شهدت سوريا خلال أسبوع تطورات يصعب فصل بعضها عن بعض. انتهت “قسد” كقوة عسكرية مستقلة، وخرجت البلاد من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وأعادت دمشق تنظيم علاقتها العسكرية مع موسكو، فيما استمرت المحادثات مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادي على الخارج.
وتكمن أهمية ما جرى في أن هذه الأحداث تتصل بشكل الدولة السورية الجديدة وقدرتها على استعادة قرارها في الداخل وإعادة تحديد موقعها الإقليمي والدولي.
ويمثل حل “قسد” التحول الداخلي الأبرز؛ فالقوة التي سيطرت لسنوات على نحو ربع مساحة سوريا امتلكت إدارة وأجهزة أمن وموارد نفطية ومعابر وعلاقات خارجية مباشرة. انتقال تلك الأدوات إلى مؤسسات الدولة يعيد إلى دمشق جزءاً أساسياً من سلطتها، خصوصاً مع إنهاء وجود قيادة عسكرية مستقلة عن الجيش السوري.
حل مشكلة الأكراد
غير أن الاتفاق يحمل جانباً آخر لا يقل أهمية. فالأكراد احتفظوا بموقعهم داخل الدولة وحصلوا على اعتراف أوسع بحقوقهم الثقافية واللغوية، وانتقلت قيادات كردية إلى مواقع رسمية. وبذلك تحولت القضية الكردية من تفاوض بين دمشق وكيان يملك أدوات حكم وقوة عسكرية إلى نقاش داخلي حول الحقوق والتمثيل والإدارة المحلية. نجاح التجربة سيعتمد على قدرة السلطة على الجمع بين وحدة القرار واحترام خصوصية المكوّنات السورية.
وتبقى أمام الرئيس أحمد الشرع ملفات عالقة، مثل السويداء والفصائل المسلحة والمقاتلين الأجانب، يحتاج التعامل معها إلى صيغة تعزز سلطة الدولة وتمنع نشوء مراكز قوة موازية. تجربة شمال شرق سوريا قد تقدم بعض الدروس، لكن اختلاف الظروف يفرض حلولاً تناسب كل حالة. واحتكار السلاح يحتاج في المقابل إلى بناء الثقة وضمان الحقوق والمشاركة.
وحصلت دمشق في الأسبوع نفسه على دفعة مهمة من واشنطن. فإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد وجودها عليها منذ عام 1979 تكمل مساراً بدأ برفع العقوبات والانفتاح التدريجي عليها. وتبدو إدارة ترامب مستعدة لمنح الشرع مساحة اقتصادية وسياسية قبل اكتمال التحولات التي تريدها منه، مع احتفاظها بأدوات الضغط. وهي تراهن على استمرار مواجهة “داعش”، وتقليص النفوذ الإيراني، والحد من الاعتماد على روسيا، إلى جانب تثبيت وحدة البلاد والتقدم في التفاهمات مع إسرائيل.
ويزيل القرار الأميركي أحد أبرز العوائق أمام المصارف والشركات والمستثمرين، ويمنح إعادة الإعمار فرصة أكثر واقعية. وترحيب الإمارات بالخطوة يعكس رؤية تعتبر عودة سوريا إلى الأسواق العالمية جزءاً من استقرارها. فالترتيبات الأمنية والسياسية وحدها لن تعيد بناء بلد أنهكته الحرب، فيما يمكن لتدفق رؤوس الأموال وتوفير فرص العمل وتحريك النشاط الاقتصادي أن يضع أسساً أكثر استدامة للتعافي.
وفي العلاقة مع روسيا، جاء الاتفاق الجديد ليقلص الامتيازات العسكرية التي حصلت عليها موسكو في عهد الأسد، ويعيد مطار حميميم والرصيف التجاري في ميناء طرطوس إلى الإدارة السورية، مع الإبقاء على تعاون عسكري وتدريبي. دمشق لا تقطع علاقتها بموسكو، لكنها تعيد صياغتها وفق احتياجاتها الجديدة، في وقت توسع فيه علاقاتها مع الولايات المتحدة.
الملف الأكثر تعقيداً
تشكل المحادثات السورية – الإسرائيلية أكثر الملفات الخارجية تعقيداً، إذ تتزامن مع غارات إسرائيلية واعتراض تل أبيب على تنامي الدور التركي في سوريا. وبين تركيا وإسرائيل مصالح وحسابات متعارضة، بينما تسعى دمشق إلى الحفاظ على سيادتها في بناء جيشها واختيار علاقاتها ومنع تحول أراضيها مجدداً إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية.
ما جرى خلال أسبوع لا يعني أن سوريا تجاوزت أزماتها، لكنه يكشف انتقالها إلى مرحلة مختلفة، أصبحت فيها استعادة مؤسسات الدولة والقرار العسكري والانفتاح الاقتصادي وإعادة تنظيم العلاقات الخارجية ملفات مترابطة. وقد حقق الشرع مكاسب مهمة في فترة قصيرة، فيما يبدأ الاختبار الأصعب الآن في ترجمة ما تحقق إلى مؤسسات تعمل، واقتصاد يتعافى، وتسويات داخلية تحمي وحدة البلاد وحقوق مكوّناتها.
*كاتب إماراتي
