ليست الثمانينيات سترة رياضية يتناوب فيها البنفسجي والبرتقالي مع الأزرق المخضر، وليست شعراً منفوشاً وحمرة شفاه فاقعة، ليست المسجّلة ذات البابين والقمصان المشجّرة، ولا كوكتيل المارغريتا، ولا تحوّل السيكلما من خطأ مصبغة إلى لون دارج. هذا ما شاءه “التريند”، وهذه هي السطحية التي تفهم بها الخوارزميات الأشياء، وتقدّمها للأجيال الجديدة أنها العالم.
أنا من الجيل الذي عاش فتوته وأول شبابه في الثمانينيات، وأعرفها كما أعرف جلدي، وهذه الأشياء التي تتقافز في وجهي منذ شهر ليست الأشياء التي أذكرها عن شبابي، وعن الحقبة التي تدعي أنها تستعيدها.
فعلياً غابت البناطيل ذات الكسرات العلوية من ذاكرتي، لكنّي أذكر جيداً زفاف الأميرة ديانا، وعبورها بكامل بهائها في عربة مكشوفة تجرّها الخيول من كاتدرائية القديس بولس إلى قصر باكنغهام، وأذكر انفجار مكوك الفضاء تشالنجر بعد ثوانٍ من انتهاء العد، أذكر أن محمد فارس كان أول سوري يصعد إلى الفضاء، ولخضر بلومي أول جزائري يُحرز هدفاً في مرمى ألمانيا الغربية في كأس العالم، ونجيب محفوظ أول عربي يحصل على جائزة نوبل للآداب.
الثمانينيات، كما عشتها، ليست تسريحة الأسد، بل هي الحقبة التي انفجر بها مفاعل تشيرنوبيل، وعاش العالم لأشهر رعب انتقال الإشعاعات النووية إلى كل مكان، وشاهدنا على التلفزيون 500 ألف إثيوبي يموتون من الجوع، ونصف مليون عراقي يموتون في الحرب مع إيران، وعرفنا أخيراً أن الوباء الغامض الذي يقتل الناس في كل أنحاء العالم ناتج عن فيروس سميناه الإيدز والسيدا، وودّع محمود درويش بيروت مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية بمديح الظل العالي، وعرفنا فرداً عظيماً من نوعنا اسمه الدالاي لاما، ورأيناه يتسلّم جائزة نوبل للسلام.
ليست المسجلة هي الحدث في ذلك العقد، بل الفيديو كاسيت، الذي غيّر العالم إلى الأبد، وانطلقت فيه قناة MTV لتقدم الأغنية المصوّرة، ولتجبر كل أغاني العالم بعدها على تصوير فيديو كليب. وهو العقد الذي اجتاح فيه مكعب روبيك العالم، وانتشر بين جيل المراهقين أكثر من إنستغرام اليوم.
في الثمانينيات، كتب أمبرتو إيكو “اسم الوردة”، وكتب ماركيز “حبّ في زمن الكوليرا”، وسلمان رشدي “آيات شيطانية”، وهاروكي موراكامي “الغابة النرويجية”، وإيزابيل الليندي “بيت الأرواح”، وميلان كونديرا “خفة الكائن التي لا تحتمل”، وستيفن هوكينغ “تاريخ موجز للزمن”. صنعت “IBM” جهاز الكمبيوتر المكتبي، وبدأت شبكة الويب، واخترعت المواصلات الفائقة، وتقنيات فحص الـ”DNA”، اكتشفنا ثقب الأوزون وانتبهنا إلى ما نفعله بكوكبنا.
أكثر الصور العالقة بذهني من تلك الأيام رجل يقف وحيداً أمام الدبابات في ساحة تيانمين في بكين، ومايكل جاكسون يسقط إلى الأمام حتى تنخلع قلوبنا خوفاً عليه قبل أن يعود إلى الاستقامة، وهو يملأ الكوكب بالبهجة، شبّان ألمان يهوون بالمطارق على جدار برلين، ثم يحطّمونه، قطرات عرقٍ تسيل على الوحمة التي تشبه خريطة العالم فوق رأس غورباتشوف وهو يعلن نهاية الشيوعية والحرب الباردة، شارون في حي الأشرفية ببيروت، أنور السادات يهوي على المنصّة برصاصات أتت من ساحة العرض، أطفال فلسطينيون يلقون الحجارة على الدبابات الإسرائيلية، مارسيل حرّو نجمة فرقة كركلا جالسة على الأرض تحرّك يدها بنصف دائرة وهي تغني: “لحلحني وانا لحلحلتو”، عادل إمام يكسر الخزف في مسرحية الواد سيد الشغّال، جثث مكدّسة في مخيم صبرا وشاتيلا، صور متخيّلة لم توثقها الكاميرات لمجازر أفظع في حماة، عزيزة جلال بنظارتها الكبيرة تغني “مستنياك”، وعلي الحجار يغنّي “من غير ما تتكلمي”، جثة نيكولاي تشاوسيسكو ديكتاتور رومانيا وجثة زوجته إلينا بعد تنفيذ حكم الإعدام السريع.
على المستوى الشخصي، لا أذكر جيداً قميصي الأصفر ذا الياقة البنّية، لكني أذكر أنني أردتُ أن أصبح صحافياً، وبدأت بتعلّم هذا وفعله، وفي الثمانينيات أيضاً قلت لفتاة ذات جديلتين ثخينتين إنني أحبها، فخجلت ولم ترد، لكنها فيما بعد أنجبت معي ولي ولدين.
لذلك كله، شيء صغير أغفله “تريند” الثمانينيات عن الثمانينيات، هو الثمانينيات.