خليل حسين..محرر بموقع السفينة
لم تعد سوريا اليوم مجرد ساحة نزاع داخلي أو ملفاً أمنياً معقداً تتنازعه الأطراف المتصارعة، بل تحولت إلى مرآة تعكس التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط بأسره. فبعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية، لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمصير الدولة السورية، وإنما بطبيعة الدور الذي ستؤديه سوريا في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل على أنقاض مرحلة طويلة من الصراعات والاستقطابات.
التحولات الجارية حول دمشق لا تبدو مجرد تفاهمات ظرفية أو ترتيبات مؤقتة فرضتها متغيرات اللحظة السياسية، بل تعكس سعياً حقيقياً لإعادة تعريف وظيفة سوريا داخل معادلات المنطقة. وبينما تتراجع تدريجياً رهانات الحسم العسكري لصالح مقاربات أكثر براغماتية، تتقاطع فوق الأرض السورية مشاريع متعددة، بعضها يسعى إلى تكريس الاستقرار عبر مركزية الدولة، وبعضها يركز على إعادة دمج سوريا اقتصادياً في محيطها العربي، فيما ينظر آخرون إلى البلاد باعتبارها إحدى حلقات إعادة هندسة منظومة الأمن الإقليمي الجديدة.
في هذا المشهد المعقد، يبقى الحضور التركي أحد أكثر عناصر المعادلة تأثيراً. فمنذ اندلاع الأزمة السورية، لم تتعامل أنقرة مع الملف السوري باعتباره شأناً خارجياً تقليدياً، بل بوصفه امتداداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وتدرك القيادة التركية أن أي ترتيبات مستقبلية في سوريا ستنعكس بصورة مباشرة على قضايا الحدود واللاجئين والتوازنات الأمنية في جنوب تركيا.
لذلك لم يكن الوجود التركي في الشمال السوري مجرد استجابة ظرفية لظروف الحرب، بل تحول إلى عنصر بنيوي في معادلة النفوذ الإقليمي. ومع ذلك، فإن تركيا تواجه معضلة متزايدة تتمثل في كيفية التوفيق بين متطلبات الأمن القومي من جهة، والحاجة إلى التوصل لتسوية سياسية مستدامة تضمن استقرار سوريا ووحدتها من جهة أخرى. فاستمرار حالة السيولة الحالية يفرض أعباء متزايدة على الجميع، بما في ذلك أنقرة نفسها.
وفي المقابل، ما تزال روسيا تمثل الضامن الدولي الأبرز للتوازنات القائمة في سوريا، رغم انشغالها بملفات دولية أخرى وتغير أولوياتها الاستراتيجية خلال السنوات الأخيرة. فبالنسبة لموسكو، لا ترتبط سوريا فقط بوجودها العسكري في شرق المتوسط أو بمصالحها الجيوسياسية التقليدية، بل تمثل أيضاً نموذجاً لدورها كقوة دولية قادرة على التأثير في أزمات الشرق الأوسط.
غير أن روسيا تدرك كذلك أن مرحلة تثبيت النفوذ تختلف عن مرحلة بناء الاستقرار. فالحفاظ على المكاسب العسكرية لا يكفي وحده لضمان استقرار طويل الأمد، ما لم تترافق تلك المكاسب مع انفتاح سياسي واقتصادي يسمح بإعادة تأهيل الدولة السورية ودمجها تدريجياً في محيطها العربي والإقليمي. ومن هنا يمكن فهم الترحيب الروسي المتزايد بأي دور عربي يخفف الأعباء السياسية والاقتصادية المرتبطة بالملف السوري.
وفي هذا السياق تحديداً تبرز أهمية الدور العربي، ولا سيما المصري والسعودي والخليجي، باعتباره عاملاً قادراً على إحداث توازن ضروري بين المصالح المتنافسة. فمصر تنظر إلى سوريا من زاوية استراتيجية تتجاوز الحسابات الظرفية، إذ تعتبر أن الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار المشرق العربي بأكمله. ومن هذا المنطلق، دافعت القاهرة باستمرار عن وحدة الأراضي السورية ورفض مشاريع التقسيم والتفكيك، مع تأكيدها أن أي تسوية مستدامة يجب أن تقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة لا على تكريس الانقسامات.
أما المملكة العربية السعودية، فقد باتت تمثل أحد أبرز الفاعلين في مسار إعادة دمج سوريا في محيطها العربي. ويعكس الانفتاح السعودي على دمشق تحولاً أوسع في الرؤية الإقليمية، يقوم على احتواء الأزمات المزمنة بدلاً من إدارتها، وعلى الاستثمار في الاستقرار بدلاً من الاكتفاء بموازين الردع والصراع.
