رنا زيد – كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية
هناك من يريد أن تصبح سوريا بلاد الموسيقى التصويرية، بلاداً بلا غناء. بلاداً لا تذكّر بنفسها أكثر ممّا تذكّر بتآمر مجموعة من المتشدّدين، مع مجموعة من أشباه العلمانيين الذين رضوا بمرحلة فيها انكسار وركود سوري سياسي، بعدما انتهى عهد الطغيان مع سقوط نظام الأسد.
“بتاخدني الأيام، بتبعدني الأيام
لكن روحي بتبقى بتغني للشام
على طول الأيام
يا عمي
بردى يا حبيبي… ما بتذكر عشرتنا؟
أنا وإنت يا حبيبي والقمر تالتنا
والحور اللي مايل على همس الجداول
بيفيق وبينام على طول الأيام
يا عمي”
الكلمات للشاعر السوري عيسى أيّوب.
عندما يعزف الناي هذه الأغنية يبقى ناياً، بعيداً عن ذاك الجرح الذي يسحب جوهر الموسيقى، إن لم تأتِ ملاصقة للكلام والمعنى. إنه ناي من زمن سنوات الغياب، ولا معنى للناي لولا الكلام في هذه الأغنية، ولا معنى للعزف لولا الغناء، ليقول من غنّى بعدها: “بيقولوا الحبايب لو بغيبوا سنين/ عن بلد الحبايب ما بيفنى الحنين”.
هذه الأغنية التي غنّتها المغنّية السورية أصالة سابقاً، في الثمانينيات من القرن الماضي، مع والدها الموسيقي السوري مصطفى نصري، فيها نسق لغوي دمشقي من اللهجة، وهو مناداة “العم” في نهاية كل لازمة، ليست هذه اللازمة زيادة في النسق، بل ترسيخ لمعنى البلاد، التي نُنادي فيها الأعمام والأخوال، العمّات والخالات، الإخوة والأخوات، وقت الشدائد.
لا معنى للثقافة في سوريا، الثقافة المطلوبة من الخاصّة، ومن كل من يعتبر نفسه مثقّفاً، إن لم تكن تنتمي إلى الثقافة العربية الكلاسيكية والمعاصرة، تلك الثقافة التي حاول أفرادها عبر أجيال من المبدعين والشعراء والأدباء والفنّانين والموسيقيين، خلقها في دمشق، وفي سوريا؛ بينما اليوم، تُحاك الثقافة في برنامجها تحت وصاية من يحكم سوريا، ومن ينفّذ مشاريعها الثقافية بتواطؤ أحياناً مع سفارات دول غربية، لخدمة المصالح السياسية المرتبطة بنظام الجولاني وحزبه الحاكم “هيئة تحرير الشام”.
هناك من يريد أن تصبح سوريا بلاد الموسيقى التصويرية، بلاداً بلا غناء. بلاداً لا تذكّر بنفسها أكثر ممّا تذكّر بتآمر مجموعة من المتشدّدين، مع مجموعة من أشباه العلمانيين الذين رضوا بمرحلة فيها انكسار وركود سوري سياسي، بعدما انتهى عهد الطغيان مع سقوط نظام الأسد.
عندما سئل القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في إحدى المقابلات التلفزيونية معه في ستينيات القرن الماضي، عمّا إذا كان يستمع إلى الأغاني، أجاب بـ”نعم”، ولم يكن استماعه عابراً، بل كان يستمع إلى أغانٍ كثيرة جدّاً، وقال: “والله، أنا أسمع كل صوت جميل، وطبعاً الصوت الجميل زيادة… بسمعو من السيّدة أم كلثوم، كوكب الشرق والغرب”. حتى إنه ذهب في النقاش مع محاورته، إلى الجواب عن سؤال حول ترتيل أم كلثوم للقرآن، وقراءتها آيات من سورة “إبراهيم”.
من سيغنّي لسوريا، وهي في تلك المسافة من الخوف والخوف، في تلك المسافة من انعدام الطغيان، وعودته في شكل جديد؟ ربما نعرف أو لا نعرف أصالة كثيراً، لكن ما تمثّله الدعوة إلى إلغاء حفلتها المقبلة في دمشق، هو هذا الحدّ من ذهاب الخوف وعودته، ويتمثّل في أن الحرّية في سوريا ما زالت مرهونة سياسياً وثقافياً واجتماعياً بارتباطات أخرى، غير معنى البلاد وأبناء البلاد. الحرّية في سوريا مرهونة بالطغيان حتى اليوم.
