-
ياسين السويحة….. الجمهورية .نت
-
-
-
من الطبيعي أن تفكر أي سلطة سورية في موقع البلد مَمرَّاً للطاقة والبضائع، وأن تُدخِلَ هذا الموقعَ في استراتيجيتها الاقتصادية. فالمضائق والمعابر وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة كانت مهمة دوماً، وتزداد أهمية في الاقتصاد العالمي، وقد أظهرت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز حاجة العراق مثلاً إلى تنويع طرق تصدير نفطه. هكذا بدأ نقل زيت الوقود العراقي براً إلى ميناء بانياس منذ مطلع الربيع المنصرم، بالتوازي مع البحث في تصدير الخام وإحياء خط النفط إلى الساحل السوري.
لا يمتلك بلد مُدمَّر، محدود الموارد والخيارات، ترفَ أن يُهمِل دخلاً ممكناً من العبور، لكن الممر جزءٌ من استراتيجية اقتصادية، وليس استراتيجية قائمة بذاتها، إلا إذا كُنتَ بلداً بحجم ووضع وتاريخ بَنما. من الجيد أن تفكر السلطة بما سيمر في سوريا أو سيُبنى على أرضها، لكن بات واضحاً أنها لا تفكر بالجدية نفسها في ما سينتجه سكانها، وما سيتعلمونه، ومن أي عمل سيعيشون.
فكرة «سوريا الممر» ليست جديدة. أواخر العقد الأول من القرن، وفي سياق شهر عسلٍ في العلاقات مع تركيا، تحدث بشار الأسد عن تكامل اقتصادي بين سوريا وتركيا والعراق وإيران يربط المتوسط بالخليج العربي وبحرَي قزوين والأسود، «البحار الأربعة»، ويجعل المنطقة، حسب العبارة التي تداولتها الصحافة وقتها، «عقدة لا يمكن الاستغناء عنها» في الاستثمار والنقل. كان في ذلك إمكانٌ واقعي ومبالغةٌ أيضاً: افتراضُ أن الموقع المهم سيجعل البلد، بقوة الخريطة، مركزاً اقتصادياً لا يمكن تجاوزه.
تتكرر المبالغة اليوم. فقيمة النفط والبضائع التي تمر في بلد ليست دخلاً له. هناك فرق بين قيمة ما يُنقَل، ورسوم عبوره، ثم الإيراد الصافي بعد التشغيل والصيانة والحماية وتسديد تكاليف إنشاء الممر.
ثم إن «سوريا الممر» ليست واقعاً قائماً جاهزاً للاستخدام، بل مجرد فكرة أو وعد. البلد بحاجة إلى طرق وسكك وأنابيب ومرافئ ومستودعات وطاقة واتصالات وأمن؛ أي إلى استثمارات ضخمة وسنوات من العمل. وحتى عندما يتولى التمويلَ مستثمرٌ خارجي، سيسترد رأس ماله وربحه أولاً، لقاء امتيازات وحصص من الإيرادات قد تمتد عقوداً. قد تكون المنشأة على أرض سوريا، فيما يتأخر عائدها السوري أو يبقى محدوداً.
لكن المشكلة ليست فقط في فروق بين أرقامٍ متوقعة وأخرى واقعية. العقدة هنا: «سوريا العقار» و«سوريا الممر» هما تقريباً كل ما تقوله السلطة عن مستقبل البلد الاقتصادي. الأولى ترى مقاسم تنتظر التطوير على شكل مشاريع استثمارية عقارية واستهلاكية واستجمامية للطبقات العُليا وللمغتربين الأثرياء، والثانية ترى مسافة تختصر الطريق بين اقتصادات خارجها. الأولى تعرضُ الأرض، والثانية تُؤجّر الموقع، وفي الحالتين تظهر الجغرافيا ويغيب المجتمع.
في منطوق السلطة وفي خططها العلنية، لا يكاد يُقال شيء عن القدرة الإنتاجية، أو القطاعات التي يمكن بناؤها واستعادتها، أو موقع السوريين في اقتصاد عالمي مُتبدّل، فيما الحديث عن العمل والتعلّم والتنمية مُلَحقٌ دائماً بالاستهلاك والاستيراد والعقار. ويصاحبُ هذا الفراغَ ما يشبه حرباً ثقافية تقودها ضواحي السلطة وشخصيات قريبة من دوائر القرار، يتكرر فيها الغَزَل بـ«فتح الأسواق» وربط سوريا بالاقتصاد العالمي، مع السخرية من القطاع العام، واعتبار كل إشراف حكومي على قطاع أساسي من بقايا «النظام البائد». كأن الخيارات تنحصر في اقتصاد الأسد أو انسحاب الدولة.
ليس لدى سوريا ترفُ السجال المدرسي بين يساريين وليبراليين. ليتنا نصل إلى هناك يوماً ما. نحن بلد مُدمَّر تعيش الغالبية العظمى من سكانه تحت خط الفقر، وعلى من يحكمه مسؤولية النهوض به. السياسة الاجتماعية هنا من ضرورات إعادة الإعمار، بل إنها ضرورة من ضرورات الحُكم.
