تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكّل مفتوحة، تتراجع فيها قدرة القوى التقليديّة على ضبط التوازنات، مقابل صعود أنماط جديدة من إدارة الصراع تقوم على مزيج من القوّة والدبلوماسيّة. في هذا السياق، لم تعد المنصّات الحواريّة فضاءات للنقاش فقط، بل تحوّلت إلى أدوات تعكس طبيعة النظام الإقليميّ قيد التشكّل.
يبرز “منتدى أنطاليا للدبلوماسيّة” كإحدى هذه المنصّات، إذ لم تعد وظيفته تقتصر على تنظيم الحوار، بل بات يقيس مستوى الانخراط السياسيّ للفاعلين الإقليميّين، حيث يصبح الحضور أو الغياب مؤشّراً إلى موقع كلّ طرف داخل معادلة التوازنات الجديدة.
من هنا، يكتسب غياب إسرائيل عن منتدى أنطاليا خلال السنوات الأخيرة دلالات تتجاوز البعد البروتوكوليّ ويطرح سؤالاً أكثر عمقاً لا يتعلّق بموعد العودة بقدر ما يرتبط بشروطها: هل يمكن إعادة إدماجها دبلوماسيّاً في ظلّ استمرار التصعيد؟ وهل تعكس هذه العودة، إن حدثت، تحوّلاً حقيقيّاً في سلوكها أم إعادة تموضع داخل صراع لم تُحسم مآلاته بعد؟
بالتوازي مع التصعيد العسكريّ، تتبلور في الإقليم محاولات لإعادة إنتاج أدوات توازن عبر مسارات دبلوماسيّة غير تقليديّة تقوم على تنسيق مرن بين دول محوريّة مثل تركيا والمملكة السعوديّة ومصر، إلى جانب حضور قوى آسيويّة صاعدة كالصين والهند. يعكس هذا التحوّل انتقالاً تدريجيّاً من دبلوماسيّة التحالفات الصلبة إلى دبلوماسيّة المنصّات، حيث تُدار الأزمات عبر شبكات متعدّدة المستويات بدل الاصطفافات التقليديّة، ضمن سياق أوسع يقوم على إدارة عدم الاستقرار بدل تثبيت التوازنات.
ضمن هذا الإطار، لم يعد النفوذ يُقاس بقدرة طرف واحد على الحسم، بل بمدى قدرة الفاعلين على التكيّف داخل بيئة إقليميّة مفتوحة ومتغيّرة، تتّسم بإدارة مستمرّة للتناقضات.
في المقابل، تتحرّك إسرائيل وفق منطق يقوم على التصعيد كأداة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بها، من خلال ضربات متواصلة وتوسيع نطاق المواجهة في غزّة ولبنان وسوريا. يعكس هذا النمط اعتماداً متزايداً على القوّة كوسيلة لإنتاج الوقائع على الأرض، أكثر ممّا يعكس استجابة أمنيّة ظرفيّة، وهو ما يحدّ من مساحات التفاعل الدبلوماسيّ التقليديّ معها.
من هنا، لا تضع المقاربة إسرائيل في موقع الطرف المنخرط في بؤر توتّر متعدّدة فحسب، بل تجعل من الصعب إدماجها في منصّات دبلوماسيّة تقوم أساساً على خفض التوتّر وإدارة الصراع ضمن حدود قابلة للاحتواء.
هكذا يتقاطع السلوك الميدانيّ مع الحضور الدبلوماسيّ فلا يصبح الغياب عن مثل هذه المنتديات قراراً سياسيّاً أو ظرفيّاً بل نتيجة مباشرة لطبيعة الدور الذي تمارسه.
أسباب غياب إسرائيل
لا يمكن تفسير غياب إسرائيل عن منتدى أنطاليا بوصفه نتيجة قرار بروتوكوليّ أو ظرف سياسيّ عابر، بل هو انعكاس لتحوّل أعمق في طبيعة القبول الإقليميّ داخل المنصّات الدبلوماسيّة.
