كان من المتوقع أن يتوصل السوريون، بعد سنوات الثورة والحرب وما عانوه خلالها من تشرد واعتقال وقتل وتهجير، إلى لغة سياسية متقاربة، إن لم نقل مشتركة، بشأن مستقبل البلاد بعد سقوط النظام الأسدي.
لكن ما نشهده اليوم، بعد مرور عشرين شهرًا على سقوط النظام، هو صراع من نوع جديد حول ماهية سوريا ومصيرها، ومسعى من كل طرف لفرض رؤيته باسم الأمة أو الثورة أو الوطن. ويأتي ذلك في ظل صراعات إقليمية ودولية على رسم ملامح مستقبل المنطقة، ومن بينها سوريا ودورها فيها، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معيشية ومؤسساتية ملحّة تتطلب استجابات عملية وعاجلة.
لم تتخلص توقعات السوريين وتطلعاتهم إلى سوريا ما بعد الأسد من هاجس «الروايات الكبرى» أو المنظومات الشاملة؛ فما زال الفاعلون في أنحاء البلاد يتمسكون بروايات شمولية جديدة: فمنهم من ينادي بالتجديد الأخلاقي الإسلامي، ومنهم من يدافع عن الحكومة المركزية، في حين تسعى أطراف أخرى إلى الحكم الذاتي الديمقراطي أو إلى نظام حكم لامركزي. ويبرر كل طرف رؤيته بما قدمه من تضحيات وما عاناه من مظلوميات. لكن ما يغيب عن هذه الطروحات هو التقليل المستمر من شأن الحاضر، وما تضج به حياة السوريين اليومية من مشكلات تتطلب السعي إلى معالجتها، بدل الاستمرار في التمسك بالأمثولات الكبرى والرؤى الشاملة.
لا يمكن إنكار أهمية وجود رؤية وطنية تحدد شكل الدولة ومبادئها الدستورية، غير أن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه الرؤى إلى غاية قائمة بذاتها، بحيث تصبح القضايا المعيشية والمؤسساتية مؤجلة إلى حين حسم الخلافات السياسية الكبرى. وفي هذه الحالة، يغدو المواطن مطالبًا بالانتظار، في حين تستمر الأزمات التي تؤثر مباشرة في حياته اليومية.
وعلى مستوى التماسك المجتمعي، يبرز التحدي الأهم في القدرة على بناء حالة من التقارب الوطني تردم الصدوع القائمة أو تخفف من حدتها، وهي مهمة تبدو أكثر إلحاحًا في ظل عدد من الملفات الداخلية الحساسة (الجزيرة والساحل والسويداء). ولا ينبغي النظر إلى هذه الملفات بوصفها قضايا هامشية أو مؤجلة، فهي تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتشكل جزءًا أساسيًا من اختبار شرعية الدولة وقدرتها على استعادة ثقة مواطنيها. فالمواطن لا يقيس نجاح السلطة العامة فقط بما تطرحه من شعارات سياسية أو أيديولوجية، وإنما بقدرتها الفعلية على توفير الأمن، وتقديم الخدمات، وتحقيق العدالة، وخلق فرص العمل، وضمان حياة مستقرة وكريمة. ومن هنا، فإن معالجة هذه القضايا لا يمكن أن تنتظر اكتمال التسويات السياسية الكبرى، بل ينبغي أن تكون جزءًا من عملية بناء الدولة نفسها.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، تبدو التحديات أكثر إلحاحًا. فضعف مستويات الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، واستمرار معاناة المهجّرين داخليًا، فضلًا عن أوضاع المخيمات التي تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية صيفًا وشتاءً، كلها عوامل تثقل كاهل المجتمع وتعيق قدرته على التعافي والاستقرار. ويضاف إلى ذلك وضع اللاجئين في الخارج، في ظل استمرار انخفاض معدلات العودة، وما يرافق ذلك من مخاوف حقيقية من تجدد موجات الهجرة. كما تبرز مشكلة الأمية التي عادت إلى الظهور، ولا سيما بين فئات من الشباب، في وقت ينصرف فيه كثيرون منهم إلى السعي لتأمين لقمة العيش على حساب التعليم والتأهيل. وإلى جانب ذلك، تترك سنوات الحرب وما أفرزته من أنظمة تعليمية متعددة، لم تخلُ من رؤى أيديولوجية مختلفة، آثارًا عميقة على مستقبل الأجيال وعلى إمكانية بناء منظومة تعليمية وطنية موحدة.