وتدرك الرياض أن استقرار سوريا ليس شأناً سورياً فحسب، بل يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة وازدهارها الاقتصادي. ولذلك فإن أي دور سعودي مستقبلي لن يقتصر على البعد السياسي، بل سيمتد إلى مجالات التنمية والاستثمار وإعادة الإعمار، وهي المجالات التي تحتاجها سوريا بصورة ملحة للخروج من سنوات الاستنزاف الطويلة.
كما أن دول الخليج العربية تمتلك اليوم فرصة استثنائية للمساهمة في صياغة مرحلة جديدة في سوريا. فإلى جانب إمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، تتمتع هذه الدول بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ما يؤهلها للعب دور الوسيط والشريك في آن واحد. وفي ظل التحديات الاقتصادية الهائلة التي تواجه سوريا، يصبح البعد التنموي عاملاً لا يقل أهمية عن الأبعاد السياسية والأمنية.
ومع ذلك، فإن مستقبل سوريا لن يُحسم في العواصم الإقليمية والدولية وحدها. فمهما بلغت أهمية الأدوار الخارجية، تبقى قدرة السوريين أنفسهم على استعادة مفهوم الدولة هي العامل الحاسم في تحديد المسار النهائي للأحداث. فالتاريخ أثبت أن الدول لا تستعيد عافيتها بمجرد انتهاء الحروب، بل عندما تنجح في إعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يربط مواطنيها بمؤسساتها ويمنحهم شعوراً بالشراكة في المستقبل.
من هنا تبدو سوريا اليوم واقفة عند مفترق طرق تاريخي. فهي إما أن تتحول إلى عقدة جيوسياسية دائمة تُقاس قيمتها بمدى قدرتها على خدمة توازنات القوى المتنافسة، وإما أن تنجح، بدعم عربي وإقليمي متوازن، في استعادة موقعها الطبيعي كدولة فاعلة لا كساحة نفوذ. وبين هذين الاحتمالين تتحدد ليس فقط ملامح المستقبل السوري، بل أيضاً صورة الشرق الأوسط الذي يتشكل بهدوء تحت تأثير التحولات الكبرى الجارية في الإقليم.
إلى جانب الأدوار الإقليمية المتشابكة، لا يمكن فهم مستقبل سوريا دون التوقف عند الحضور الأمريكي والأوروبي الذي ما زال يشكل أحد أهم عناصر التأثير في المشهد السوري. فعلى الرغم من تراجع الاهتمام الغربي بسوريا مقارنة بسنوات الحرب الأولى، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ما زالا يمتلكان أوراقاً مؤثرة تتجاوز الوجود العسكري المحدود أو الحضور الدبلوماسي التقليدي.
تنظر واشنطن إلى سوريا من خلال مجموعة من الأولويات المتداخلة، تشمل مكافحة التنظيمات المتطرفة، ومنع عودة الفوضى الأمنية، والحد من النفوذ الإيراني، والحفاظ على توازنات إقليمية تمنع أي طرف من تحقيق هيمنة كاملة على المشهد السوري. ولذلك، فإن السياسة الأمريكية لا تستهدف بالضرورة إدارة الدولة السورية أو إعادة تشكيلها بصورة مباشرة، بقدر ما تهدف إلى منع ظهور ترتيبات استراتيجية تتعارض مع مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
أما أوروبا، فتتعامل مع الملف السوري من زاوية مختلفة نسبياً. فالدول الأوروبية ترى أن استقرار سوريا يمثل ضرورة أمنية وإنسانية في آن واحد، نظراً للارتباط المباشر بين الأوضاع السورية وقضايا الهجرة واللاجئين ومكافحة الإرهاب والاستقرار في شرق المتوسط. ولهذا السبب تربط العواصم الأوروبية مساهمتها في إعادة الإعمار والتطبيع الاقتصادي بإحراز تقدم في المسار السياسي وتحسين الظروف المعيشية والإنسانية داخل البلاد.
غير أن الدورين الأمريكي والأوروبي يواجهان معضلة أساسية تتمثل في التوفيق بين الرغبة في تحقيق الاستقرار وبين الإصرار على شروط سياسية تعتبرها أطراف أخرى تدخلاً في الشؤون الداخلية السورية. وهنا يظهر جانب من التناقض مع الرؤية الروسية التي تعطي الأولوية لاستقرار الدولة ومؤسساتها حتى قبل إنجاز تسويات سياسية شاملة.
فبينما ترى موسكو أن تثبيت سلطة الدولة يمثل المدخل الطبيعي للاستقرار وإعادة الإعمار، تميل واشنطن والعواصم الأوروبية إلى اعتبار الإصلاحات السياسية جزءاً لا يتجزأ من أي عملية استقرار مستدامة. هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة صداماً مباشراً، لكنه يعكس تبايناً جوهرياً في تعريف مفهوم الاستقرار نفسه وآليات الوصول إليه.
