة ضيقة من الأصول المعتمدة، كما تفعل حالياً، فبمجرد السماح لهم بدخول الأسواق الصينية بأعداد كبيرة، سيستغل هؤلاء الاختلالات الناجمة عن القيود المالية وتوجيه الاستثمارات وفق اعتبارات سياسية لتحقيق مكاسب من فروق الأسعار، ومن شأن هذه المنافسة أن تقوض إحدى أكثر الأدوات فاعلية، التي تستخدمها بكين لضمان ولاء طبقة رجال الأعمال في الصين، وهي التحكم في الجهات التي تحصل على التمويل، والشروط التي تحصل عليه بموجبها، والأغراض التي يخصص لها.
وبالنسبة إلى كثير من الأثرياء الصينيين، بمن فيهم بعض أعضاء الحزب الشيوعي نفسه، يمثل الدولار شكلاً لا غنى عنه من أشكال التأمين ضد الأخطار السياسية، فالتنافسات السياسية الداخلية قد تؤدي إلى مصادرة الأصول، بل وحتى السجن، من دون ضمانات قانونية كافية، وتتيح الودائع الدولارية في الخارج والهياكل المؤسسية المسجلة خارج الصين للنخب تنويع ممتلكاتها عبر عملات وولايات قضائية مختلفة.
وكذلك فإن السيطرة على شركة مدرجة في الخارج، ولا سيما في الولايات المتحدة، تمنح الأثرياء الصينيين أكثر من مجرد المكانة المرموقة وإمكان الوصول إلى رؤوس الأموال العالمية، فالتزامات الإفصاح والواجبات تجاه المساهمين والحضور في الأسواق الدولية، وهي أمور تقع خارج نطاق سيطرة الحزب، يمكن أن تمنح المسؤولين التنفيذيين الصينيين نفوذاً في مواجهة المطالب التعسفية للمسؤولين في الداخل. ولا تستطيع هذه القيود منع تدخل السلطات العليا إذا أصرت على استهداف شخص بعينه، لكنها ترفع كلفة التدخل وتبطئ تنفيذه وتتيح مجالاً للتفاوض، وهكذا يشكل النظام القائم على الدولار ملاذاً للنخب الصينية التي تفقد حظوتها السياسية. وبما أن أحداً لا يضمن بقاء موقعه آمناً إلى الأبد، فإن قلة فقط ترغب في اختفاء هذا الملاذ.
استخدمها أو اخسرها
لا تمانع الصين إطلاقاً مواصلة العيش في عالم يدور حول الدولار، لكنها لا تستطيع القبول بتحويل العملة الأميركية إلى سلاح. ولا يزال اليوان بعيداً من امتلاك القوة الكافية لاحتواء هذا التهديد، وإذا كان المطلوب إقناع مزيد من الدول والشركات باعتماد اليوان، فلا بد أولاً من إنشاء بنية تحتية مالية عالمية تتيح استخدامه.
وقد وضعت الصين بالفعل الأساس لهذا التوجه، من خلال تسهيل استخدام اليوان بين الشركات في أكثر من 100 دولة، وفي مجموعة متنامية من أسواق السلع الأساسية، لتسوية التعاملات والحصول على التمويل اللازم للتجارة والاستثمار والتحوط من الأخطار. وهنا، تكتسب مساحة الانتشار أهمية أكبر من حجم التداول، فحتى الأحجام اليومية المتواضعة من تعاملات اليوان يمكن أن تضمن استمرار قنوات الدفع، وتحافظ على العلاقات المالية، وتبقي الخبرات القانونية والإدارية اللازمة لتشغيل نظام مالي بديل متاحة.
تحتاج بكين إلى امتلاك قدرة مالية على توجيه ضربة مضادة ثانية
وبما أن مصدر القوة الاقتصادية النسبية للصين يكمن في تدفق السلع المصنعة، إذ استحوذت على 20 في المئة من صادرات الصناعات التحويلية العالمية عام 2025، فقد ركزت بكين جهودها على بناء شبكة مدفوعات تسهل التعاملات التجارية التي تولدها آلتها الصناعية.