ربما كلما هرب معنى من البلاد، أستعيده في كتب الشعر العربي القديم، وحتى في السماع الصوفي (جلسة السماع)، حيث كان الشعر من بين كل الأدوات هو الأداة الوحيدة التي لم يستطع المتصوّفة الاستغناء عنها. وليس لكوني على نهج المتصوّفة، فما أبعدني عن أن أكون؛ لكن لمحبّتي لما بقي يتردّد من شعر موثّق في أدب المختارات.
فمثلاً في حين نرى في كتاب “العقد الفريد” صورة عن الأديب المثالي، أي ابن عبد ربّه الأندلسي تاركاً الإسناد، نلحظ أن الأصفهاني بخلاف الكثير من الأدباء المثاليين قبله، يتمسّك في كتابه “الأغاني” بذاك المنهج من الأسانيد (رغم أن السند ثقيل، وغير ممتع للقارئ)، وأحياناً يُسهّل المؤلّف الأمر على القارئ فيُركّب الأسانيد أو الروايات المختلفة، بدلاً من أن يكرّر الخبر بصيغ قريبة جداً.
كتاب “الأغاني” يضمّ نحو خمسمائة ترجمة لشعراء ومغنّين، عاشوا بين الجاهلية والقرن الثالث الهجري، ولم يورد الأصفهاني أي ترجمة لبعض معاصريه، كما أنه لا يستخدم كلمة “الترجمة”، بل يستخدم كلمة “خبر” أو “أخبار” بمعنى الترجمة، فهو يضع عنواناً لترجمة السليك مثلاً: “أخبار السليك بن السلكة ونسبه”. يبدأ بالشاعر السليك، ثم سيأتي بأغانٍ لُحّنت أو أُلّفت بناءً على أبيات له.
الأصفهاني كان يجمع أو يروي أخباراً، ليخبر القارئ: من هو هذا الشخص الذي يهتمّ به؟ أمّا نسبة كل رواية إلى صاحبها، فهي مرتبطة بما يظهره من اهتمام كبير، بموضوع صحّة النصوص التي يرويها، وهذا قلّما يوجد عند الأدباء في سياق أدب المختارات.
ترجّح الباحثة الإنكليزية هيلاري كيلباتريك Hilary Kilpatrick، وهي المرجع الأكبر في ما يخصّ البحث حول كتاب “الأغاني”، أن سبب تمسّك الأصفهاني بالإسناد هو أن كتابه يتناول الغناء، الذي كان من أكثر المواضيع إشكالية في الأدب القديم، ولأن مكانة الغناء في عصر المؤلّف لم تكن واضحة من حيث الحكم عليه، إذ كانت هناك تيّارات تهاجم المغنّيين، وتكسر آلاتهم الموسيقية، إلى غير ذلك من تجاوزات.
وبسبب ما كان آنذاك من ثورة على الغناء وبغض له، وبما أن الأصفهاني كان يتطرّق إلى هذا الموضوع الحسّاس، المقبول ضمن تلقّي فئة محدودة، لكنّه ليس مقبولاً لدى عموم مجتمعه، تفترض كيلباتريك أنه أكثرَ من استخدام الإسناد، تعويضاً عن مجون موضوعه، أي الغناء، لذا أظهر كل علامات الجدّية العلمية.
لا تريدون من المغنّية أن تغنّي؟ صرخات ويل فقط وعويل هي ما يأتي من دمشق، ولا تنفع صرخات الويل، مستغيثةً وعاليةً، من دون كلام يرافقها؛ هذا ما عرفناه كسوريين خلال أكثر من خمسة عقود.
إذاً هو الصوت، الصوت الذي خرج من حناجر السوريين، مع الثورة السورية في عام 2011، قائلاً: “حرّية”. الصوت الذي غنّت به حناجر من ماتوا من أجل سوريا، هو الصوت المكتوم اليوم أيضاً، بعدما أطاحت الثورة السورية بنظام الأسد المجرم. الصوت يخرج، اليوم، كما تخرج الموسيقى التصويرية، من دون كلام يؤثّر في الجولاني وحكومته، تلك الحكومة التي دعت المغنّية أصالة نصري للغناء في سوريا، ثم تركت من يطالب بإلغاء حفلتها، يصدح.
وبينما تزداد الأصوات المطالبة في الوسط الثقافي السوري، بالموسيقى التصويرية ثقافياً، وبسياسات التمويل القائمة على نسق لغوي، من مقولة “امشي الحيط الحيط… وقول يا رب السترة”، يعتقد هؤلاء أن “ناياً” يعزف وحيداً بلا كلام ومعنى، خير من الصمت؟ غالبية من يعزفون على هذا الناي، هم من المشدودين على كراسي القرار، في المجتمع، وفي السياسة، وفي الدين، وفي الثقافة… أيّة مصادفة؟!