أما العلاقة مع تركيا فتبدو أكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة تشترك مع أنقرة في بعض الأهداف المتعلقة بمكافحة الإرهاب ومنع الفوضى، لكنها تختلف معها حول ملفات حساسة تتعلق بطبيعة القوى المحلية الشريكة في شمال سوريا ومستقبل الترتيبات الأمنية في تلك المناطق. ولذلك ظل الملف السوري أحد أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات الأمريكية ـ التركية خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، يلتقي الدور الغربي مع الرؤية العربية في عدد من النقاط المهمة، خصوصاً ما يتعلق بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع عودة الصراعات واسعة النطاق. إلا أن هناك اختلافاً واضحاً في الأدوات والأولويات. فبينما تتجه الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية ومصر ودول الخليج، نحو مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الانخراط المباشر وتشجيع الاستقرار التدريجي، ما زالت بعض العواصم الغربية تفضل ربط الانفتاح الكامل بتحقيق تقدم سياسي أوسع.
ورغم هذه التباينات، فإن ثمة حقيقة تفرض نفسها على جميع الأطراف: لا يمكن تحقيق استقرار دائم في سوريا من خلال مشروع أحادي أو نفوذ منفرد. فروسيا تمتلك أدوات التأثير العسكري والسياسي، وتركيا تملك حضوراً أمنياً وجغرافياً مؤثراً، والدول العربية قادرة على توفير العمق السياسي والاقتصادي الضروري لإعادة دمج سوريا في محيطها الطبيعي، بينما تظل الولايات المتحدة وأوروبا صاحبتين لدور حاسم في ملفات العقوبات والاستثمار والتمويل وإعادة الإعمار.
ورغم اختلاف الرؤى بين موسكو وواشنطن، وبين الحسابات التركية والأولويات العربية، وبين المقاربة الأوروبية المشروطة ومقاربات الانفتاح الإقليمي المتسارعة، فإن ثمة حقيقة تفرض نفسها على الجميع: لا يمكن بناء استقرار دائم في سوريا عبر مشروع أحادي أو نفوذ منفرد. فكل طرف يمتلك جزءاً من عناصر التأثير، لكنه لا يمتلك بمفرده مفاتيح الحل الشامل.
فروسيا ما زالت تمثل ركناً أساسياً في معادلة التوازنات السياسية والأمنية، وتركيا تحتفظ بأوراق مؤثرة بحكم الجغرافيا والتداخلات الأمنية والاقتصادية، فيما تملك الولايات المتحدة وأوروبا أدوات ضغط حاسمة تتعلق بالعقوبات والتمويل وإعادة الإعمار والشرعية الدولية. أما الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر ودول الخليج، فتملك القدرة على إعادة وصل سوريا بعمقها العربي وتوفير البيئة السياسية والاقتصادية اللازمة لمرحلة التعافي والاستقرار.
لكن العامل الحاسم سيبقى سورياً في المقام الأول. فمهما بلغت أهمية التفاهمات الدولية والإقليمية، فإن نجاح أي مشروع للاستقرار مرهون بقدرة السوريين على إعادة بناء دولتهم ومؤسساتهم واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع، بما يسمح ببلورة عقد وطني جديد يتجاوز آثار الحرب والانقسام.
تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فهي إما أن تبقى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح وتنافس النفوذ، تُقاس أهميتها بمدى قدرتها على خدمة توازنات الآخرين، وإما أن تتحول إلى دولة مستقرة تستعيد دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي، مستفيدة من حالة الانفتاح والحوار التي تشهدها المنطقة.
لقد أنهكت الحرب السوريين واستنزفت موارد الدولة وأعادت رسم خرائط النفوذ داخل البلاد، إلا أن اللحظة الراهنة تحمل في طياتها فرصة نادرة للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الاستقرار. وإذا ما نجحت القوى الإقليمية والدولية في تغليب منطق التسويات على منطق الصراعات، وتمكن السوريون من استثمار هذه اللحظة التاريخية، فقد تصبح سوريا خلال السنوات المقبلة نموذجاً للتعافي وإعادة البناء، بدلاً من أن تبقى عنواناً دائماً للأزمات المفتوحة في الشرق الأوسط.ومن هنا، فإن مستقبل سوريا لن يتحدد بانتصار رؤية على أخرى بقدر ما سيتحدد بقدرة القوى الفاعلة على إدارة تناقضاتها والبحث عن مساحات مشتركة للتفاهم. فالتجربة السورية أثبتت أن أياً من الأطراف الدولية أو الإقليمية لا يمتلك منفرداً القدرة على فرض تسوية مستدامة، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يكون نتاج موازين القوة وحدها، بل ثمرة توافقات سياسية واقتصادية وأمنية تضع مصالح السوريين فوق حسابات النفوذ المتنافسة.