تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • سرديات التوحش
  • أدب وفن

سرديات التوحش

المحرر Editor 18 سبتمبر، 2025 تمت قراءة 1 دقيقة

سرديات التوحش

 

img
هالا محمد..شاعرة

 

.هالا محمد

لم يتوقف صراع السرديات عبر التاريخ، ذلك الكر والفر بين استلاب الحق وتحريره وتعمية الحقيقة. ولم تعد السردية اليوم ثنائية القطب، بين ضحية ومنتصر، وخير وشر. إذ حملت طفرات العنف المعاندة للسلم الأهلي، طفرات في سرديات العنف، تكاثرت معها سرديات التوحش في مخابر صناعة الحروب والأيديولوجيات الفاشية التي تحاول امتلاك مفاتيح التراث الإنساني والحضاري والمصائر.

في كل اللحظات المضيئة في التاريخ كان الفكر والإبداع مؤنسي الإنسانية ورفيقي السعادة، في أغنية أو قصيدة أو فيلم، في فكرة شجاعة أو في تمرد. حتى إن الكثير من التيارات الإبداعية والفكرية الكونية العظيمة أطلق عليها اسم المدرسة أو الموجة. ولا تنتهي فكرة المدرسة ولا يتوقف أثرها في أي ظرف، فمن يستطيع إسكات موجة؟

ما نعيشه في أيامنا هذه، يقول لنا إن الإبداع لا ينتمي إلى الماضي، بل يستمر أثره إلى الحاضر والمستقبل. فنجد أنفسنا اليوم كأنما في عرض مستمر لفيلم “راشومون” 1950 للمخرج الياباني العبقري أكيرا كوروساوا (1910-1998). كأننا نشهد تأثيره في بث حي في الهواء الطلق وعلى الشاشات، كأننا نشهد امتداد ثورته التي اقترحها والتي امتدت إلى السينما وتركت أثرها في أفلام مخرجين عالميين كبار وفي العلوم الإنسانية والأدب والسياسة والقانون والحياة اليومية والفسلفة. تلك الرؤيا المفتوحة على صدمة أن الحقيقة ليست بالضرورة هي الحقيقة.

في اعقاب الحرب العالمية الثانية فرضت رقابة على أفلام تاريخية ذات أيديولوجيا محددة وفور رفع الحظر كان مخرجون عالميون كبار ومن بينهم كوروساوا يبحث في الإنسان الذي سحقته الحروب الأهلية التي مضت وتسحقه الحروب إلى يومنا هذا. الإنسان الصغير المهمش الذي رمى به العنف في العتمة ودجنه الخوف والمجاعات كي لا يستطيع أن يكبر، ولا يمتلك القرار، ولا يتحرر. لذا غمر كوروساوا فيلمه “راشومون” بالجمال وفتح نهاية الفيلم على الأمل وخلق ثورة في السرد لا تتوقف.

تطل اللقطة الأولى في الفيلم من معبد في بوابة “راشومون” جنوب مدينة كيوتو التي دمرتها حرب أقدم. يحتمي في هذا المعبد رجال ثلاثة، حطاب وكاهن ورجل فقير، من عاصفة ماطرة. يثير الرجال في هذا الجو العاصف حكاية محاكمة جرت حول جريمة قتل ساموراي وقعت في غابة مجاورة.

تتناول الحكاية قاطع طريق يغتصب زوجة ساموراي ويعثر على جثة الزوج بعد ذلك. يقوم أطراف الحكاية الثلاثة، قاطع الطريق والزوجة وروح الساموراي، بسرد نسخ شخصية متباينة عما حدث، يروي كل منهم الواقعة بانزياح كامل عن رواية الآخر. ثم تضاف رواية رابعة مغايرة هي رواية الحطاب الذي تبين أنه هو أيضا كان في الغابة لحظة الجريمة ويفترض أنه كان شاهدا عليها.

 

الإنسان الصغير المهمش الذي رمى به العنف في العتمة ودجنه الخوف والمجاعات كي لا يستطيع أن يكبر، ولا يمتلك القرار

 

 

يقول كوروساوا في كتابه “ما يشبه السيرة الذاتية”، إن ما جذبه في حكاية الفيلم “كشف الوجوه المخبأة والخبيثة للروح الإنسانية. الإنسان المغلق على نفسه حتى حين يتحدث عن نفسه”. نرى مشهد المحاكمة المدهش في بنائه التشكيلي، وغياب القاضي، القاضي هو المتفرج أو الكاميرا. حركة الكاميرا والطبيعة وضوء الشمس والمرايا والجمال المطبق، الشاهد الصامت على الجريمة.