أدّى اتّساع رقعة التصعيد، من غزّة إلى لبنان وسوريا وصولاً إلى إيران، إلى تقليص هامش إدماج إسرائيل في فضاءات يُفترض أنّها قائمة على الحوار لا على إدارة الصراع المفتوح. مع تعدّد الجبهات، تصبح كلفة الحضور السياسيّ أعلى من مردوده الدبلوماسيّ.
في هذا السياق، لم يعد يُنظر إلى إسرائيل كفاعل طبيعي داخل منظومات الحوار الإقليميّ، بل كطرف مركزيّ في بؤر توتّر متعدّدة، وهو ما ينعكس على مستوى تمثيلها أو غيابها عن هذه المنصّات. يترتّب على ذلك أنّ إدماجها في أيّ مسار حواريّ إقليميّ لم يعُد مشروطاً بموقعها السياسيّ أو علاقاتها الثنائيّة فقط بل وبمدى قدرتها على تعديل نمط سلوكها في إدارة الصراع.
سيناريوات عودة إسرائيل إلى منتدى أنطاليا
لا يمكن مقاربة مسألة عودة إسرائيل إلى منتدى أنطاليا بوصفها خطوة دبلوماسيّة معزولة، بل باعتبارها مؤشّراً إلى مستوى التوازن داخل الإقليم. من هذا المنطلق، تتعدّد سيناريوات العودة وفق طبيعة المرحلة السياسيّة والأمنيّة:
– السيناريو الأوّل: عودة تدريجيّة مشروطة بالتهدئة، حيث يرتبط هذا المسار بانخفاض مستوى التصعيد في الجبهات الساخنة، وخصوصاً في غزّة ولبنان، بما يسمح بإعادة إدماج إسرائيل تدريجاً داخل المسارات الدبلوماسيّة دون كلفة سياسيّة مرتفعة.
– السيناريو الثاني: عودة محدودة أو غير مباشرة عبر تمثيل منخفض المستوى أو قنوات غير رسميّة، بما يحافظ على الحدّ الأدنى من التواصل دون حضور دبلوماسيّ كامل.
– السيناريو الثالث: استمرار الغياب ضمن تعدّديّة المنصّات في ظلّ صعود منصّات موازية، فيصبح الغياب ممكناً من دون عزلة كاملة بل إعادة توزيع لأدوات الحضور الإقليميّ.
في جميع هذه الحالات، لا تعكس العودة، إن حدثت، نهاية التوتّر، بل مستوى معيّناً من إدارة الصراع بدلاً من توسيعه. لا يمكن فصلها عن شبكة أوسع من الشروط السياسيّة والأمنيّة، تمتدّ من طبيعة التهدئة في الميدان إلى شكل العلاقة مع الفاعلين الإقليميّين، وفي مقدَّمهم تركيا.
لا يمكن التعامل مع منتدى أنطاليا كعامل مستقلّ في تشكيل مسار العلاقة التركيّة–الإسرائيليّة، بقدر ما هو مرآة تعكس مستوى هذه العلاقة في لحظة سياسيّة متحوّلة. المحدّد الحقيقيّ لا يكمن في المنصّة الدبلوماسيّة ذاتها، بل في البنية الأعمق التي تعيد تشكيل التوازنات الإقليميّة، من طبيعة الصراعات المفتوحة إلى أنماط التحالفات المتغيّرة، وصولاً إلى إعادة تعريف مفهوم النفوذ نفسه.
في النهاية، لا يُحسم مستقبل عودة إسرائيل إلى منتدى أنطاليا بقرار دبلوماسيّ معزول، بل يتحدّد بمدى تموضعها داخل نظام إقليميّ قيد التشكّل. عليه، لم يعد السؤال: متى تعود؟ بل في أيّ شروط وسياق يمكن أن تكتسب هذه العودة معناها؟ هل تكون جزءاً من خفض التوتّر أم إعادة تموضع داخل صراع مفتوح؟