وفي عام 2005، شجع تشو شياو تشوان، الذي كان يتولى حينها منصب محافظ بنك الشعب الصيني، علناً على التوسع في استخدام العملات المحلية بين الشركاء التجاريين للصين، وهو توجه كان قد بدأ يتزايد بالفعل، وفي عام 2009 أطلق البنك المركزي الصيني برنامجاً تجريبياً لتسوية التعاملات العابرة للحدود باليوان، أعقبه في عام 2015 إنشاء نظام المدفوعات بين المصارف العابرة للحدود، الذي أصبح العمود الفقري لشبكة اليوان الدولية الصينية.
وبدأ هذا النظام، المعروف اختصاراً باسم “سيبس” (CIPS)، بـ195 مؤسسة مشاركة موزعة على 50 دولة، وبحلول يونيو (حزيران) 2026، ارتفع عدد المشاركين إلى 1829 مؤسسة، وأصبح النظام قادراً على توجيه المدفوعات إلى أكثر من 5200 مؤسسة مصرفية في 191 دولة، ومع ذلك لا يزال “سيبس” أصغر بكثير من أنظمة المدفوعات بالجملة الراسخة التي تدعم الدولار واليورو، ففي عام 2025، عالج نظام المقاصة بين المصارف التابع لغرفة المقاصة الأميركية، ومقره الولايات المتحدة، قيمة من المدفوعات الدولية تعادل نحو 19 ضعف ما عالجه النظام الصيني، فيما بلغت قيمة التعاملات التي سوّاها نظام التسوية الإجمالية الفورية الأوروبي المعروف باسم “تي 2” نحو 14 ضعفاً.
لكن التركيز على المدفوعات وحدها يقدم صورة مضللة عن قوة العملة، فالمعاملة الدولية لا تقتصر على نقل القيمة الاقتصادية، بل تتطلب حزمة من الخدمات المالية تمر عبر خمس مراحل مترابطة: التسعير، والتمويل، ونقل الأخطار، والدفع، ثم إعادة الاستثمار. ويهيمن الدولار على التجارة والتمويل الدوليين لأنه العملة الأساسية المعتمدة في كل مرحلة من هذه المراحل، إذ تعزز قوته في كل واحدة منها مكانته في المراحل الأخرى، ولكي يتمكن اليوان من إزاحة الدولار، يتعين عليه أن يصبح منافساً في جميع مراحل دورة المعاملة المالية، لا في المدفوعات وحدها.
وتدرك القيادة الصينية أن نفوذ المراكز المالية في لندن ونيويورك وطوكيو لا يستند فقط إلى قدرتها على تحويل الأموال، بل أيضاً إلى قدرة مؤسساتها على توفير الائتمان وتحديد الأسعار والتأمين على الشحنات وإعادة تدوير المدخرات، ولهذا تقود الشركات المملوكة للدولة الصينية جهود توسيع شبكة اليوان، فمن خلال تحديد قيمة الفواتير والعقود وتمويل المشاريع الخارجية باليوان، تنشئ هذه الشركات قاعدة من الطلب المتكرر على العملة، تتيح للمصارف وشركات التأمين والمؤسسات المالية الصينية الأخرى بناء أنشطة تجارية منافسة تحت سيطرة الصين.
ولتعزيز هذه القاعدة، وضع الحزب الشيوعي عام 2025 خطة عمل تطالب الشركات المملوكة للدولة بإعطاء الأولوية للتسوية باليوان بدلاً من الدولار، عند تعاملها مع الموردين والعملاء الأجانب، وقد بدأت هذه الإستراتيجية بالفعل في ترسيخ شبكة إقليمية لاستخدام اليوان جنوب شرقي آسيا، ففي عام 2024 ارتفعت المدفوعات باليوان المرتبطة باقتصادات رابطة دول جنوب شرقي آسيا 19 في المئة، وجرت ثلثا هذه التعاملات بين دول الرابطة نفسها.
كلفة الدخول إلى السوق
أنجزت بكين إلى حد كبير المرحلة الأولى من إستراتيجيتها، عبر ترسيخ موطئ قدم في مجال المدفوعات، وهي تعمل الآن على توسيع نفوذها صعوداً ليشمل التسعير والتمويل ونقل الأخطار، مع التقدم بحذر نحو المرحلة اللاحقة المتمثلة في إعادة الاستثمار.
