
بدأت الصين صعودها الحقيقي حين قرر رجل نشأ على الهزيمة أن يجعل منها وقوداً لا جرحاً (اندبندنت عربية – علاء رستم)
ما الذي نعرفه فعلاً عنه؟ نعرف المنصب والخطاب والقرار الرسمي، لكن خلف الصورة الرسمية الجامدة في وسائل الإعلام الصينية، ثمة كائن سياسي شديد التركيب، يفكر بمنطق الأجيال لا بمنطق الأسابيع، ويرى نفسه حارس الحضارة الصينية لا مجرد رئيس لدولة.
في عالم يتابع فيه الملايين كل تغريدة وكل تصريح لقادة يملأون الشاشات ضجيجاً، يقف رجل واحد على النقيض من ذلك كله، في صمت مقصود ورصانة محسوبة، يحكم أكثر من مليار و400 مليون إنسان، ويتحكم في مصائر العالم من مسافة بعيدة، وبأقل قدر ممكن من الصخب. هذا الرجل هو شي جينبينغ، وعلى الأرجح هو الشخصية السياسية الأكثر تأثيراً في القرن الـ21، والأقل فهماً في الوقت ذاته.
ثمة مفارقة عميقة في سيرة الرجل، فالزعيم الذي يجسد اليوم أعلى مستويات من السلطة المركزة في التاريخ الصيني الحديث، بدأ حياته على الطرف الآخر تماماً من معادلة القوة.
فهو ابن مسؤول كبير اقتيد ذات يوم إلى ملعب الشعب في شيان، وعلقت في رقبته لافتة تفيد بأنه “معادٍ للثورة”، فيما وثقت ذراعاه خلف ظهره، وانتهت الجلسة بطلاب الحزب يهوون عليه ضرباً أمام الجموع.
وهو الطفل الذي وصم بأنه “مادة سوداء” بسبب نسبه لا بسبب جريمة ارتكبها (مصطلح استخدم في الصين إبان الثورة الثقافية 1966-1976)، والمراهق الذي نفي في الـ15 من عمره إلى قرية نائية شمال غربي الصين، وسجن أربع مرات خلال الثورة الثقافية، وفي إحدى تلك المرات أصيب بالبراغيث، وورد ذلك في شهادة شخصية أدلى بها عام 1996.
ثم جاءت المرحلة الأكثر إيلاماً حين أراد الانتساب إلى الحزب الذي سحق أباه، فرفض عشر مرات متتالية بسبب الوصمة السياسية الملتصقة باسم عائلته، قبل أن يقبل في النهاية عام 1974.
ولو أن سيرة أي رجل آخر تضمنت كل ذلك، لكانت مادة كافية لتبرير رفضه للنظام الذي أذله، لكن شي جينبينغ لم يفعل شيئاً من ذلك، فبدلاً من أن يجعل من محنته منطلقاً للثورة على النظام أو الهرب منه، جعل منها وقوداً للصعود إلى القمة.
ما الذي نعرفه فعلاً عنه؟ نعرف المنصب والخطاب والقرار الرسمي، لكن خلف الصورة الرسمية الجامدة في وسائل الإعلام الصينية، ثمة كائن سياسي شديد التركيب، يفكر بمنطق الأجيال لا بمنطق الأسابيع، ويرى نفسه حارس الحضارة الصينية لا مجرد رئيس لدولة.
الرجل الذي ولد عام 1953 في ظل جمهورية ماو، وعاش طفولة مكسورة تحت وطأة الثورة الثقافية، وأرسل إلى الريف النائي في الـ15 من عمره ليحمل التراب ويشق الأرض ويعرف معنى الجوع، هو نفسه الرجل الذي يجلس اليوم على قمة السلطة الأكثر شمولاً في التاريخ الصيني الحديث.
هذا التناقض الجوهري في سيرته هو الخيط الذي يربط كل شيء في شخصيته: الصلابة التي اكتسبها من المحنة، والمرارة التي تحولت إرادة فولاذية، والخوف من الانهيار الذي حوله إلى هوس بالنظام والسيطرة.
ثمة حقائق عن شي لا يعرفها كثر، فالرجل الذي يبدو في المشاهد الرسمية صارماً منضبطاً، هو في حياته الخاصة قارئ نهم لا يكاد ينفصل عن الكتب، صرح بنفسه عام 2013 قائلاً “لدي هوايات كثيرة، لكن القراءة أكثرها حضوراً في حياتي، وقد أصبحت أسلوب حياة بالنسبة إليَّ”.
وحين أرسل إلى قرية ليانغ جياخه شاباً، كان يحمل حقائب ثقيلة مليئة بالكتب، وهناك انغمس في الكلاسيكيات الأدبية العالمية وما كان يستعيره من الجيران. وفي مرحلة لاحقة من حياته، كان يعلن في مقابلاته قراءته لبوشكين وغوغول وتولستوي وديستويفسكي وتشيخوف، وحين زار فرنسا ذكر أنه قرأ مونتسكيو وفولتير وروسو وديدرو وسارتر وغيرهم، في ثقافة موسوعية قلما يشار إليها في الكتابات عنه.
