أمّا أكثر الأشهر المرصودة نشراً لصور المعتقلين فهي تشرين الأول (أكتوبر) 2025 (92 حالة) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2025 (81 حالة). لكن مراجعة المعلومات المتاحة تُشير إلى أن هذا لا يتطابق مع أشهر الاعتقال الأكثر كثافة نفسها. هذا الانفصال بين مواسم الاعتقال ومواسم النشر يعني أن حالات النشر لا ترتبط بشكل خطي مع العمليات الميدانية، بل تتّبع منطقاً إعلامياً وأمنياً داخلياً يخضع لحسابات التوقيت والتأثير الجماهيري أكثر منه لإيقاع التحقيقات والاعتقالات نفسها.

لكن هذه المعطيات ليست وحدها هي التي تشير إلى الطبيعة الدعائية لنشاط الوزارة «الإعلامي»، بل إن التقصي في حالات بعينها سيكون أكثر فائدة على هذا الصعيد.

قصص عن الاستخدام الدعائي للبيانات

الأرقام، مهما كانت ذات دلالة، تبقى مجرد مدخل. إذا نظرنا إلى تفاصيل حالات مُحدّدة، يتضح أن الأمر يتجاوز الانتقائية إلى ما يُشكِّك في مصداقية المصدر نفسه. ففي منشور بتاريخ 11 نيسان (أبريل) 2026، نُشرت صور لمجموعة تخريبية مكوّنة من خمسة أشخاص أُلقي القبض عليهم من قبل فرع مكافحة الإرهاب في دمشق بالتعاون مع فرع ريف دمشق أثناء محاولتهم زرع عبوة ناسفة بالقرب من الكنيسة المريمية. بعد أسبوع، وبالتحديد في 18 نيسان (أبريل) 2026، نُشر منشور آخر يُفيد بإلقاء القبض على مجموعة إرهابية مكوّنة من خمسة أشخاص، وظهر فيها أحد الأشخاص نفسه الذي ظهر في المنشور الأول، لكن اللافت أن طوله المذكور في المنشور الأول كان 185 سم بينما ذُكِر في المنشور الثاني أن طوله 195 سم. هذه الفروق في البيانات التعريفية للشخص نفسه، في قضيتين مختلفتين وبتهمٍ مختلفة، لا يمكن تفسيرها بخطأ مطبعي بسيط، بل تكشف عن فوضى في إدارة البيانات، أو ربما عن استخدام الصورة الواحدة في سياقات متعددة دون مراعاة للدقة، مما يُضعف الثقة في الوزارة ومعلوماتها المنشورة ككل.

في السياق نفسه تأتي حالة شاب من طرطوس، أُلقي القبض عليه من منزله بتهمة جنائية بسيطة قبل النشر بأكثر من أسبوع. وقد فوجئت عائلته، التي كانت مطمئنة إلى أنه موجود في فرع الأمن الداخلي في طرطوس، بظهور صورته في دمشق ضمن خلية يُزعَم أنها كانت تُعِدّ مواد متفجرة لاستهداف شخصية دينية بالقرب من الكنيسة المريمية. هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد نشر صورة، بل بتحويل الموقوف من قضية محلية بسيطة إلى لاعب في رواية أمنية كبرى، دون تفسير أو تبرير، ودون مراعاة للحقيقة التي تعرفها عائلته. هذا النوع من الخلط بين الملفات، أو الاستخدام التكتيكي للصور، يطرح أسئلةً عن وجود بروتوكول للنشر أصلاً، أو عن التفكير في أبعاد ما يترتب على إظهار وجه إنسان واسمه في سياق اتهامي لم يُثبَت بعد. تجدر الإشارة إلى أن الحالة الوحيدة لسيدة ظهرت مكشوفة الوجه كانت في هذه القضية نفسها.