ولم تبدأ بكين إلا في الآونة الأخيرة إدراك مدى تأثير العملة التي تُسعّر بها السلع في المراحل التالية من دورة المعاملة، فقد اعتادت الصين تاريخياً تسعير معظم وارداتها وصادراتها بالدولار. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، لم تتجاوز نسبة الصادرات الصينية التي جرى إصدار فواتيرها باليوان 6.5 في المئة عام 2023.
وتشير الإحصاءات الحكومية الصينية إلى أن نحو 30 في المئة من تجارة السلع في البلاد تجري تسويتها باليوان، لكن قسماً كبيراً من هذه التعاملات ليس في حقيقته سوى تعاملات دولارية ترتدي ثوب اليوان، فالمصدّرون الصينيون يصدّرون فواتيرهم بالدولار، ويحصل المشترون على التمويل الدولاري، وتُخصم المدفوعات منهم بالدولار، ثم لا تُحوّل الأموال إلى اليوان إلا قبيل وصولها إلى البر الرئيس الصيني.
وتسعى الحكومة إلى قلب هذه المعادلة من خلال الترويج لما تسميه “أسعار الصين”، وهي أسعار مرجعية مقوّمة باليوان، تُحدد في البورصات المحلية للسلع الأساسية الرئيسة التي تستوردها البلاد، فامتلاك قدر أكبر من الاستقلال في التسعير يتيح للشركات الصينية شراء المواد الخام وإدارة تعرضها لتقلبات أسعار السلع في الأسواق العالمية، من دون الحاجة إلى الحصول على الدولارات، ويمنح السلطات الصينية نفوذاً أكبر في تحديد الأسعار المرجعية التي تستند إليها شروط عقود توريد هذه السلع وتسليمها فعلياً، وتكتسب هذه القدرة أهمية حيوية للصين، لأن التدفق المنتظم للمواد الخام شرط أساس لضمان استمرار عمل آلتها الصناعية بسلاسة.
ويكتسب الاستقلال في التسعير أهمية خاصة بالنسبة إلى المعادن الحيوية التي تغذي الصناعات الخضراء (الصديقة للبيئة)، والتي يرى شي جينبينغ أنها تشكل محور المستقبل الاقتصادي للصين، فالبلاد تنتج أكثر من 80 في المئة من بطاريات العالم، وتستهلك أكثر من 75 في المئة من الليثيوم العالمي، و70 في المئة من الكوبالت، ونحو 60 في المئة من النيكل.
لكن موقع الصين في الأسواق العالمية لكل واحد من هذه المعادن لا يعكس بعد هيمنتها على إنتاجها واستهلاكها، وحتى الآن أحرزت الصين أكبر تقدم في سوق الليثيوم، إذ تجري أكثر من 90 في المئة من التداولات العالمية لعقود “الليثيوم كربونات” الآجلة في بورصة قوانغتشو للعقود الآجلة، حيث تُسعّر العقود باليوان.
وفي يوليو (تموز) الماضي، سمحت البورصة للمتداولين الأجانب بالتعامل مباشرة في عقود “الليثيوم كربونات” الآجلة، وأعلنت باحتفاء انضمام عدد من “الشركات الرائدة” الأجنبية إلى السوق.
وربما تكون الصين، للمرة الأولى في تاريخها الحديث، على وشك التحول إلى المركز المالي الرئيس لسلعة ذات أهمية عالمية.
أما النيكل والكوبالت، فلا يزالان مرتبطين بمؤشرات التسعير المرجعية المقومة بالدولار في لندن وشيكاغو، وعلى رغم أن الصين أكبر مستهلك لهذين المعدنين، فإنها لم تصبح بعد المرجعية المالية التي تستند إليها أسعارهما في الأسواق، وهذا تحديداً هو الخلل الذي تسعى حملة “أسعار الصين” إلى معالجته.