نرى انفلات الشخصيات داخل اللقطة في حركة تشي بالحيوانية، بالهروب من الذات ربما:       هل كذب الشهود الأربعة؟ أم إنها حقيقتهم؟ يعتبر الفيلم الإنسان قادرا على فعل الجريمة ببساطة، الهروب ببساطة، الكذب ببساطة، الخوف ببساطة، وما كل هذا، في سياق التكثيف الجمالي السردي في الفيلم، سوى سيرورة معقدة من التدجين أوصلت الإنسان إلى حدود هذا التبسيط الخطير كي يكون لا أحد.

يخوض الفيلم زمنا سينمائيا بديعا بين الشك واليقين، يكسر قواعد السرد التقليدي، يخترق الحقيقة في الضوء بحقيقة أخرى في الظل وينتهي متعمدا أن لا يحدد القاتل. يكمن الإبداع ربما في هذه الرحلة العميقة من البحث عن وجهة النظر الأخرى، عن نسبية الحقيقة عن السعادة.

أحدث الفيلم ثورة خلخلت السرديات البصرية والرؤى النقدية في السينما ورأى بعض النقاد أنهم يفتقدون إلى المرجعيات في المقارنة، وحمل تأثيره السينما اليابانية وبصمة المعلم إلى العالم.

وكأننا نشهد تأثيره اليوم في الحياة اليومية، في صراعات الحروب والشائعات والشهية الدموية المفتوحة على استلاب حقوق الإنسان وتراب الحقيقة. تضخ آلاف السرديات المتباينة الكاذبة حول واقعة عبر منظومات إعلامية وشهود يفتقدون المصداقية دربوا على نهش صدقية الواقعة. تدجين ممنهج للفرد يعكس حالة المجتمع ويعكس طبيعة الأنظمة السائدة.

ذات يوم من عام 1979 وفي مكان آخر من العالم، كانت السرديات المتضاربة تقف مدججة في وجه حرية شعب آخر. تغير الشاهد واختلف المشهد، وقف الشاعر والمترجم السوري ممدوح عدوان (1941–2004) في مؤتمر قيادة “الجبهة الوطنية التقدمية” بدمشق مع اتحاد الكتاب العرب وقدم مداخلة شفهية غاية في الشجاعة والفروسية: “الإعلام السوري يكذب حتى في درجات الحرارة وفي نشرة الأحوال الجوية، الكذب نوعان: نوع قول ما يغاير الحقيقة، ونوع إخفاء الحقيقة. وفي الحالتين الكذب ينطلق من الخوف”.

 

تضخ آلاف السرديات المتباينة الكاذبة حول واقعة عبر منظومات إعلامية وشهود يفتقدون المصداقية دربوا على نهش صدقية الواقعة

 

 

كان السوريون يخوضون نضالا مريرا في سبيل الحرية. وكانت السجون تمتلئ بأهل البلاد التي لم يستطع نظام الاستبداد تدجينها. كل لحظة تظهر في هذا العالم ملايين الوثائق والصور والأفلام، وفي المقابل الأفلام المضادة لها والوثائق والشائعات في صراع السرديات للاستيلاء على الحقيقة. هكذا تتحول الهزائم إلى انتصارات وعدد الضحايا في مجزرة إلى أرقام والجريمة إلى خطأ في التصويب بين القاتل والقتيل.

وقد يكون فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية أقرب هذه السرديات إلينا في الزمن، حيث الإبداع في مواجهة التوحش في هذه الحرب المتوحشة على غزة. ينتشل الفيلم صوت هند رجب وينتشل حكايتها من تحت ركام سرديات دبابات التوحش، ويحميها عبر حرية الإبداع وأخلاق الجمال والشجاعة والضمير الإنساني، كي تروي هند حكايتها وتظل ترويها حتى تكبر، وتذهب إلى المدرسة.

المصدر المجلة

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: عواقب “الخريف السياسي” في فرنسا… بعد سقوط حكومة بايرو
التالي: ترمب في المملكة المتحدة… هل يحافظ ستارمر على “العلاقة الخاصة”؟

قصص ذات صلة

1179851-26687465
  • أدب وفن

مجلة “المشرق” تستعيد ذكرى صدورها العام 1898

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

هل تحول أمين معلوف الروائي الى مفكر في مخاطر العصر؟

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

هل يتحكم الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ روايات عربية جديدة تناقش الظاهرة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026

أحدث المقالات

  • شطرنج الدوحة وموسكو: النافذة الأخيرة قبل الانفجار
  • لبنان ورقة تفاوض أميركيّ إيرانيّ وهدف للنّار الإسرائيليّة
  • مرحلة الانتظار الاستراتيجيّ
  • من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل
  • كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟

لربما فاتك

  • مقالات رأي

شطرنج الدوحة وموسكو: النافذة الأخيرة قبل الانفجار

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

لبنان ورقة تفاوض أميركيّ إيرانيّ وهدف للنّار الإسرائيليّة

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

مرحلة الانتظار الاستراتيجيّ

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.