أمّا حالة معتقلي مظاهرات الساحل في 31 كانون الأول (ديسمبر) 2025، فتُبيّنُ الأثرَ المباشر لهذه الممارسة على الأفراد. بين المعتقلين الذين نُشرت صورهم، بوجوه واضحة مكشوفة وملابس مُخططة، بتهمة «القيام بجرائم حرب وأعمال تحريضية تُهدِّد السلم الأهلي»، ظهر الشاب زين العروس، الذي أُلقي القبض عليه بسبب مشاركته في مظاهرات خرجت عقب تفجير جامع الإمام علي في حي وادي الذهب في حمص، وكان يحمل لافتة كُتِب عليها «لا نريد حرب أهلية». بعد أربعة أشهر ونصف من الاعتقال، خرج زين عروس بتاريخ 16 نيسان (أبريل) 2026، لكن السؤال الذي يبقى مُعلَّقاً هو: كيف سيكون تأثير هذه الصور المنشورة عليه؟ فالوجه المكشوف، واللقطة المأخوذة في لحظة احتجاز، والتهمة المُعلنة قبل المحاكمة، كلها تُشكّل رصيداً رقمياً يصعب محوه، ويسبق أي حكم قضائي في وعي الجمهور والمحيط الاجتماعي.

هذه الحالات الثلاث لا تُشكّل مجرد أخطاء منفردة، بل تُمثِّل نموذجاً لكيفية تَحوُّل الصورة إلى أداة إدانة مسبقة، وكيفية تحويل ملفات شديدة الخطورة إلى أدوات دعائية.

نشر الصور ينتهك الحق في «قرينة البراءة»

«المتهم بريء حتى تثبت إدانته». هذا مبدأ قانوني ودستوري راسخ في سوريا وسائر الأنظمة القضائية والحقوقية في العالم، وهو ما يُعرَف بـ«الحق في قرينة البراءة».

تحدّثنا بهذا الشأن إلى محمد العبد الله، المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، الذي يؤكد أن التوقيف في سوريا علني قانوناً، وأن المحاكمات علنية، لكن المبدأ القانوني الذي يحكم كل ذلك هو براءة المتهم حتى ثبوت إدانته بحكم قضائي. يقول العبد الله: «هل نشر الصور هدفه التشهير والضغط مجتمعياً بقرينة البراءة؟ وأيضاً، إذا افترضنا أن شخصاً أُوقف وتم إرفاق صورته بالتهمة ونشرها علناً، ثم ظهرت براءته، فهل تُشكّل هذه الصورة خطراً على حياته بعد خروجه من التوقيف؟ الإجابة، في سياق سوريا اليوم، هي نعم، في بلد يشهد أنماطاً من استيفاء الحق بالذات وأعمال قتل انتقامية، وفي بيئة تفتقر إلى الاستقرار الأمني». ويؤكد العبد الله أن نشر صورة واسم المتهم قبل صدور حكم مُبرَم (ليس بعد الحكم الأولي فحسب، بل بعد الاستئناف والنقض) انتهاكٌ واضحٌ لقرينة البراءة، وطعنٌ في فُرصته بمحاكمة عادلة.

يُضيف العبد الله أن المقصود بـ«علنية» المحاكمة هي حق الناس في الحضور في قاعة المحكمة، حيث يكون عدد الحضور محدوداً، باستثناء قضايا الرأي العام التي تكون فيها شخصية المتهم معروفة أصلاً، مثل محاكمة المفتي السابق أو شخصية قيادية أمنية مثل عاطف نجيب. في هذه الحالات الاستثنائية، نشر الصور قد لا يُغيّر فرص المتهم الاجتماعية لأن وجهه واسمه معروفان مسبقاً. لكن في الحالة العامة، التي تشمل الغالبية الساحقة، فإن نشر صورة شخص متهم بالانتماء لتنظيم داعش مثلاً يترك أثراً لا يُمحى حتى لو ظهرت براءته لاحقاً.