يصفه دبلوماسيون ورجال أعمال ومسؤولون التقوه، بأنه مؤدب ومتزن وحسن الاستماع. وهذه الصفة الأخيرة، أي الإنصات الحقيقي، نادرة في عالم الزعماء المتشنجين الذين يتحدثون أكثر مما يسمعون، لكن من يعرفه عن قرب يدرك أن هذا الإنصات ليس دليل ضعف أو لياقة اجتماعية فحسب، بل هو تقنية ذكية للإحاطة بالخصم، وفهمه، والتحكم فيه.
حتى بعدما أصبح الزعيم الأعلى للصين، احتفظ شي بعاداته التقشفية، إذ كان يأكل الطعام الذي يعد في المنزل والأطباق المحلية البسيطة، وفي مرحلة مبكرة من مسيرته كان ينام في مكتبه لأكثر من ثلاثة أعوام على مرتبة قديمة خيطتها أمه.
هذا الزهد في اللذات الشخصية لا يتناسب مع صورة الديكتاتور الكلاسيكي الباحث عن الترف والهيمنة، بل يرسم صورة رجل تشكلت شخصيته من القسوة لا من الرخاء، ومن الحرمان لا من الامتياز.
يتجاوز طوله 180 سنتيمتراً، وهو ما يجعل حضوره الجسدي لافتاً بين القادة الآسيويين عادة، ويحمل ابتسامة جاهزة ويبدو ذا شخصية طاغية، لكنه يحسن إخفاء حرارة هذه الشخصية خلف برود مدروس حين تستدعي اللحظة ذلك.
وقد شهدنا لمحات نادرة من مزاجه الحقيقي في لقاءات دبلوماسية مسربة، من بينها مواجهته الباردة لرئيس الوزراء الكندي ترودو، حين وبخه أمام الكاميرات بسبب تسريب محادثات خاصة.
والأكثر إثارة للاهتمام أن شي التقى الرئيس الروسي أكثر من 40 مرة منذ توليه السلطة عام 2012، وقد وصفه بأنه “صديق عزيز”، لكن محللين ومتخصصين يرون أن هذه الصداقة غير متكافئة، وأن الصين تمثل الشريك الأقوى في المعادلة، لا العكس.
هذه العلاقة تكشف عن جانب آخر في شخصية شي: يستثمر العلاقات الشخصية ويصنع من الدفء الإنساني أداة استراتيجية، لكنه لا يتورط عاطفياً على حساب مصالح بلاده.
فهم هذا الرجل ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة للإمساك بخيوط ما يجري في العالم. وهذه الطبقات المتشابكة هي ما نسعى إلى تشريحها، في محاولة لقراءة شخصية قد تحكم العالم يوماً ما.
الجذور
لفهم شي جينبينغ، لا بد من فهم أبيه أولاً، شي تشونغشون لم يكن مجرد رجل بارز في الحزب الشيوعي الصيني، بل كان بطلاً ثورياً من الجيل المؤسس، شارك ماو تسي تونغ في بناء الجمهورية الوليدة عام 1949، وترقى إلى منصب نائب رئيس الوزراء.
لكن ماو الذي رفع هذا الأب، هو نفسه الذي أسقطه عام 1962 حين طاولته الاتهامات بالانحراف عن نهج الحزب، فاعتقل وأجبر على ممارسة نقد ذاتي مهين، وعمل في مصنع جرارات أعواماً طويلة قبل أن يعاد تأهيله السياسي عام 1978.
هذا الإرث الأبوي المزدوج، بطولة أولى ثم نكبة، هو الأرض التي نبت فيها شي جينبينغ. وحين جاءت الثورة الثقافية عام 1966 وأطلق ماو آلة الإذلال الجماعي بحثاً عن “ممثلي البرجوازية” داخل الحزب، وجد شي الابن نفسه في موقع مزدوج الخطورة: ابن مسؤول فقد ثقة الحزب، و”عدو طبقي” بحكم الدم والنسب.
ما مر به شي الشاب في تلك المرحلة يتجاوز ما يروى عادة في السياق الرسمي، فقد قال هو نفسه عام 1996 بأنه “عانى أكثر من معظم الناس”، إذ سجن أربع مرات، وتعرض للإدانة العلنية في أكثر من 12 “جلسة مراجعة” كانت نوعاً من الإذلال الجماعي المنظم للأشخاص الذين عدوا “أعداءً طبقيين”، وعاش الجوع، وأصيب بالبراغيث في السجن وهو في الـ15 من عمره.
لكن الأشد إيلاماً في هذه الحقبة هو ما رواه المؤرخ البريطاني مايكل شيريدان في كتابه “الإمبراطور الأحمر: شي جينبينغ والصين الجديدة” حين فر شي الشاب ذات ليلة ماطرة من السجن وركض عبر أزقة بكين طالباً اللجوء إلى منزل أمه، رفضته هي خوفاً على بقية الأسرة، إذ كانت تعلم أن المنزل يخضع للمراقبة، وأبلغت السلطات بهربه.