وتكتسب مرحلة التمويل في إستراتيجية بكين لتعزيز اليوان زخماً متزايداً، ففي عام 2023، وجهت بكين المؤسسات المالية الصينية إلى توسيع نطاق التمويل باليوان خارج البلاد، وزادت مؤسسات الإقراض المدعومة من الدولة، مثل بنك التصدير والاستيراد الصيني، من قروضها المقومة باليوان لتمويل التجارة والمشاريع الخارجية للبنية التحتية، فيما باتت المصارف التجارية توفر تمويل التجارة باليوان بوتيرة متزايدة.
وبين عام 2023 ومنتصف عام 2026، ضاعفت المؤسسات المالية الصينية أكثر من مرتين حجم قروضها باليوان للمقترضين في الخارج، لترتفع من 1.3 تريليون إلى 2.9 تريليون يوان (428 مليار دولار).
من جهته، أبرم بنك “الشعب” الصيني اتفاقات لمبادلة العملات مع 32 مصرفاً مركزياً وسلطة نقدية أجنبية، من بينها السعودية والإمارات العربية المتحدة والبنك المركزي الأوروبي، وكانت خطوط مبادلة العملات هذه، خلال أعوامها الأولى التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، ذات طابع رمزي إلى حد كبير، ولم تستخدم إلا بصورة محدودة، لكن بعضها بات في الأعوام الأخيرة يوفر دعماً مباشراً للنشاط التجاري.
ففي عام 2025، اقترضت شركات تركية 4 مليارات يوان (557 مليون دولار) لتسديد مستحقات موردين صينيين، باستخدام تسهيل ائتماني مدعوم باتفاق مبادلة مع بنك “الشعب” الصيني، بزيادة بلغت 70 في المئة، مقارنة بما اقترضته في العام السابق.
وبدأت هذه الجهود الرامية إلى تحويل اليوان إلى عملة للتمويل تؤتي ثمارها، ففي مايو (أيار) 2026، بلغت حصة اليوان سبعة في المئة من قيمة رسائل تمويل التجارة المتبادلة عبر نظام “سويفت”، المنصة العالمية الرائدة لتبادل تعليمات الدفع، ارتفاعاً من 5.1 في المئة قبل عامين، وبذلك تجاوز اليوان اليورو ليحتل المرتبة الثانية، وإن ظل الدولار متقدماً بفارق شاسع بحصة بلغت 82.5 في المئة.
واتخذت بكين أيضاً خطوات، وإن كانت أكثر تواضعاً، لتعزيز حضور اليوان في أسواق التأمين وإعادة التأمين، ففي عام 2025، وضع بنك “الصين”، وهو مصرف مملوك للدولة، وشركة “بي آي سي سي” (PICC) الحكومية للتأمين على الممتلكات والحوادث، شروطاً جديدة تتيح تسوية أقساط التأمين والتعويضات المتعلقة بشحنات البضائع باليوان.
كذلك نصت الشروط على اعتماد شنغهاي مقراً مفضلاً للتحكيم، في إطار مسعى أوسع إلى نقل سوق التأمين البحري بعيداً من اعتمادها التقليدي على التسوية بالدولار والقانون التجاري الإنجليزي، الذي ظل الإطار القانوني المعياري لعقود الشحن الدولي والتأمين البحري.
أما المرحلة الأخيرة من دورة التعاملات، وهي إعادة الاستثمار، فتستكمل الحلقة التي تتحرك عبرها السلع والقيمة في الاقتصاد العالمي، إذ يتعين على الجهات التي تتلقى المدفوعات أن تقرر كيفية التصرف في الأموال: الاحتفاظ بها في حساب قصير الأجل، أو استثمارها في أصول طويلة الأجل، أو تحويلها إلى عملة أخرى، ولا يمكن لمنظومة عملة قوية أن تستدام على نطاق واسع إلا إذا كان المتعاملون مستعدين للاحتفاظ بأرصدتهم وإعادة استثمارها، بدلاً من تحويلها بصورة اعتيادية إلى عملات أخرى.