يقول العبد الله إنه حتى في المحاكمات التي تجري في أوروبا، ورغم أن التصوير مسموح فيها، يحق للمتهم أن يغطي وجهه، ويحظرُ القضاء الألماني مثلاً بشكل قاطع نشر اسم المتهم الكامل حتى يُصبح الحكم مبرماً: «في تقارير المركز السوري للعدالة والمساءلة نفسه، يُكتب على سبيل المثال أنور ر. أو علاء م. حتى لو كانت القضايا يتداولها الإعلام، لأن مجرد الوصف الأولي يجعل المتهم معروفاً، في حين أنه ما يزال بريئاً حتى صدور حكم نهائي».

إذا كان الحد الفاصل بين حق الجمهور في المعرفة وحق الفرد في المحاكمة العادلة رفيعاً، فإن العبد الله يرى أنه «يمكن احترام حق الجمهور في المعرفة دون انتهاك قرينة البراءة. فالحق في المعرفة هو حق أصيل لضحايا النزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة، وتعمل على صونه عادةً هيئات العدالة الانتقالية أو لجان السلم الأهلي، كما يمكن تحقيقه عن طريق نشر تحديثات عن طبيعة الدعاوى وأعداد المتهمين ورتبهم وفروعهم وتهمهم، ونشر نتائج المحاكمات أو تلخيصها، دون تعريض المحاكمة نفسها وحقوق المتهمين للخطر. في إحدى المحاكمات التي جرت في محكمة كوبلينز الألمانية لأنور ر.، كان نصف الحضور من السوريين على الأقل، وكان بعضهم من كبار سن لا يتحدثون الألمانية، وقد حضروا لمعرفة مصير أبنائهم، فطُلبت الترجمة للجميع. رفضت المحكمة في البداية، لكن المحكمة الدستورية الألمانية حكمت بالترجمة للصحفيين الموجودين في القاعة باعتبار أن ذلك جزءٌ من حق الجمهور في المعرفة، لكنها لم تحكم بنشر محاضر الجلسات أو التحقيق السري. وكان التصوير داخل القاعة كان ممنوعاً، وإن سُمح به فإنه يحق للمتهم إخفاء وجهه».

يُبيّنُ هذا المثال أن الشفافية المطلوبة تتحقق بالحد الأدنى من التعريف، لا باستخدام الوجه والاسم الكامل كمادة إعلامية، ذلك أن الأذى الذي قد يلحق بالموقوف نفسه وأسرته، وحتى بالضحايا، عندما تتحول العدالة إلى مادة دعائية، يتجاوز الإطار القانوني إلى الاجتماعي والنفسي. ففقدان العمل، والنبذ الاجتماعي، والتهديدات الانتقامية، كلها تتربع على قائمة المخاطر. ويستذكر العبد الله حلقة من مسلسل مرايا، عندما تم التشهير بسارق على الراديو وفي برنامج «الشرطة في خدمة الشعب» وبعائلته كاملة، مما جعلهم منبوذين، فلم يعد أيٌّ منهم قادراً على إيجاد وظيفة أو الزواج. واليوم، هذا الدور الدعائي للمحاكمات مضرٌ بالمحاكمة ذاتها، وبالضحايا، وبالموقوف، وعائلته، وقد يفتح الباب أمام أعمال انتقامية.

وهكذا، بينما تتقاطع الفوضى في البيانات التعريفية مع غياب بروتوكول واضح للنشر، تتضح صورة عن مؤسسة تفتقر إلى الضوابط المنهجية. البروتوكول الذي يجب أن تتبعه وزارة الداخلية، إن أرادت إبلاغ الجمهور دون انتهاك الحقوق الأساسية، يستوجب ثلاثة أمور وفق العبد الله: «الالتزام بقرينة البراءة، أي عدم إظهار الوجه وتشفير الاسم بالأحرف الأولى أو تشفير الكنية على الأقل، والحصول عاى إذن النيابة العامة قبل أي نشر، والنشر بالحد الأدنى فقط في الحالات التي تمسُّ الصالح العام وبطريقة لا تؤثر على عدالة المُحاكمة».