لا تكمن المشكلة في مبدأ الانفتاح الاقتصادي أو جذب الاستثمار بحد ذاته، وإنما في كيفية إدارة هذا الانفتاح، وفي مدى مراعاته للقدرة الشرائية للمواطن، وحماية القطاعات الإنتاجية المحلية، وتحقيق التوازن بين متطلبات جذب الاستثمار والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فقد أضاف الانفتاح بصيغته الحالية أعباء جديدة على الناس كونه متوجه نحو جذب المستثمرين بالأساس كما تجلى في وزارة الطاقة من رفع للأسعار. وعلى مستوى الصناعات المحلية، فقد تراجعت قدرتها على المنافسة في ظل سياسات الانفتاح والاستيراد، ولا سيما الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه تحديات أكبر في الحفاظ على حضورها في السوق. ويضاف إلى ذلك ما نشهده من فوضى وغياب للتنسيق بين الإدارات الحكومية، سواء في تشخيص المشكلات القائمة وتحليل أسبابها، أو في وضع حلول عملية لها تتناسب مع الإمكانات المتاحة.
رغم المشكلات التي تعاني منها البلاد، لا تزال السياسات الكبرى أو الشمولية مغرية، بما تحمله من سرديات تدّعي امتلاك الحلول. وربما يمكن فهم ذلك، من جهة، في ضوء تجربة السياسة المغلقة التي عاشها السوريون لعقود، ومن جهة أخرى، في ضوء الوعد الذي تحمله هذه السرديات بإنهاء حالة الصراع من خلال رؤية شاملة تعالج أوضاع مجتمع أنهكته الحرب والدمار والنزوح، وتحقق العدالة، وتعد بمستقبل يحول دون تفاقم الأوضاع، ويداوي الجراح، ويضفي معنى على التضحيات. لكن هذه السرديات، في الواقع، لا تقدم بالضرورة حلولًا عملية بقدر ما توفر خطابًا يشبه المسكّن العاطفي، ويستند أحيانًا إلى الحنين إلى ماضٍ لن يعود، بدل الانشغال بتعقيدات الحاضر ومتطلباته.
تكشف تجارب سياسية متعددة أن المشروعات الأيديولوجية، مهما اختلفت مرجعياتها، قد تواجه المأزق نفسه عندما يصبح الهدف النهائي مبرراً لتهميش الحقوق والحريات أو تأجيل الإصلاحات اليومية.. وفي سوريا، فقد أوصلت سردية البعث، التي تأثرت كثيراً بسرديات أيديولوجية سابقة، البلاد لحكم أقلية تستنسخ مفهوم النخبة أو الطليعة، الذي قاد البلاد نحو كارثة الخراب التي نعيش آثارها اليوم. ومن التجارب الإسلامية، تجربة الدولة الإسلامية في العراق والشام بفهمها الانتقائي للتجربة الإسلامية، فقد صبغت البلاد بالسواد والرعب.
ما يظهر من التجارب السابقة أنه عندما يوضع للسياسة هدف نهائي ثابت، تكون النتيجة إهمال المسار اليومي/ الحاضر وتشعباته وتجاهل المعاناة اليومية، من فساد وفقر وانعدام حرية وإذلال، وفي نهاية المطاف فشل الهدف النهائي، فالواقع المتغير يفرض شروطه على المثال الثابت.
عندما تهمل المشكلات اليومية، أو تؤجل بحجة تحقيق هدف أكبر أياً كان، غالبًا ما يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية. ففي سوريا اليوم من المشكلات ما يدفع الجميع وأولهم الحكومة للتفكير في معالجتها من دون تقديم أي تبرير، ومعالجتها تبدأ بالتشارك مع الجميع والابتعاد عن سياسة الانغلاق الفئوية، وهذا يتطلب من الفاعلين السياسيين في المجتمع التخلي عن الطروحات الكبرى ومعالجة المشكلات اليومية التي ستصل في تراكمها نحو تحقيق الصالح العام للناس، وهو أمر متغير بتغير الواقع، ويبقى الناظم هو الانحياز لقضايا الناس وخاصة المظلومين منهم. فالعبرة ليست في الشعارات المرفوعة، بل في قدرة السياسات العامة على تحقيق العدالة، وتعزيز المشاركة، والاستجابة للاحتياجات المتغيرة للمجتمع.
لا يتمثل التحدي الأساسي الذي تواجهه سوريا في غياب التصورات السياسية بقدر ما يتمثل في كيفية تحويل هذه التصورات إلى مؤسسات وسياسات عامة تستجيب لاحتياجات المجتمع. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بقدرتها على إنتاج الثقة، وإدارة التنوع، وتحقيق العدالة، وتحسين حياة المواطنين. وبالتالي فالانتقال من “الجزئي” إلى “الكلي” لا يعني التخلي عن المشروع الوطني الجامع، وإنما يعني أن هذا المشروع يكتسب شرعيته من نجاحه في تحسين حياة الناس اليومية، وأن الدولة القوية ليست تلك التي تمتلك السردية الأكثر شمولًا، بل تلك التي تنجح في تحويل مطالب المواطنين إلى سياسات عامة عادلة وفعالة، تجعل الوطن فضاءً مشتركًا لجميع أبنائه من دون تمييز