إذا انتهى عهد “ملك الدولار”، فمن المرجح ألا يكون ذلك نتيجة انتزاع اليوان الصيني العرش منه، بل بسبب تخلي الولايات المتحدة عنه بنفسها
خلال العقد الماضي، أتاحت بكين لحاملي اليوان الأجانب مزيداً من الخيارات لإعادة استثمار أرصدتهم، فقد توسعت برامج “ستوك كونكت” (Stock Connect) و”بوند كونكت” (Bond Connect) التي ظهرت أولى صيغها عامي 2014 و2017 على التوالي، لتتيح لمجموعة أوسع بكثير من المستثمرين خارج الصين استخدام اليوان، لشراء بعض الأسهم والسندات المدرجة في البر الرئيس الصيني.
وقبل إطلاق هذه البرامج، كانت التراخيص والحصص المحددة تقيد الوصول المباشر إلى الأسواق الصينية، ولم يكن يتمتع بهذه الحصص في عام 2013 سوى 228 مستثمراً مؤسسياً كبيراً، أما اليوم فقد ارتفع العدد إلى نحو 1000 مستثمر.
وفي عام 2025، بلغ متوسط التداولات اليومية للمستثمرين الأجانب عبر برنامج “ستوك كونكت” 212 مليار يوان (29.5 مليار دولار)، فيما بلغ متوسط التداولات عبر “بوند كونكت” 39 مليار يوان (5.4 مليار دولار) يومياً، وكذلك توسعت الأدوات المتاحة لإدارة الأخطار المرتبطة بهذه الاستثمارات، فبرنامج “سواب كونكت” (Swap Connect)، الذي أُطلق عام 2023، يتيح للمستثمرين في الخارج التحوط من تقلبات أسعار الفائدة على اليوان داخل الصين.
ولم يعد الوصول إلى الأسواق المالية الصينية أكبر مشكلة تواجه المستثمرين الأجانب، لكن احتمال أن تؤدي ضوابط رأس المال غير المتوقعة، التي تفرضها بكين يوماً ما إلى احتجاز أموالهم داخل البلاد، لا تزال مصدر قلق، فقد أظهر مسح أجرته “جمعية إدارة أصول التأمين” الصينية وشركة “جي بي مورغان” لإدارة الأصول عام 2023، أن ثلثي كبار مسؤولي الاستثمار في شركات التأمين خارج الصين اعتبروا القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال من البلاد وإليها أحد أبرز المخاوف المتعلقة بالاستثمار فيها.
وعلى رغم أن الوصول إلى الأسواق الصينية أصبح أسهل من أي وقت مضى، فإن المستثمرين الأجانب لا يزالون مترددين في الاحتفاظ بأصول صينية على نطاق واسع، ففي مارس (آذار) 2026، لم تتجاوز حيازاتهم 3.2 تريليون يوان (448 مليار دولار)، أي ما يعادل 1.6 في المئة فقط من سوق السندات الصينية، مقارنة بنحو 15.5 تريليون دولار، أو 27 في المئة من سوق السندات الأميركية.
وتكشف احتياطات العملات الأجنبية المسجلة لدى صندوق النقد الدولي عن فجوة أكبر، فخلال الربع الأول من عام 2026، لم تتجاوز حصة اليوان من احتياطات النقد الأجنبي العالمية اثنين في المئة، في مقابل 57 في المئة للدولار، ومن دون قاعدة أكبر بكثير من الأصول المقوّمة باليوان، يمكن للأجانب شراءها وبيعها بحرية، فلن يكون بمقدور العملة الصينية الاقتراب من إزاحة الدولار.
المعيار الأخضر
لكي تتمكن الصين من ممارسة نفوذ نقدي يقترب من ذلك الذي تتمتع به الولايات المتحدة، ينبغي أن يهيمن اليوان على تجارة سلعة تسيطر عليها الصين، ويصعب على بقية العالم الاستغناء عنها. ففي النظام القائم على الدولار، أدت تجارة النفط العالمية هذا الدور منذ فترة طويلة، ومن هنا جاء مصطلح “البترودولار”، أما في نظام يصعد فيه اليوان، فقد يكون المقابل هو المعادن الحيوية ومعدات الطاقة النظيفة والبنية التحتية الكهربائية التي تشكل ركائز تكنولوجيا الطاقة الخضراء.
