تثير مسألة كتابة السيرة أسئلة وإشكاليات كثيرة، تتعلق بنوع السيرة، ذاتية أم غيرية، لأن كاتبها يواجه إما محطات من حياته في السيرة الذاتية، أو تفاصيل حياة لم يعشها في السيرة الغيرية، حيث تلعب عدة أمور في كتابتها أهمها الذاكرة، التي تجسدها ذاكرة ليست ذاكرة الكاتب في حالة السيرة الغيرية، إلى جانب تجارب لا يمكن الدخول إليها إلا من خلال آثار صاحبها، وما كتب عنه أو قاله عنه آخرون، سواء معاصروه أم أصدقاؤه وخصومه. إضافة إلى أن السيرة تبقى مشدودة إلى مساحة تقع بين الوثيقة والتأويل، والتاريخ والأدب، وحياة عاشها صاحبها وحياة يعاد كتابتها، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا توجد سيرة فردية تمامًا، وأن وراء حياة كل إنسان تاريخًا أكبر، يطاول ناسه وبلده وعصره، خاصة إن كان الأمر يتعلق بسيرة مثقف، حيث تغدو السيرة طريقة مختلفة لكتابة التاريخ.
يمزج كتاب “كنعان مكية: سيرة على تخوم العراق”، الذي أعده وقدم له وترجمه فرج الحطاب (دار هاشم، بيروت 2026)، ما بين نوعي السيرة: الذاتية والغيرية. ويُعنى بتتبع محطات من مسار المهندس والمفكر العراقي/ الأميركي كنعان مكية، حيث يعرض تفاصيل من حياته، بوصفه مفكرًا وقف على حواف أسئلة كبرى، وكان محكومًا بثقل المنفى، وجرأة تناول قضايا سياسية وفكرية؛ لذلك لا يقف الكتاب على تفاصيل سيرة حياته وفق مقتضيات السيرة التقليدية، بل يطل على زمن عراقي مضطرب ومعقد، تقاذفته متغيّرات كثيرة، ولم يسلم من عواصف رياح الخيبة والخذلان.
يتألف الكتاب من كلمة كتبها كنعان مكية، ومقدمة مطولة كتبها الحطاب، وترجمة لمحاضرة ألقاها مكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2024، ويتذكر فيها مواقف ورؤى تسلط الضوء على أفكاره، إلى جانب ترجمة فصل طويل من كتاب “مآسي المنفى” للكاتب الأميركي لورنس ويشلر، يغطي ما يقارب ثلثي الكتاب، ويتناول فيه شخصية كنعان مكية الفكرية وعلاقته بوالده، وخروجه من العراق، ومواقفه السياسية، وأطروحات كتابه “جمهورية الخوف”، لذلك يمكن اعتبار الكتاب سيرة متعددة الأصوات، وليس سيرة ذاتية أو غيرية بالمعنى السائد أدبيًا.
ترد في عنوان الكتاب عبارة “سيرة على تخوم العراق”، التي تفيد بأنها سيرة ليست في العراق، ولا خارجه، بل على تخومه. فقد سافر مكية إلى الولايات المتحدة في عام 1967 بهدف إكمال دراسته، لكنه بعد ذلك بقي مشدودًا إلى ما يحدث في بلده، وبات مثل المنفيّ الذي يعيش في مكان، فيما تبقى ذاكرته تعمل في مكان آخر، وأصبح ينظر إلى وطنه من الخارج، لكنه لا يستطيع الخروج منه تمامًا. وقد بقي كنعان مكية يكتب عن العراق من بعيد، وكأن البعد الجغرافي هو شرط الرؤية النقدية، وليس نقيضها. فالمنفى وفق هذه الرؤية لا يُقصي القلب عن الوطن، بل يمنح الكاتب مسافة تتيح له تفكيك ما يصعب تفكيكه من الداخل.
