عصام الياسري…. المصدر جريدة المدى
ليست كل زيارة يقوم بها رئيس وزراء عراقي إلى واشنطن حدثاً يستحق التوقف عنده. فمنذ عام 2003، شهدت العلاقات العراقية ـ الأمريكية عشرات الزيارات واللقاءات والبيانات المشتركة، غير أن كثيرا منها انتهى من دون أن يترك أثرا ملموسا في الداخل العراقي. لكن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي تأتي في ظرف مختلف، داخليا وإقليميا ودوليا، ما يجعلها أكثر من مجرد محطة دبلوماسية، ويمنحها أبعادا تتجاوز الملفات التقليدية للعلاقات الثنائية.
فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة. الولايات المتحدة تعيد صياغة أولوياتها في المنطقة، ولم تعد تنظر إليها من منظور التدخل العسكري المباشر كما في العقدين الماضيين، بل من زاوية بناء شراكات اقتصادية وأمنية أكثر استدامة. وفي الوقت نفسه، تتسارع المنافسة الدولية على الممرات التجارية والطاقة وسلاسل الإمداد، بينما تسعى دول الخليج إلى ترسيخ مشاريعها التنموية، وتواصل إيران تثبيت نفوذها الإقليمي وسط ضغوط متزايدة، فيما تتوسع أدوار قوى إقليمية أخرى في رسم خرائط النفوذ والمصالح.
وسط هذه التحولات، لم يعد العراق مجرد ساحة للصراعات، بل عاد ليحتل موقعا استراتيجيا بوصفه حلقة وصل بين الخليج وتركيا وبلاد الشام، وبين أسواق الطاقة والممرات التجارية الجديدة. وهذه الحقيقة تفسر جانبا مهما من الاهتمام الأمريكي المتجدد بالعراق، كما تفسر حرص الحكومة العراقية على تقديم نفسها شريكا في التنمية والاستقرار، لا مجرد دولة تعيش أزماتها الداخلية.
من هنا، فإن قراءة زيارة الزيدي من زاوية اللقاءات الرسمية أو الاتفاقيات المحتملة وحدها تبقى قراءة ناقصة. فالزيارة تحمل، في جوهرها، محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين بغداد وواشنطن على أساس الاقتصاد والاستثمار وبناء المؤسسات، بدلا من الاقتصار على الملفات الأمنية التي هيمنت على العلاقات طوال السنوات الماضية.
غير أن البعد الأكثر أهمية لا يوجد في واشنطن، بل في بغداد. فالزيدي يقود حكومة جاءت نتيجة توافقات سياسية معقدة داخل الإطار التنسيقي، لكنها تواجه استحقاقات تتجاوز تلك التوافقات في الوقت الذي يقف العراق اليوم أمام تحديات متراكمة؛ اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، وقطاع خاص ضعيف، وإدارة حكومية تحتاج إلى إصلاح عميق، وملفات فساد استنزفت ثقة المواطنين، فضلاً عن استمرار الجدل حول حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة القانون.
هذه الملفات لا تمثل مجرد برامج حكومية، بل تمس بنية النظام السياسي ذاته، لأنها ترتبط بتوازنات ومصالح تراكمت خلال أكثر من عقدين. ولذلك فإن أي تقدم فيها ستكون له انعكاسات تتجاوز الأداء التنفيذي إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة والقوى السياسية، وبين المؤسسات الرسمية ومراكز النفوذ المختلفة.
ومن الطبيعي، في ظل هذه المعادلة، تابعت القوى السياسية الداعمة للحكومة نتائج الزيارة باهتمام بالغ. فهي تدرك أن نجاح رئيس الوزراء في استقطاب استثمارات، وتعزيز الثقة الدولية بالعراق، وتحقيق إنجازات اقتصادية، قد يمنحه مساحة أوسع للحركة السياسية، ويعزز شرعيته المستندة إلى الإنجاز، وهي شرعية تختلف بطبيعتها عن الشرعية التي تمنحها التوافقات الحزبية.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أقل اهتماما بإعادة تشكيل الخريطة السياسية العراقية، لكنها أكثر اهتماما بإنتاج دولة يمكن التعامل معها كشريك يمكن التنبؤ بسلوكه. وهذا يعني أن الأولوية الأمريكية لم تعد إسقاط خصوم أو صناعة حلفاء، بل ضمان وجود مؤسسات قادرة على حماية الاستثمار، وضبط النظام المالي، ومكافحة الفساد، وحصر استخدام القوة ضمن إطار الدولة. بمعنى آخر، أنها غير معنية، أو لا تبحث عن اختبار نموذج مختلف في العراق، كتغيير النظام السياسي أو إنتاج طبقة حاكمة جديدة، بقدر ما تبحث عن دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وحماية الاستثمارات، وإصلاح نظامها المالي، وتعزيز مؤسساتها، والحفاظ على استقرارها الداخلي. فاستقرار العراق، في الحسابات الأمريكية، لم يعد شأنا عراقيا فقط، بل عنصر مؤثر في استقرار المنطقة بأسرها، وفي أمن الطاقة، وفي مستقبل مشاريع الربط الاقتصادي التي تتشكل في الشرق الأوسط.
