سوزان موسى دره. كاتبة سورية.
مُنذ ثلاثين عاماً، كان الوشاحُ الأوروبيّ الذي يلتفُّ حول عنقي يروي حكاية بلدٍ كان يفتح ذراعيه للعالم.
و أمّا اليوم، أجرّ أطرافه بزهوٍ مُستعار، وأنا أدلف إلى ذلك المطعم الحمصِيّ العتيق، حيث تصدحُ أمُّ كُلثوم بصوتها الرخيم الذي ينساب كالحرير ليُرممَ شقوق الجدران الأثرية، ويُدغّدِغَ ذاكرةً جمعيةً مُثقلةً بالخسارات.
ما كِدّتُ أجُرُّ الملعقةَ في صحنِ التَّبولة حتّى خُيّل إليّ أنها عَلِقَت بخاتم ألماس، و في ذلكَ الوهمِ المخمليّ، أرسلتُ إيماءةً معسولةً مُتكلفةً للنادل، و بدأت الصحون تهبطُ على طاولتنا تباعاً، وبكميات وافرة؛ أشكال وألوان من المقبلات التي باتت عصيّة على جيوب الأغلبية، صحن واسع من المشاوي المُشكلَّة التي تفوح منها رائحة الرفاهية الغابرة، طبق من الأرز المُقَبّع بالمكسرات الذهبية، وجاط من الكبة المقلية ككقنابل من بهجة، فشعرتُ للحظة بزهوٍ طبقيّ زائفٍ كادَ يجعل ظهري يَطُق من شِدَّةِ ما ارتفع كبرياءً خاوياً.
كان ذلك المشهد هو كل ما تخيلتهُ، وأنا ألمح صدوراً تعلوها الصحون الفاخرة، وسط الصخب الذي جمع الأثرياء الجدد مع فقراء الحرب في مكان واحد.
كانت الرؤوس تجلس جنباً إلى جنب، و أمام كل مَحبَس فِضي كوب ممتلئ، و حكايات تُولدُ وتموت، يتبادلون الأنخاب على أنقاض اقتصادٍ منهك، بينما الموسيقى تحجُبُ صوتَ الشارع في الخارج، وتجعلُ اليقظة لدى البعض قاسيةً كالعادة.
بعد مرور ساعات، تلاشى الدُخانُ، واستيقظتُ على حرجٍ يقرص قلبي ليجعل الواقع يكبحُ جماح الحلم. لقد كانت النادلة ترمُقني بعين صقرٍ متفحصةً، واجترأت بنظراتها على خديعتي الصغيرة، بينما كُنتُ أُداعبُ خاتماً تقليدياً كبيراً يعلو مُنتصفَ خنصري كصحنٍ أبيض طائر حطّ رحالهُ في المكانِ الخطأ.
بعد لحظات هلكني إصبعي من شدة الحَك فرحتُ اسال نفسي إن كان قد تأكسدَ، كما تأكسدت أحلامُ السوريين بالرخاء والاستقرار؟
ام ذلك الحَكُّ هو وخزةُ الحقيقةِ وسطَ الزحام!!
كنتُ أخلق جواً من الدُعابة، وأَنفُض عن كاهلي غُبارَ الانكسار لإقناع الجميع أننا بخير، وكادت شقيقتي وابنتي تنفجران بالضَّحك؛ ضحك ممزوج بالقناعة، والمرارة والسخرية، ولكن بعد لحظات أصرّتا أن نخرج قبل الجميع لئلا ينكشف أمر انكسارنا الاقتصادي أمام الطاولات الأخرى.
عندما نهضنا معاً، استجمعتُ بقايا كبريائي وسرتُ بخفِّ ريشةٍ، وكأنني الإمبراطورة /جوليا دومنا/ ثم وقفتُ أتأمل نفسي أمام مرآةٍ أثرِيّةٍ عالية في ردهة المطعم.
تلك المرآة شهدت على عهود الازدهار، ثم على عهود الانهيار، و لم تبخل عليّ بإظهار ابتسامات العالم؛
ابتسامات ابنتي وشقيقتي الحقيقية، الدافئة، التي لا، ولن تحتاج إلى ألماس لتُشرق. التفتُّ، فإذا بالنادلة تبتسم لي أيضاً، وبعد ثوانٍ اقتربت مني، وعانقتني، لقد تعرَّفت عليّ من النظرة الأولى؛ منذ لمحتني ادخل بوشاحي الأوروبي العتيق ذي الثلاثين عاماً،
خرجنا إلى زقاق حمص البارد، والوشاح يلتف حول عنقي كحبلٍ سُري يربطني بالماضي؛ زمن كانت فيه البلد تشبه البلاد قبل ان تطحننا الايام، و يتبدل الألماس بالقصدير، وتصبح الذكريات دروعاً أخيرة لكرامةِ طبقةٍ وُسّطى تأبى ان تموت. فهيهات على الرَّحى التي لا تزال تدورُ بعنف؛ تطحن سوريا، وتطحننا معها.