حديثة (العراق) – كشف الارتفاع المفاجئ الذي شهدته مياه نهر الفرات خلال الأيام الماضية، مسببة حالة من الاستنفار في كل من سوريا والعراق، وجها آخر من المشاكل التي أحدثتها سلسلة السدود التي أقامتها جارتهما الشمالية ضمن ما يعرف بمشروع جنوب شرق الأناضول، وهو مشروع تنموي ضخم يتكون من اثنين وعشرين سدا وتسع عشرة محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، أقيمت جميعها على نهري دجلة والفرات دون تنسيق مع بغداد ودمشق صاحبتي الحق الأصيل في حصص مائية عادلة يكفلها لهما القانون الدولي المنظمّ لتَشَاطُؤ الدول على ضفاف الأنهار والبحيرات ومختلف مصادر المياه.
وعلى مدى السنوات الماضية التي عرفت فيها المنطقة موجة جفاف حادّة، عاش العراق أزمة مياه مستفحلة بسبب تراجع منسوب مياه نهري دجلة والفرات، كما واجهت سوريا المشكلة نفسها بسبب تراجع منسوب نهر الفرات الذي يعبر أراضيها، وانخفضت مياه السدود في البلدين إلى حدودها الدنيا وأثرت على النشاط الزراعي حيث اضطرت السلطات العراقية إلى تقليص المساحات المزروعة وحددت أنواعا معيّنة من المزروعات الأقل استهلاكا للمياه.
واضطرّت بغداد إلى خوض جولات من المفاوضات الشّاقة مع أنقرة ودخلت معها في مساومات لمجرّد الحصول على إطلاقات إضافية ظرفية من مياه النهرين لتفادي الوقوع في كارثة مائية كانت على وشك الحدوث.
لكن ما أنقذ الموقف السوري والعراقي هو دخول موسم مطير شهدت فيه المنطقة سقوط كميات من الأمطار والثلوج تجاوزت المعدلات العادية وملأت السدود في تركيا التي اضطرت إلى تصريف الكميات الزائدة من مياهها بشكل أحادي ودون تنسيق مع الجارتين الجنوبيتين، الأمر الذي أوجد لديهما مشكلة على طرف نقيض من مشكلة الجفاف وهي مشكلة الفيضان.
وحذّرت السلطات السورية سكان المناطق الواقعة على نهر الفرات من ارتفاع منسوب مياه النهر، وذلك عقب الفيضانات التي حدثت في شمال البلاد وشرقها بسبب الأمطار الأخيرة وزيادة تدفق المياه من تركيا.
وأفادت وزارة الطاقة السورية بأنها “تتابع من خلال المؤسسة العامة لسد الفرات، على مدار الساعة، تطورات الواقع المائي على النهر، في ظل الارتفاع الكبير وغير المسبوق في كميات المياه الواردة من الجانب التركي”.
وأشارت إلى أن ارتفاع منسوب المياه كان “نتيجة غزارة الموسم المطري الحالي، وفتح بوابات المفيض في السدود الواقعة على مجرى النهر داخل الأراضي التركية”.
تركيا أقامت مشروعها الضخم على نهري دجلة والفرات دون مراعاة مصالح جارتيها صاحبتي الحق في حصص مائية عادلة
وأضافت الوزارة في بيان أن “مديريات الهيئة العامة للموارد المائية في حلب والرقة ودير الزور بدأت بتنفيذ إجراءات احترازية”.
ومن جهتها أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بحدوث فيضانات في المناطق الحضرية والريفية في دير الزور الخميس، حيث غمرت المياه جسرا ترابيا.
وذكرت أن الكثير من الجسور في المحافظة كانت خارج الخدمة الأربعاء بسبب الفيضانات التي أثرت أيضا على أراض زراعية ومنازل، كما أفادت بوقوع فيضانات في محافظة الرقة المجاورة.
ونقلت وسائل إعلام محلية تركية عن هيئة المياه الإقليمية أنه أجريت “عمليات إطلاق مياه مُتحكم فيها” من سد أتاتورك بعد ارتفاع منسوب المياه بسبب هطول أمطار غزيرة في الأشهر الأخيرة، بحيث فتحت بوابات المفيض للمرة الأولى منذ سبع سنوات.
ويُعد سد أتاتورك من السدود الرئيسية الثلاثة في تركيا، وقد تم بناؤه لتوليد الكهرباء وريّ المنطقة على طول الحدود مع سوريا.
وأوضحت الوزارة السورية من جهتها أن “بحيرات السدود السورية وصلت إلى نسب تخزين مرتفعة تجاوزت 98.5 في المئة، الأمر الذي لم يعد يسمح بتخزين كميات إضافية من المياه دون التأثير في حدود الأمان التشغيلية، ما استدعى الاستمرار في تمرير كميات كبيرة باتجاه مجرى النهر”.
ومساء الأربعاء نشرت الوزارة صورة تُظهر فتح بوابات سد الفرات، قائلة إنها “لم تُفتح من قبل منذ نحو 40 عاما، وتحديدا منذ عام 1988″، طالبة من العامة توخي الحذر.
ومن الجانب العراقي قال وزير الموارد المائية مثنى التميمي إن بلاده اتخذت استعدادات كاملة لاستيعاب الموجة الفيضانية المحتملة في مجرى نهر الفرات من سوريا غربي البلاد.
وطمأن الوزير في تصريح صحفي خلال زيارته الجمعة إلى سد حديثة في محافظة الأنبار سكان المحافظة بأنّ “جميع الجهات المعنية على أتم الاستعداد لأي طارئ وأن كمية المياه الواصلة إلى الحدود العراقية بلغت مستوى 700 متر مكعب في الثانية وهي ضمن المعدلات المقبولة”.
وذكر أن “سياسة الحكومة ووزارة الموارد تهدف إلى تعزيز قطاع الموارد المائية وتجنب أي أزمة مائية مستقبلية”.
وأوضح التميمي” أن الموجة في نهر الفرات ستكون ضمن الحدود الطبيعية بحسب البيانات الرقمية الواردة من الجانب السوري ولا وجود لأي مخاوف من حدوث فيضانات وأن الوزارة بأمس الحاجة إلى أن يكون سد حديثة سدا فعالا ونتطلع إلى خزن كميات كافية من المياه خلال الموجة الفيضانية لتعويض الانخفاض الحاصل في الخزين المائي خلال السنوات الماضية”.