وإذا نجحت الصين في ترسيخ هيمنتها على هذا النظام الصناعي المتكامل، مستفيدة من مزايا الحجم والكلفة لمنع المنافسين من اللحاق بها، فقد تكتسب نفوذاً كافياً لتسعير هذه الصادرات الأساسية التي يصعب الاستغناء عنها باليوان، بما يضع الأساس لنشوء “اليوان الأخضر”، الذي قد يحل في نهاية المطاف محل “البترودولار”.
أمضت الصين عقوداً في بناء سلاسل التوريد بصورة منهجية، حتى أصبحت أكبر منتج في العالم لتكنولوجيا الطاقة الخضراء ومعداتها، واليوم تقترب بكين من إحكام قبضتها على مجموعة من السلع التي بات العالم يراها ضرورية ولا يمكنه الاستغناء عنها.
وتقوم الإستراتيجية الصينية على التكامل الرأسي الذي يشمل تقريباً سلسلة توريد الطاقة النظيفة بأكملها، فالبلاد تتصدر العالم في تكرير 19 من أصل 20 معدناً إستراتيجياً مرتبطاً بالطاقة، تتابعها الوكالة الدولية للطاقة، بحصة سوقية متوسطة تبلغ 70 في المئة، وكذلك تستحوذ على نحو 85 في المئة من القدرة التصنيعية العالمية للألواح الشمسية، وتوافر 78 في المئة من قدرات توربينات الرياح المركبة في أنحاء العالم، وفي عام 2025 أنتجت الصين نحو 70 في المئة من السيارات الكهربائية عالمياً.
وبعد أن حسمت بكين باكراً أفضلية السبق إلى هذه الأسواق، تعمل الآن على ترسيخ موقعها فيها، مستفيدة من وفورات الحجم لخفض الأسعار إلى مستويات يصعب على المنافسين المحتملين مجاراتها، والترويج لمعايير تقنية تقوم على تكنولوجيات تمتلكها الشركات الصينية، وعلى رغم أن اقتصاد الطاقة الخضراء أكثر تشتتاً من منظومة الوقود الأحفوري التي يسعى إلى استبدالها، وهو ما يجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة، فإن الصين بدأت بالفعل تحويل تفوقها في الحصص السوقية إلى مزايا هيكلية، قد تقصي المنافسين وتكرس هيمنتها.
وحتى وقت قريب، ركزت بكين بدرجة أكبر على توسيع تفوقها الصناعي في مجال الطاقة الخضراء، بدلاً من تحويل هذه الأفضلية إلى نفوذ مالي، لكن هذا بدأ يتغير، فقد أسهم انتشار متطلبات الاستثمار المحايد كربونياً، من دون قصد، في نشوء صناعة للتمويل الأخضر، تكاد تكون مصممة بما يناسب الصين تماماً.
وفي عام 2022، نشرت بكين “مبادئ السندات الخضراء” التي تلزم الجهات المصدرة لهذه السندات بتخصيص كامل عائداتها، بنسبة 100 في المئة، لمشاريع خضراء مؤهلة.
وبحلول نهاية عام 2025، بلغت قيمة الصناديق المخصصة للاستثمار المستدام عالمياً 4.13 تريليون دولار، فيما كان من المتوقع أن تصل الأصول المدارة وفق معايير الاستدامة إلى 40 تريليون دولار بحلول عام 2030، وفي المقابل كانت الجهات الصينية تمتلك بالفعل قروضاً وسندات خضراء قائمة بقيمة 47.2 تريليون يوان (6.7 تريليون دولار)، وهو حجم يفوق بكثير التمويل الأخضر في أية دولة أخرى، لكنه ظل محصوراً إلى حد كبير داخل النظام المحلي القائم على اليوان.
وفي عام 2024، لم تتجاوز حيازات المؤسسات الأجنبية من سوق السندات الخضراء الصينية، البالغة قيمتها 2.2 تريليون يوان (306 مليارات دولار)، سوى 3.2 مليار يوان (445 مليون دولار)، أي نسبة ضئيلة لا تتعدى 0.15 في المئة.
