
لم تعد معركة الجنوب اللبناني تقتصر على الاشتباكات العسكرية أو الغارات أو اغتيال عناصر ومسؤولين من “حزب الله” وملاحقتهم بالمسيرات، بل تحولت إلى صراع متعدد تتداخل فيه المعارك على الأرض مع تفاوض في واشنطن يحاول إبعاد الملف اللبناني عن إيران، مقابل المحادثات الإيرانية في باكستان. وظهرت خلال هذه الحرب رمزية لمواقع القتال مع التمدد الإسرائيلي، فيما تتزايد الانقسامات داخل البيئة اللبنانية، ومنها الجنوبية نفسها، حول مستقبل سلاح “حزب الله” ودور الدولة اللبنانية في حماية مواطنيها من الحروب المستمرة.
في قلب هذا المشهد برزت قلعة الشقيف، أو “قلعة بوفور”، كموقع أثري وتلة عسكرية، وعقدة تختصر جزءا كبيرا من الصراع الدائر اليوم بين إسرائيل و”حزب الله”، كما تعكس التحولات الميدانية التي يعيشها الجنوب اللبناني بأكمله، حيث تتقدم القوات الإسرائيلية ببطء متخطية نهر الليطاني، فيما يقول “حزب الله” إنه منع هذه القوات من الاستقرار في المناطق التي تقدمت إليها، ومنها في القلعة.
تعد قلعة الشقيف واحدة من أهم القلاع في المنطقة، وتقع فوق مرتفع صخري يزيد ارتفاعه على 700 متر، في القطاع الأوسط لجبل عامل، وتشرف مباشرة على مجرى نهر الليطاني وواديه الواسع، كما تكشف مساحات واسعة من جنوب لبنان وجبل الشيخ (حرمون) ومنطقة شمال إسرائيل وصولا إلى البحر المتوسط.
تعود جذور التحصينات الأولى في الموقع إلى العهد الروماني، قبل أن يعيد الصليبيون بناءها وتوسيعها خلال القرن الثاني عشر الميلادي، كما يرجح عدد من المؤرخين. وعرفت في المصادر الأوروبية باسم “بوفور”، أي “الحصن الجميل”، بسبب موقعها المرتفع وإطلالتها الواسعة على المنطقة.
بوابة النبطية
تمثل القلعة نقطة إشراف مباشرة على المحاور التي تربط مدينة النبطية ومنطقتها ببلدة مرجعيون والبقاع الغربي وإقليم التفاح. وترتبط جغرافياً ببلدات أرنون ويحمر الشقيف وكفرتبنيت وزوطر الشرقية وزوطر الغربية ومعبر جسر الخردلي، ما يجعلها مركزا للتحكم بالحركة على جانبي الليطاني.
وترى العقيدة العسكرية الإسرائيلية أن أي تقدم نحو النبطية من دون السيطرة على مرتفعات الشقيف والقرى المحيطة يعرض القوات البرية لخطر الاستهداف المباشر من المرتفعات المشرفة. ولهذا تعتبر السيطرة على القلعة خطوة تمهيدية لعزل النبطية وفصلها عن خطوط الإمداد الخلفية الممتدة نحو البقاع عبر إقليم التفاح، الذي توجد فيه أكبر أنفاق وقواعد “حزب الله”، والتي بناها منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي.
اكتسبت القلعة شهرتها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما تحولت إلى واحدة من أبرز نقاط القتال في الجنوب بين “منظمة التحرير الفلسطينية” والقوات الإسرائيلية. وبعد الاجتياح استخدمتها إسرائيل قاعدة مراقبة عسكرية ضمن ما عرف بـ”الشريط الحدودي”، قبل الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000.
وفي الأيام الأخيرة، أعاد اليمين الإسرائيلي استحضار رمزية القلعة بعد رفع العلم الإسرائيلي فوقها مجددا، وقال وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس إن الجنود عادوا إلى القلعة بعد 44 عاما من معركة بوفور، في محاولة لتقديم المشهد باعتباره انتصارا رمزيا وعسكريا.
نهر يرسم خطوط الحرب
لا يمكن فهم أهمية قلعة الشقيف من دون فهم موقعها بالنسبة إلى نهر الليطاني، فهو يمثل منذ عقود أحد أهم الخطوط الجغرافية والعسكرية في جنوب لبنان. ينبع من منطقة البقاع ويتجمع في بحيرة القرعون، التي قصفت إسرائيل قبل أيام نقاطا بمحاذاتها، متهمة “حزب الله” بمحاولة القيام بعمل عسكري فيها. وبعد عبوره بلدات رئيسة مثل مشغرة وسحمر جنوبي البقاع الغربي، ينعطف مجرى النهر نحو الغرب قبل أن يصب في البحر المتوسط شمال مدينة صور، مشكلا حاجزا طبيعيا يفصل بين مناطق الجنوب، ويسميها السكان شمال قاطع النهر وجنوبه.
ومنذ حرب عام 2006، تحول الليطاني إلى مرجع أساسي للترتيبات الدولية، بعدما نص القرار الأممي 1701 على منع وجود أي قوات مسلحة غير الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة (اليونيفيل)، جنوب النهر. ولهذا تنظر إسرائيل إلى الليطاني باعتباره خطا دفاعيا يجب أن يبقى خاليا من البنية العسكرية لـ”حزب الله”، بينما يرى “الحزب” أن السيطرة الإسرائيلية أو الضغط العسكري على ضفاف النهر يهدفان إلى تقليص قدرته على العمل ضد المناطق في شمالي إسرائيل عبر إبعاده عن الحدود.