يُضيف العبد الله: «ما الذي قد يحدث إن اعتُقل متهم وتم تصويره ونشر صوره واسمه قبل تسليمه للنيابة، ثم أفرجت عنه النيابة في اليوم التالي؟ هنا تتحول الوزارة من جهة تنفيذية إلى جهة إدانة وتشهير، وتتحمل مسؤولية قانونية ومالية في حال تبرئة الموقوف. المحكمة أو النيابة هما المخوَّلتان بتقدير مدى تأثير النشر على سلامة المحاكمة، فربما تتسبّبُ تفاصيل النشر باستهداف المحكمة أو القاضي من جانب عشيرة الموقوف مثلاً، أو بأي احتمالات أخرى خطرة لا يمكن حصرها. في تركيا هناك قانون ممتاز يحظر النشر، وتكون المحاكمات سرية تماماً في حال كان المتهم قاصراً مهما كانت الجريمة. هذا النموذج يُظهِرُ أنه يمكن التشريع لحماية هوية المتهم حتى في القضايا الخطيرة. أمّا في الحالة السورية، فإن نشر الصور بخلفية موحدة وملابس مخططة وشكل مُتشابه، يجعل الأمر أكثر خطورة في ظلِّ انتشار الذكاء الصنعي وسهولة فبركة ونشر صور أشخاص باستخدام هذه التقنيات. فمجرد رؤية أشخاص بهذا اللباس أو الشكل يُمكِن أن يؤدي إلى التشهير بهم أو تهديد سلامتهم، خصوصاً في حالات العنف الجماعي التي تحصل اليوم».

خلاصة

في الخلاصة، تكشف البيانات عن نمط انتقائي في التعامل البصري مع الموقوفين لا يخضع لمنطق قانوني موحد، فالتهم المنسوبة إلى «الفلول» كانت الأكثر اقتراناً بكشف الوجه والاسم، بينما حظي «المجرم العادي» في القضايا الجنائية بتمويه بصري في الغالب، كأنما السلطة لا ترى في كشفه داعياً إعلامياً، أو تتعامل معه بشكل «أكثر حماية» بصرياً. هذا التباين يطرح احتمالين: إما أن الأولوية الأمنية تحكم الفرز، وإما أن كشف الوجه في قضايا «الفلول» يُشكّل إضافة بصرية إلى هزيمة سياسية وعسكرية سابقة، أي أن الأمر يتجاوز الاعتقال إلى ما يُمكن اعتباره مزيداً من إخضاع المهزومين. مهما كانت القراءة، فإن الانتقائية نفسها تُشير إلى أن صورة الموقوف تُدار كأداة تواصل أمني انتقائي، لا كوثيقة قضائية محايدة.

من هنا، تتقاطع الانتقائية في إظهار الوجوه وكشف الأسماء، مع الانفصال بين «مواسم» النشر و«مواسم» الاعتقال، مع الفوضى في البيانات التعريفية للأشخاص أنفسهم، لتُشكّلَ مشهداً عن مؤسسة تستخدم الصورة البشرية كمادة ردعية ودعائية قبل أن يتولى القضاء معالجة القضايا قانونياً. والأخطر أن هذه الممارسة، في بيئة ما بعد نزاع مسلح ومجتمع منقسم، لا تُهدد عدالة المحاكمات، وبالتالي حقوق الضحايا فحسب، بل تُهدد حياة الموقوف نفسه وسلامته، وقد تحرم أسرته من فرص العمل والعيش، وقد تُعرّضهم للنبذ والانتقام حتى قبل أن تُعلِن المحكمة كلمتها الأخيرة.

السؤال إذن لم يَعُد: هل يجوز أن تنشر الوزارة صور الموقوفين؟ بل أصبح: هل تستطيع السلطة أن تقاوم إغراء تحويل العدالة إلى مشهد، وأن تُدرِكَ أن الوجوه التي تُعرضها اليوم على قنواتها الرسمية قد تتحول غداً إلى شهادات ضدها؟