ومن المرجح أن ترتفع هذه المشاركة الأجنبية المحدودة، فالسلطات الصينية تعمل على تحويل حصة أكبر من مخزون الديون الخضراء الهائل في البلاد، وهي القروض والسندات المصدّرة لتمويل مشاريع ذات أثر بيئي إيجابي، والتي طُورت أساساً لتلبية حاجات المستثمرين المحليين، إلى أوراق مالية قابلة للتداول، يستطيع المستثمرون الأجانب الاحتفاظ بها بما يتوافق مع متطلبات الاستدامة الدولية.
تهدف بكين إلى إنشاء فئة واسعة من الأصول المقوّمة باليوان، قابلة للاستثمار على المستوى الدولي، ومرتبطة بمشاريع خضراء، ومندمجة في المنظومة الأوسع لليوان، بما يشمل التسعير والتسوية وسائر الخدمات المالية.
وقد خضع نحو 17 في المئة من سوق السندات الخضراء الصينية بالفعل للتقييم وفق معايير فنية تتماشى مع الأطر الأوروبية للتمويل الأخضر، وهو ما يسهل على المستثمرين الأجانب ومزودي المؤشرات المالية التعرف إلى هذه السندات، وإدراجها في محافظهم الاستثمارية.
كذلك بدأت وزارة المالية إصدار سندات سيادية خضراء مقوّمة باليوان خارج الصين، وجمعت أول عملية إصدار من هذا النوع 6 مليارات يوان (834 مليون دولار) في لندن خلال أبريل (نيسان) 2025، أعقبتها عملية ثانية بالقيمة نفسها في هونغ كونغ في مايو الماضي، تجاوزت طلبات الاكتتاب فيها حجم المعروض بـ 10 أضعاف.
وتظل هذه الإصدارات صغيرة مقارنة بالسوق المحلية الصينية، لكنها تؤسس لمراجع سعرية تجعل من الأسهل على جهات أخرى إصدار ديون خضراء مقومة باليوان مستقبلاً، ويقدم إصدار باكستان في مايو الماضي سندات خضراء من فئة “باندا” بقيمة 1.75 مليار يوان (258 مليون دولار)، لمحة عن مستقبل قد تلجأ فيه الدول الأجنبية بصورة اعتيادية إلى جمع التمويل باليوان داخل الصين، لتمويل تنميتها الخضراء، وتُعرف سندات “باندا” بأنها ديون مقوّمة باليوان تصدرها جهات أجنبية داخل الصين.
ينبغي لواشنطن أن تعيد النظر في مدى ملاءمة “البترودولار” للمرحلة المقبلة
هكذا يبدأ التفوق الصناعي في التحول إلى نفوذ مالي، فالحكومة الصينية لا تمتلك خطة رسمية لإنشاء “يوان أخضر”، لكن المكونات الأساسية لمثل هذا النظام بدأت تتجمع بالفعل، ولن يكون الأصل المالي المرجعي الذي يستند إليه اليوان الأخضر هو تكنولوجيا الطاقة النظيفة نفسها، بل مجموعة متنامية من المطالبات المالية المقومة باليوان، والمرتبطة باقتصاد الطاقة الخضراء، وستشكل السندات الخضراء النواة القابلة للتداول في هذا الاقتصاد، إذ تربط التفوق الصناعي الصيني بالطلب العالمي المتنامي على الأصول المستدامة.
وقد حددت دول كثيرة مواعيد نهائية للتخلص من الوقود الأحفوري، وهي أهداف لا يمكن تحقيقها من دون الاستعانة باقتصاد الطاقة الخضراء الصيني، وحتى إذا تراجعت الإرادة السياسية لمكافحة تغير المناخ، فإن الاعتماد العالمي على الطاقة المستوردة قد خلق ثغرات جيوسياسية، وهو وضع سيسهم على الأرجح في تعزيز الطلب على مصادر الطاقة المتجددة التي تستطيع معظم الدول استخدامها لإنتاج مزيد من الطاقة محلياً.