في مداخلة إعلامية، تساءل اقتصادي قريب من دوائر القرار، ساخراً، إن كانت الدولة الألمانية تخبز للناس كي يُطلَبَ ذلك من الدولة السورية. لا تخبز ألمانيا اليوم. لكنها، عندما هددت حربُ أوكرانيا إمداداتها بالطاقة، فرضت نسباً إلزامية لملء مخازن الغاز، وتدخلت في الاستيراد والتخزين، واستحوذت على شركة الطاقة العملاقة يونيبر وانتشلتها من الإفلاس لأهميتها الاستراتيجية ولم تتركها للسوق لكي «يحرر ويقرر». ثم إن مقارنة سوريا المدمرة بألمانيا اليوم لا معنى لها، فمن ناحية درجة واتساع الدمار العمراني والإنتاجي، وأيضاً كنسب فقر وحرمان وتشرّد، فإن الأقرب للمقارنة هي ألمانيا عام 1947، قبل قيام الدولتين الألمانيتين حتى، حين تولت سلطات الاحتلال تنظيم توزيع الغذاء وضبط الأسعار والإنتاج والمواد الأولية واستيراد المؤن. إن كان هناك مشكلة رمزية في أن تخبز الدولة لارتباط ذلك بـ«النظام البائد» فحسناً، لتتوقف عن الخَبر، لكن مَن يضمن الخبز والعمل والقدرة على إنتاجهما؟ «السوق»؟
المطلوب هو التفكير في قدرة المجتمع على العيش والإنتاج والعمل والتأقلم مع شح المياه والتغير المناخي، وسطَ تقلبات المنطقة والتحولات العميقة في تقنيات الإنتاج وحركة رأس المال. يدخل في ذلك الغذاء والطاقة والمياه والتعليم والمهارات والتكنولوجيا والائتمان والبنية التحتية، والعلاقات بين هذه المجالات.
لا أجوبة جاهزة، ولا نموذج يمكن استيراده وتركيبه في سوريا – ثمة اتفاق هنا مع الشرع على ضرورة عدم «استيراد» النماذج – لكن ينبغي أن تصبح هذه الأسئلة شأناً عاماً، تتراكم حوله المعرفة والمؤسسات والخيارات القابلة للمراجعة. أما «الممر» و«العقار»، والكلام المرسل عن «وادي سيليكون» سينشأ على يد «مبادرين» هنا أو هناك، فهي فرصٌ وطموحات متفرقة، لا سياسة يستطيع مجتمع كامل أن يعمل بها ويواجه ما ينتظره.
بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، كان 28 في المئة من سكان سوريا عام 2025 دون الخامسة عشرة، وشكّلت الفئة بين 10 و24 عاماً ثلث السكان. ماذا سيفعل هؤلاء خلال العقدين المقبلين؟ الممرات والعقارات قد تكون ذات رأسمال ضخم، ولكنها ليست بالضرورة بالضخامة نفسها من حيث القدرة على التشغيل وخلق فرص العمل. وأما الأرقام المنفوخة عن الوظائف «المباشرة وغير المباشرة» في مذكرات التفاهم فلا تقول شيئاً عن نوعها ومدتها وأجورها. فما الخطة الاجتماعية الضمنية؟ أن يعمل الأفقر عمال بناء موسميين في تشييد المُجمَّعات والطرق والأنابيب، ثم في خدماتها متدنية الأجر؛ وأن تواصل بقايا الطبقات الوسطى، بكثير من الكد والتعب، إنتاج مهاجرين ومهاجرات إلى الخليج؟
مجدداً، لا بأس، بل لا مفر، من التفكير بسوريا العقار وسوريا الممر، شرط ألا تكونا كل سوريا. فالاقتصاد هو أساساً ما يستطيع سكان البلد إنتاجه، ونوع الأعمال التي يمكنهم العيش منها. الأرض يسكنها ناس، والجوار بين ناس.
ختاماً، من دواعي السرور أن تؤدي ظروف جيوسياسية سيئة إلى نتيجة حميدة، منها تحسن تجارة الترانزيت بين سوريا والعراق. علاقات أفضل بين البلدين خبر جيد لهما، لا للخزائن والتجارة فقط، بل أيضاً لعلاقة المجتمعين بأنفسهما. سوريا والعراق حكمهما لعقود بعثان شنيعان، أكثرا الكلام عن وحدة الأمة وقضيا معظم الوقت في خصومة مريرة، ولم يُؤسِّسا علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية تليق بهكذا بلدين.
من الخير أن تعبر صهاريج النفط تلك الحدود الطويلة بين البلدين، لكن يتمنى المرء أن يعبر بشرٌ أكثر أيضاً: طلاب وعاملون وباحثون وفنانون وعائلات. تحتاج سوريا في علاقتها مع العراق، ومع جوارها كله، إلى جيوسياسة أقل: محاور وممرات و«أعماق استراتيجية» أقل، وعلاقات عادية كثيفة بين المجتمعات أكثر. هذه، أيضاً، ثروة اقتصادية.
-