-
مسلم عبد طالاس…. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
تنطلق العلاقة بين الدولة والمجتمع من حقيقة أساسية في علم السياسة، وهي أن الدولة ليست مجرد مبنىً للبلدية أو مجرد جهاز إداري محايد يُقدّم الخدمات للمواطنين. الدولة، في جوهرها، هي قوة منظمة تمتلك ما يسميه علماء الاجتماع «احتكار أدوات العنف المشروع». وفق التعريف الكلاسيكي الذي قدّمه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر للدولة الحديثة، فهي الجهة الوحيدة التي يحق لها سجن الأشخاص، وسن القوانين، وجباية الضرائب، والتحكم في الثروات الوطنية. وهذه القوة ضرورية جداً، فبدونها تسود الفوضى وتتحول المجتمعات إلى غابة. لكن هذه القوة تحمل في أحشائها ميلاً فطرياً نحو التَّغوّل. السلطة، أي سلطة، إذا لم تجد أمامها حواجز وقيوداً، تميل في معظم الحالات إلى توسيع نفوذها على حساب حرية الأفراد وتنوع المجتمع. وقد شهدنا في الحالة السورية، على مدار عقود، كيف ابتلعت الدولةُ المجتمعَ تماماً، وحوّلته من فضاءٍ للتفاعل والتنوع إلى مجرد صدىً لصوتِ السلطة الواحد.
كثير من الشعوب، وخصوصاً في الدول المتقدمة، لم تتعامل مع الدولة بوصفها سلطة يجب منحها صكاً على بياض، بل باعتبارها قوة جامحة تحتاج إلى موازنة. وهناك طريقتان لهذا الكبح، الطريقة المؤسسية: وهي ما نقرأ عنه في الدساتير؛ مثل فصل السلطات، واستقلال القضاء، والانتخابات. لكننا في منطقتنا نعلم أن النصوص وحدها لا تحمي، فالدساتير قد تبقى حبراً على ورق. والطريقة المجتمعية: وهي الأهم، إذ تتعلق بقدرة المجتمع على تنظيم نفسه خارج إطار الدولة. أي وجود نقابات مستقلة، أحزاب حقيقية، حركات مدنية، وقوى اجتماعية قادرة على قول «لا» عندما تتجاوز السلطة حدودها.
هنا نصلُ إلى لبِّ القضية: قدرة المجتمع السوري على إنتاج هذه القوة الموازية تعتمد بدرجة كبيرة على نوع الثقافة السياسية التي يتبناها. هل نناضل من أجل حقوق للجميع؟ أم نتسابق للحصول على امتيازات خاصة؟
هناك تمييز جوهري يغيب عن كثيرين في النقاش العام السوري، وهو الفرق بين الحق والامتياز. فالحقوق متآزرة: الحق بطبيعته مُعدٍ بشكل إيجابي. أي أن توسيع حق معين يفتح المجال لتوسيع حقوق أخرى، فعندما ينتزع الصحفي حقه في التعبير، فإنه يفتح الباب للمحامي ليُدافع عن موكله بحرية. عندما يحصل المكون الكردي على حقه في التعليم بلغته الأم، فإنه يُرسّخ مبدأ التنوع الثقافي الذي يحمي حقوق الأقليات الأخرى وحقوق الأغلبية أيضاً في التعبير عن هوياتها المحلية. فيما الامتيازات تنافسية: الامتياز هو مكسبٌ لجهة معينة على حساب جهة أخرى. إذا سعت جماعة ما للحصول على حصة من السلطة لأنها موالية، أو لأنها تمتلك سلاحاً، فإنها لا تدافع عن حق، بل تطلبُ امتيازاً. الامتيازات تخلق صراعاً صفرياً؛ فما يحصل عليه (أ) يُعَدُّ خسارة لـ (ب).
في سوريا، دأبت السلطة لعقود على تحويل الحقوق إلى مِنَحٍ أو امتيازات تُعطى للموالين وتُسحَب من المعارضين. هذا النمط جعل المجتمع ينظر إلى أي مطلب لمكوّن معين، مثل الكُرد، كأنه محاولة لاقتطاع جزء من كعكة السلطة المحدودة، بدلاً من رؤيته كخطوةٍ لتوسيعِ مساحة الحرية للجميع.
تُعَدُّ القضية الكردية في سوريا المختبر الأبرز لهذا الصراع بين منطق الحقوق ومنطق الامتيازات. لأن هذه القضية تطرح سؤالاً مركزياً: هل الاعتراف بالتنوع الثقافي شكلٌ من أشكال الحقوق العامة، أم أنه امتيازٌ خاص تمنحه الدولة لمجموعة معينة؟ لسنوات طويلة، جرى التعامل مع المطالب الكُردية بحذر وريبة من قبل أطياف واسعة من السوريين. فقد صَوَّرَ الخطابُ السائد المطالبَ الكُردية – سواء بالاعتراف بالهوية أو اللامركزية – كأنها سعيٌ وراء امتياز خاص أو تمهيدٌ للانفصال. لكن القراءة العميقة تقول شيئاً آخر: الحراك الكردي، خاصة في العقد الأخير، قدّمَ نموذجاً مختلفاً.