أما الشارع العراقي، فإنه نظر إلى الزيارة من زاوية مختلفة تماما. فالمواطن الذي ينتظر فرص العمل، وتحسن الخدمات، واستقرار الاقتصاد، لا تعنيه كثيرا طبيعة البيانات المشتركة التي صدرت وربما ستصدر لاحقا، كذلك حجم الحفاوة الدبلوماسية التي لاقاها الزيدي. ما يعنيه هو أن تتحول التفاهمات إلى مشاريع، والاستثمارات إلى مصانع، والوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها في حياته اليومية.
ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي للزيارة لن يقاس بما تحقق في واشنطن، بل بما سيجري بعد العودة إلى بغداد.
فالاختبار الأصعب يبدأ عندما تتحول التفاهمات السياسية إلى قرارات تنفيذية، وعندما تبدأ الحكومة بمواجهة الملفات الأكثر تعقيدا؛ إصلاح الإدارة، مكافحة الفساد، تعزيز بيئة الاستثمار، ترسيخ سيادة القانون ومعالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
وهذه ليست مهمة سهلة، لأن أي مشروع إصلاحي في العراق يصطدم بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبشبكة واسعة من المصالح المتداخلة التي تشكلت على امتداد سنوات طويلة. لذلك فإن نجاح الحكومة لن يتوقف على الدعم الدولي وحده، بل على قدرتها في إدارة التوازنات الداخلية، وبناء توافقات تسمح بالإصلاح من دون أن تدخل البلاد في دوامة صدامات جديدة.
لقد اعتاد العراقيون خلال العقدين الماضيين على سماع وعود كبيرة في نهاية كل زيارة خارجية، لكن التجربة علمتهم أن قيمة أي اتفاق لا تُقاس بما يُكتب في البيانات، وإنما بما يتحول إلى مؤسسات، ومشاريع، وفرص عمل، وتحسن في مستوى حياة الناس ومعيشتهم.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل زيارة واشنطن مختلفة عن سابقاتها. فهي تأتي في لحظة لا يبحث فيها العراق عن دعم سياسي فحسب، بل عن فرصة لإعادة بناء الثقة؛ ثقة المواطن بدولته، وثقة المستثمر باقتصاده، وثقة المجتمع الدولي بقدرته على أن يكون شريكا في الاستقرار الإقليمي.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مكانة هذه الزيارة في التاريخ السياسي العراقي: هل ستنجح الحكومة في تحويل الزخم الذي وفرته واشنطن إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، أم أن الزيارة ستلتحق بقائمة طويلة من الفرص التي ضاعت تحت وطأة الخلافات الداخلية؟
إن التاريخ لا يتذكر عدد الزيارات الرسمية، ولا البلاغة التي تُكتب بها البيانات المشتركة، بل يتذكر اللحظات التي لم تمتلك فيها الدول الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
واليوم، يقف العراق أمام واحدة من تلك اللحظات. أما أن تتحول إلى بداية مرحلة جديدة، أو إلى فرصة أخرى مهدرة، فذلك لن يُحسم في البيت الأبيض، بل في بغداد.. حيث يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة العراقية ورئيس الوزراء حصرا، وهو يعد العدة لافضاء ما بجعته من رسل كلفته نقلها الادارة الامريكية لاصحاب القرار في الدولة الاسلامية الايرانية!.
الخلاصة: ربما يكون أهم ما في الزيارة أنها تؤجل سؤالا لا يمكن تجنبه إلى الأبد: هل يستطيع رئيس الوزراء أن يترجم الدعم الخارجي إلى إصلاح داخلي؟. فالتحدي الحقيقي لا يبدأ في واشنطن، بل كما قلنا، يبدأ عند العودة إلى بغداد. هناك ستختبر قدرة الحكومة على مواجهة شبكات الفساد، وإعادة هيكلة الإدارة، وتعزيز سلطة القانون، والتعامل مع ملف السلاح خارج إطار الدولة وفق آليات دستورية وسياسية معقدة.
وقد لا تكون نتائج الزيارة ما أعلن في العديد من التصريحات المشتركة، بل ما ستكشفه الأشهر المقبلة. فإذا تحولت التفاهمات إلى مشاريع واستثمارات وإصلاحات، فقد تُسجل هذه الزيارة كبداية انتقال العراق من دولة تدير الأزمات إلى دولة تبني المؤسسات. أما إذا بقيت الوعود حبرا على ورق، فستنضم الزيارة إلى قائمة طويلة من الزيارات التي صنعت عناوين كبيرة، لكنها لم تُحدث تحولا في حياة العراقيين.