كتب مكية “جمهورية الخوف” الذي كان أحد أسباب شهرته، ثم اتخذ مواقف سياسية ضد نظام صدام حسين، وانتقل أيديولوجيًا من اليسار التروتسكي إلى اليمين الليبرالي خلال انغماسه في معترك السياسة، حيث نسج علاقات مع شخصيات من المعارضة العراقية في الخارج، وبات مقربًا من المحافظين الجدد إبان فترة رئاسة جورج بوش الابن للولايات المتحدة، ووصل به الأمر إلى تأييد الغزو الأميركي للعراق.
يعتبر الحطاب أن سيرة مكية تكتسي أهميتها ليس من غرابة مسارها فحسب، بل من كونها تجسّد لحظة عراقية مركبة، يتقاطع فيها الجمالي بالسياسي، ويختلط فيها المعماري بالتاريخي، حيث بدأ مكية رحلته في عالم العمارة، الذي تعلّم فيه كيف يكون للحجر معنى وللمكان ذاكرة، ثم تحوّل إلى عالم الفكر والسياسة وفق مسار وجودي نابع من قلق السؤال، وحرقة الانتماء.
يعتمد الكتاب مقاربة لسيرة مكية، تجعل من علاقته بأبيه، المهندس المعماري البارز محمد مكية، مدخلًا أساسيًا لفهمه، ولم يكتفِ بما يرويه عن حياته بمعزل عن سياقه العائلي. ويحضر الأب بوصفه المعماري الذي بنى بالحجر مُدنًا وجامعات ومساجد، وكان مؤمنًا بأن العمارة مقاومة للنسيان، فيما بنى الابن بالكلمة، حاملًا قلقه وهمومه وأسئلته إلى حقل الفكر والسياسة. هذا التوازي بين معمار يحفظ الذاكرة بالبناء، وكاتب يحفظها بالمساءلة، هو السياق الذي يقترحه الحطاب لقراءة مشروع كنعان مكية، بوصفه امتدادًا لمشروع نقدي للأب، وليس كمفكر منعزل، وذلك على الرغم من اختلاف الأداة التي استخدمها كل منهما. وعليه، لا يكتفي برواية سيرة فردية، بل يستعيد حقبة عراقية مضطربة عبر ثنائية الأب والابن.
ففي قلب السيرة يقف الأب، محمد مكية، أحد أبرز معماريي العراق الحديث، الذي كرّس حياته لبناء المدن والجامعات والمساجد، انطلاقًا من قناعته بأن البناء فعل مقاومة ضد النسيان. وفي الجهة الأخرى يقف الابن كنعان، الذي حمل أسئلته وقلقه المعرفي والسياسي إلى فضاءات الكتابة الصادمة، والاشتباك المباشر مع بنية الاستبداد، ورأى فيها مرآة للحرية، وأداة للمساءلة والمكاشفة.
يجري توظيف العلاقة بين مكية الأب ومكية الابن، لتبيان التقاطع بين جيلين، أحدهما بنى بالحجر والآخر بالكلمة، وبما يمنح الكتاب بعدًا يتجاوز السيرة الشخصية إلى قراءة رمزية لعلاقة المثقف العراقي بوطنه وبالمنفى، حيث تتأصل جذور الحكاية في هذا التقاطع الصادر من تقاطع جيلين ورمزين، فعلى الجهة الأولى يقف الأب محمد مكية، الذي كرّس حياته لبناء المدن والصروح والجامعات، مؤمنًا بأن فن العمارة وفعل البناء هما أداتا مقاومة ضد النسيان وغياب الهوية. وعلى الجهة المقابلة يقف الابن، كنعان، الذي درس العمارة أيضًا لكنه غادرها أو طوّعها لتكون مرآة للحرية. ومن قلب القلق العائلي والوطني، وُلد مشروعه الفكري الأبرز “جمهورية الخوف”، الذي فكّك فيه النظام الاستبدادي وآليات اشتغاله في العراق.