وبالنسبة إلى الدول والشركات الساعية إلى دخول اقتصاد الطاقة الخضراء، فقد يصبح قبول التمويل باليوان والمعايير التقنية الصينية، في نهاية المطاف، جزءاً من الكلفة المعتادة لدخول هذا المجال، والنتيجة ستكون دائرة تعزز نفسها بنفسها، تقوم على السلع الخضراء والتمويل الأخضر، ويُسعّر جزء كبير منها باليوان.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فلا ينبغي لاحتمال ظهور اليوان الأخضر أن يثير مخاوف من استيلاء وشيك للعملة الصينية على مكانة الدولار، بل يتعين أن يدفعها إلى طرح سؤال أكثر إلحاحاً: هل لا يزال “البترودولار” صالحاً للاضطلاع بدوره؟ وما فئة الأصول أو التكنولوجيا أو المنظومة الصناعية التي يمكن أن تشكل الركيزة الجديدة للقوة النقدية الأميركية مستقبلاً؟
فمكانة الدولار لا تستند فقط إلى قدرة الولايات المتحدة على تأمين تدفقات الطاقة العالمية، وعلاقاتها مع الدول الرئيسة المنتجة للنفط، لكن صناع السياسات الأميركيين سيرتكبون خطأ إذا تعاملوا مع هيمنته باعتبارها أمراً دائماً لا يتغير.
من سيعتلي العرش؟
لا تخطط بكين للإطاحة بالدولار، ومن شبه المؤكد أن الحزب الشيوعي لا يرغب في الانفتاح المالي الذي يتطلبه تحقيق انتصار من هذا النوع، وسواء أصبح اليوان الأخضر واقعاً في المستقبل أم لا، فإن القيمة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الحزب في تدويل اليوان تكمن في قدرته المحتملة على ردع الصقور، المعادين للصين في واشنطن، عن استغلال اعتماد الصين الحالي على الدولار، وتحويله إلى سلاح ضدها.
وكلما ازدادت قوة النظام المالي القائم على اليوان، تعززت قدرة بكين على امتصاص صدمة العقوبات المالية الأميركية المحتملة.
وفي المقابل، ستتراجع فاعلية التهديد الأميركي بفرض مثل هذه العقوبات، ومن المرجح أن يؤدي هذا التحول في موازين القوة الاقتصادية إلى جعل بكين أكثر استعداداً لاختبار جدية تهديدات واشنطن، وربما تكون قد بدأت ذلك بالفعل.
ففي مايو الماضي أصدرت الصين أول أمر حظر من نوعه، وجّهت بموجبه الشركات العاملة داخل البلاد إلى عدم الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على خمس شركات تكرير نفط صينية، تتهمها واشنطن بأنها من كبار مشتري النفط الإيراني.
وإذا انتهى عهد “ملك الدولار” يوماً ما، فمن المرجح ألا يكون ذلك نتيجة انتزاع الصين العرش منه، بل بسبب تخلي الولايات المتحدة عنه بنفسها، ويتعين على واشنطن أن تدرك أن الأصل الإستراتيجي الذي سيشكل ركيزة النظام النقدي المقبل قد لا يكون برميل النفط، بل منظومة صناعية متكاملة.
يكمن الخطر في أن الأسواق المالية قد لا تقدم سوى القليل من المؤشرات التحذيرية على أن هذا التحول بدأ بالفعل، فقد تمضي الأسواق فترات طويلة متجاهلة الأدلة المتراكمة على التغيير، إلى أن يأتي عامل مفجر، مثل الوصول إلى طريق مسدود سياسياً في شأن رفع سقف الدين الأميركي، فيجبر النماذج الاقتصادية على إعادة الحسابات، ويدفع الأسعار إلى قفزات حادة صعوداً أو هبوطاً.
ويتردد المسؤولون الأميركيون في وضع خطط لمواجهة تراجع هيمنة الدولار، خشية أن يُفهم ذلك في الأسواق على أنه إقرار بأن هذا التراجع حتمي، لكن حرصهم على الإشارة إلى مخططات الأسعار باعتبارها دليلاً على متانة الدولار، يوحي بأن دروس الأزمة المالية الأخيرة ربما أصبحت طي النسيان بالفعل.
وعلى الولايات المتحدة أن تضع خططاً بديلة قبل أن تتآكل بصورة واضحة امتيازات الدولار الاستثنائية، وقبل أن تظهر بجلاء مؤشرات تحوط الأسواق من الاعتماد عليه، فعندما يحين ذلك الوقت، فقد يكون احتواء الأضرار أصبح أمراً متعذراً.