ويتمثل الاستثناء في الحالة الكردية، وتحديداً في تجربة الإدارة الذاتية، في أنها لم تبقَ مجرد حركة احتجاجية تطلبُ الإنصافَ من دمشق، بل تحوّلت إلى سلطة قائمة على الأرض تمتلك قوة عسكرية وتنظيمية وإدارية. وقد نقل هذا التحول العلاقة من التبعية إلى التفاوض. وفي علم السياسة، يحدث التفاوض عادة بين أطراف تمتلك قدراً من القوة أو القدرة على التأثير. عندما امتلك المكون الكردي أدوات قوة منظمة، عسكرية وإدارية وسياسية، أجبر السلطة المركزية، والقوى المعارضة أيضاً، على الجلوس إلى الطاولة.
وقد قامت العلاقة بين الحاكم والمحكوم في سوريا على البيعة أو الغلبة خلال معظم التاريخ السوري، أي أنَّ المُكوِّنات تدخلُ في تحالف مع السلطة مقابل الحماية أو المكاسب، دون شروط سياسية حقيقية، لكنَّ العلاقة مع الإدارة الذاتية وقسد كانت مختلفة، فاتفاق 29 كانون الثاني (يناير) وما تبعه وسيتبعه من عمليات سياسية مُعقّدة، لم يكن مجرد اتفاق تقني أو عسكري بل كان لحظة فارقة أعادت إدخال، وربما أدخلت، «السياسة التفاوضية» إلى الجسد السوري. للمرة الأولى (منذ فترة طويلة جداً)، نجد طرفاً سورياً لا يقول «نحن نبايعك» بل يقول «نحن نفاوضك على أساس حقوق واضحة وإدارة قائمة». وهنا يُمكن أن يتكرَّسَ نمطُ ما نسميه «تآزر الحقوق»، فعندما ينجح المكون الكردي في انتزاع اعتراف بخصوصيته الثقافية أو بإدارته المحلية عبر التفاوض، فإنه في الحقيقة يكسر قدسية المركزية المطلقة للدولة. وهذا الكسر ليس مكسباً للكُرد وحدهم، بل هو فتح لباب اللامركزية والاعتراف بالتنوع الذي يُمكن أن تستفيد منه درعا، وحلب، ودير الزور، وحتى دمشق نفسها.
تكمن الخطورة عندما يقرأ المجتمع السوري هذه التطورات بمنطق الخسارة والربح. فإذا نظر المكون العربي أو التركماني أو السرياني إلى المكتسبات الكُردية كامتياز يتنقصُ من رصيدهم، فإن النتيجة ستكون محاولة تقليص هذه المكتسبات. لكن الحقيقة السياسية تقول: إن إضعاف الحقوق الكُردية لن يُعزّز حقوق بقية السوريين، بل سيؤدي إلى تغوّل الدولة مجدداً. فالسلطة التي تستطيع سلب الكرد حقوقهم اليوم تحت شعار حماية الوحدة الوطنية، ستستخدم القوة ذاتها غداً لسلب سائر السوريين حريتهم تحت شعار هيبة الدولة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه اللحظة ليس أمراً مضموناً. فالاتفاقات السياسية لا تحمي نفسها بنفسها. ومن دون احتضان واسع لها داخل المجتمع السوري، ومن دون ضغط مستمر لدفعها نحو التنفيذ الفعلي ومراقبة تطبيقها، قد تتآكل إيجابياتها تدريجياً أمام منطق تبادل المنافع بين النُّخب السياسية. وفي هذه الحالة قد تتحول الاتفاقات من خطوة نحو توسيع الحقوق إلى مجرد إعادة توزيع للامتيازات داخل دائرة السلطة، وهو ما يُعيد إنتاج النمط السياسي الذي حاول السوريون الخروج منه.
إن ما نراه اليوم في الحالة الكُردية هو بروفة لنوع السياسة التي يُمكن أن تكون في سوريا المستقبل. هل نريد سوريا تقوم على الغلبة، حيث تُسيطر جماعة (عسكرية أو طائفية أو قومية) على البقية وتمنحهم بعض الامتيازات مقابل الصمت؟ أم نريد سوريا تقوم على توازن القوى والتفاوض؟ فالسياسة القائمة على التفاوض تعترف بأن المجتمع السوري مُتعدِّد، وأن القوة ليست محصورة في المركز. هذا الاعتراف هو الضمانة الوحيدة لعدم عودة الاستبداد، فالمجتمع الذي يمتلك مراكز قوى متعددة هو مجتمع يصعب استعباده.
في النهاية، إن المجتمعات التي تنجح في الحد من تغوّل الدولة لا تفعل ذلك عبر المؤسسات الرسمية فقط، بل عبر ترسيخ قاعدة بسيطة وعميقة في آن: حقوق الآخرين ليست تهديداً، بل هي شرطٌ لوجود الحقوق نفسها. فكلما اتسع المجال العام الذي يحمي حقوق مكوّنٍ اجتماعي معين، اتسع المجال نفسه أمام بقية المكونات.
من هذه الزاوية يُمكن فهم الدرس الذي تقدمه الحالة الكُردية في سوريا. فالمسألة لا تتعلق فقط بما سيحصل عليه الكُرد من حقوق، بل بما إذا كانت هذه اللحظة ستفتح الباب أمام نمط جديد من السياسة في البلاد: سياسة تقوم على التفاوض بين قوى اجتماعية متعددة، وعلى حقوق متآزرة، بدل السياسة القائمة على الغلبة والامتيازات. لذلك فإنه من مصلحة غالبية السوريين الالتفاف حول اتفاق 29 كانون الثاني (يناير) وتوفير الظروف التي تؤدي لنجاحه. ومن المهم الإدراك أن فشله قد يجرُّ كثيراً من الكوارث على سوريا.
-