حرب بلا أهل
قدمت الولايات المتحدة خلال المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تصورا جديدا لخفض التصعيد، يقوم على وقف “حزب الله” عملياته العسكرية ضد إسرائيل مقابل امتناع إسرائيل عن توسيع هجماتها على بيروت والضاحية الجنوبية، تمهيدا للوصول إلى وقف فعال للأعمال العدائية.
وأعلنت الخارجية الأميركية أن الوزير ماركو روبيو أجرى اتصالات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدفع هذا المسار. لكن واشنطن أبدت استياءها من موقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، معتبرة أن رده لم يقدم التزامات واضحة بشأن وقف إطلاق النار، وأنه أعاد ربط التهدئة بخطوات إسرائيلية مسبقة.
في المقابل، صعدت إسرائيل خطابها السياسي والعسكري، مؤكدة أن أي انسحاب أو تغيير في انتشارها جنوب الليطاني سيبقى مرتبطا بقدرة الدولة اللبنانية على نزع سلاح “حزب الله” ومنع استخدام المناطق المدنية منصات لإطلاق الهجمات.
بالتوازي مع التصعيد العسكري، شهدت مدن الجنوب اللبناني تطورا سياسيا واجتماعيا خلال الأيام الأخيرة. فقد ظهرت عرائض ومبادرات محلية في مدينتي صور والنبطية، طالبت بعودة الجيش اللبناني بشكل كامل إلى المناطق الحدودية، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وإخراج المسلحين التابعين لـ”حزب الله” من الأحياء السكنية، واعتبار المدينتين منطقتين مفتوحتين.
لكن هذه المبادرات أثارت ردود فعل حادة داخل البيئة المؤيدة لـ”الحزب”، حيث تحدث ناشطون ومشاركون في تلك العرائض عن تعرض عدد من الموقعين لضغوط وتهديدات مباشرة وغير مباشرة، في محاولة لوقف الحملة ومنع توسعها. ما عكس تحولا حساسا داخل الجنوب، إذ بات جزء من السكان يربط بين استمرار الوجود العسكري لـ”الحزب” داخل المدن وبين الدمار الواسع والنزوح المتكرر، بينما لا تزال فئات أخرى ترى في سلاح “الحزب” الضمانة الوحيدة لحماية وجود الطائفة في بلد تتحكم فيه 18 طائفة ومذهبا.
ويرى عدد من موقعي العريضة أن اسم جبل عامل لم يعد يستخدم فقط للدلالة على الرقعة الجغرافية الممتدة بين الليطاني وحدود إسرائيل الشمالية، بل تحول خلال العقود الماضية إلى منطقة عسكرية مرتبطة بالصراع بين إيران والولايات المتحدة، فالقرى التي كانت تشكل امتدادا للحياة الزراعية والتجارية تحولت تدريجيا إلى ساحات مواجهة مفتوحة، بينما أصبحت صور الدمار والنزوح جزءا من المشهد اليومي للجنوب.
“حزب الله”… الرواية المستمرة
حاول “حزب الله” احتواء الأثر السياسي لسقوط قلعة الشقيف عبر التقليل من قيمتها العسكرية، وقال النائب عن “الحزب” حسن فضل الله إن القلعة موقع أثري تابع للدولة اللبنانية وليس موقعا عسكريا، وزعم أن “الحزب” لا يعتمد عقيدة الدفاع عن المواقع الثابتة، بل يركز على استنزاف القوات المتقدمة ومنعها من تثبيت احتلال طويل الأمد.
ويثير التقدم الإسرائيلي المتواصل باتجاه شمال الليطاني مخاوف من تداعيات أوسع على الداخل اللبناني، فسقوط مدن رئيسة مثل النبطية أو تعرضها لعزل طويل يمكن أن يؤدي إلى موجات نزوح ضخمة نحو بيروت وجبل لبنان والمناطق الأخرى، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويزيد من حدة الصراعات الداخلية، خصوصا أن أبنية كثيرة في بيروت ومناطق أخرى تعرضت للقصف الإسرائيلي بسبب “تسلل” مسؤولين من “حزب الله” مع النازحين واختبائهم بين السكان.
كما يعمق الانقسام القائم حول وظيفة الدولة مقابل سلاح “حزب الله”، خصوصا مع ظهور أصوات جنوبية تطالب بتعزيز دور الجيش اللبناني وإبعاد السلاح عن المدن، في مقابل تمسك “الحزب” بخيار سلاح ميليشياته. ورغم المخاوف من تفجر الصراع الداخلي، فإن غالبية التقديرات السياسية والأمنية لا تزال تستبعد اندلاع حرب أهلية شاملة، بسبب توازنات القوى الداخلية، وتركيبة الجيش اللبناني، وغياب أي طرف مسلح في البلاد غير “حزب الله”، الذي لا يستطيع اليوم فرض حسم عسكري داخلي.
معركة تتجاوز القلعة
تكشف معركة الشقيف أن الصراع الحالي لم يعد يدور فقط حول السيطرة على موقع مرتفع أو تلة استراتيجية، فالمكان تحول إلى رمز حرب أوسع تتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني، ودور الدولة، وحدود نفوذ “حزب الله”، وشكل التسوية التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرضها عبر المفاوضات والضغط الميداني.
وفي الوقت نفسه، تكشف العرائض التي ظهرت في صور والنبطية، والضغوط التي تعرض لها بعض الموقعين عليها، أن النقاش حول السلاح ودور الدولة لم يعد محصورا بالقوى السياسية التقليدية مثلما كان في زمن الصراع بين قوى 14 و8 آذار، بل بدأ يكبر داخل البيئة الجنوبية نفسها، وهو تطور قد يكون أحد أهم التحولات السياسية التي أفرزتها هذه الحرب والدمار الكبير الذي أصاب حياة الجنوبيين وبيوتهم.