يذكر كنعان مكية أنه كتب “جمهورية الخوف” عام 1986، ثم حاول نشره، لكن دور النشر في الولايات المتحدة وإنكلترا لم توافق، بل رفضت نشره على مدى ثلاث سنوات، إلى أن قررت جامعة كاليفورنيا المجازفة ونشره عام 1989. ولم يضع اسمه عليه، بل حمل الكتاب اسمًا مستعارًا (سمير الخليل)، خوفًا من رد فعل نظام صدام حسين تجاه عائلته، وخصوصًا والده. كما يروي أن هذا الكتاب لم يُبَع سوى عدد قليل من النسخ حتى احتلال نظام صدام الكويت عام 1990. لكن المعارض العراقي أحمد الجلبي اشترى مئات النسخ، ووزعها على أعضاء الكونغرس الأميركي عشية اندلاع حرب الخليج عام 1991، التي شنها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة ضد القوات العراقية في الكويت.
في نفس العام 1991، قرّر مكية الكشف عن نفسه، والقطع مع العزلة التي فرضها الاسم المستعار عليه، فانخرط بقوة في كل الفعاليات السياسية المعارضة العراقية وهيئاتها، وصار اسمه معروفًا بوصفه خصمًا للنظام العراقي. ونشأت علاقة قوية ربطته بأحمد الجلبي، الذي يعتبره الحطاب شخصية استثنائية، كونه بارعًا في التكتيك السياسي ويمتلك قدرة على التنقل بين مسائل مختلفة. أما كنعان مكية، فيعتبر أحمد الجلبي قريبًا له. وقد عمل مكية مستشارًا للمؤتمر الوطني العراقي الذي ارتبط باسم الجلبي، وكان الاثنان من أبرز الوجوه العراقية في واشنطن التي دفعت باتجاه الغزو الأميركي للعراق من أجل إسقاط النظام.
غير أن المسكوت عنه في سيرة كنعان مكية السياسية هو علاقته بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة خلال عهد جورج دبليو بوش، وخصوصًا في السنوات التي سبقت غزو العراق عام 2003، حيث ترجع صلات مكية ببعض أبرز شخصيات تيار المحافظين الجدد إلى تسعينيات القرن العشرين الماضي. ويروي مكية أنه التقى بول وولفويتز في 1994 عندما اقترب منه وولفويتز بعد محاضرة ألقاها. ثم تطورت العلاقة لاحقًا، خلال انخراطه في حراك المعارضة العراقية في الخارج.
لم تكن أهمية مواقف مكية السياسية نابعة من كونه معارضًا عراقيًا فحسب، بل من كونه مثقفًا عراقيًا معروفًا في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأميركية، وقد أكسبه كتابه عن نظام صدام حضورًا بين أوساط صقور المحافظين الجدد في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، حيث اعتبروا أن وجود شخصية مثله مفيد لدعم حجتهم الدافعة للحرب على العراق.
في كانون الثاني/ يناير 2003، استقبل الرئيس بوش مكية في البيت الأبيض، بحضور كل من ديك تشيني وكوندوليزا رايس، وناقشوا وضع العراق ما بعد صدام. وتورد بعض التقارير أن مكية عبّر عن اعتقاده بأن القوات الأميركية ستُستقبل بوصفها “محرِّرة” للعراق. وبالتالي، لم يكن مكية مجرد مثقف عراقي يؤيد غزو العراق من بعيد، بل كان جزءًا من دوائر المعارضة العراقية الداعمة للغزو الأميركي للعراق، والتي دخلت في حوار مباشر مع الإدارة الأميركية حول اليوم التالي لسقوط النظام. وبرأيي لن يشفع له الحديث حول انتقاده للوضع ما بعد سقوط النظام عام 2003.
لا يأتي الكتاب على ذكر كل ما سبق. ومع ذلك، فإن قيمته الرئيسية تكمن في أنه يعيد شخصية إشكالية إلى دائرة النقاش، خاصة وأن سيرة كنعان مكية ليست سيرة عراقية مغلقة على الماضي، بل سيرة عربية عن العلاقة بين المثقف والسلطة، والأخلاق والسياسة، والحلم والنتائج.