هذا الخذلان في لحظة الضعف المطلق لم يترك أثراً مرئياً في تصريحات شي العلنية، لكن محللين نفسيين درسوا شخصيته يرون فيه عاملاً مؤسساً في بناء صلابته الداخلية وبرودته العاطفية في لحظات الأزمات.
عام 1969 أرسل شي البالغ 17 سنة، إلى قرية ليانغ جياخه النائية في مقاطعة شنشي، في إطار سياسة “الصعود إلى الجبال والنزول إلى القرى” التي فرضتها الثورة الثقافية.
وهناك قضى سبعة أعوام كاملة يعمل في الزراعة وحفر الآبار ونقل الحبوب، بعيداً من الأسرة وعن العاصمة وعن أي أفق واضح. واللافت أنه حمل معه حقائب ثقيلة مليئة بالكتب إلى تلك القرية الفقيرة، وانغمس في قراءة الكلاسيكيات العالمية.
تلك الأعوام السبعة في الريف أفرزت شيئاً مزدوجاً في شخصية شي: من جهة، منحته الصبر الاستراتيجي الذي يميزه عن كثير من القادة المتسرعين، فالرجل الذي عاش سبعة أعوام لا يعرف متى ينتهي منفاه، اكتسب مقدرة فطرية على الانتظار من دون أن يلجمه ذلك. ومن جهة أخرى رسخت فيه تلك الأعوام خوفاً عميقاً من الفوضى، من عالم تتقلب فيه سلطة الفرد بمزاج الأيديولوجيا ونزوات القائد الواحد.
وهذا الخوف هو ما يفسر هوسه بالنظام والانضباط وترسيخ المؤسسات حتى حين تبدو هذه الخطوات متعارضة مع المزاج الشيوعي الأصيل.
بعد سبعة أعوام في الريف، عاد شي إلى بكين والتحق بجامعة تسينغ هوا العريقة ليدرس الهندسة الكيماوية، ومن ثم واصل دراسة متأخرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية وحصل على الدكتوراه في القانون.
لكن الأهم من الشهادات الأكاديمية ما نسجه من ثقافة ذاتية موسوعية: فقد قال إنه قرأ للكتاب الروس الكبار، وقرأ للفلاسفة الفرنسيين، ويستشهد في خطاباته العلنية والداخلية بالشعراء والمؤرخين الصينيين الكلاسيكيين من دو مو إلى سيما تشيان. هذا التنوع المعرفي يجعل شي أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به صورته الرسمية الجامدة.
.
في حياته الشخصية، تزوج عام 1987 من بنغ ليوان، المغنية الصينية الذائعة الصيت والجنرال في جيش التحرير الشعبي الصيني، وأنجبا ابنتهما الوحيدة شي مينغتسه التي درست لاحقاً في جامعة هارفرد الأميركية.
واللافت أن بنغ ليوان كانت في مرحلة معينة أشهر من زوجها في الصين، وهو ما يضيف إلى صورة شي بعداً إنسانياً غير متوقع في زعيم مرتبط في أذهان الناس بالصرامة والهيمنة.
وقبل عام 1985 زار شي الولايات المتحدة وعاش فترة مع عائلة أميركية عادية في ولاية آيوا، وحين عاد إليها عام 2012 رئيساً منتخباً، زار منزل تلك العائلة في إيماءة لافتة، مظهراً أن الذاكرة الإنسانية في داخله لم تتوار تماماً خلف القيافة الرسمية.
الصعود إلى القمة
الصعود السياسي لشي هو بحد ذاته درس في الاستراتيجية السياسية، فالرجل لم يقفز إلى القمة بانقلاب أو كاريزما ثورية أو دعم أيديولوجي مباشر، بل تسلق إليها درجة درجة على مدى ثلاثة عقود كاملة، يتعلم في كل محطة ما تحتاج إليه المحطة التالية، ويكسب في كل موقع ثقة إضافية من دون أن يشعل صراعاً قبل أوانه.
بدأ مسيرته السياسية عام 1982 نائباً لسكرتير الحزب في مقاطعة خبي الشمالية، وكان آنذاك يرتدي زياً عسكرياً قديماً وينام في مكتبه على مرتبة خيطتها أمه، وهي تفاصيل باتت جزءاً من الأسطورة الرسمية عنه، لكنها في الوقت ذاته تعكس نمطاً حقيقياً من التقشف الشخصي يكاد يكون نقيض الصورة النمطية للزعيم الشيوعي الآسيوي الباحث عن الترف.
وعام 1985 انتقل إلى مقاطعة فوجيان الساحلية القريبة من تايوان، وهناك قضى ما يزيد على 17 عاماً في مناصب متصاعدة، بدءاً من نائب عمدة مدينة شيامن حيث طرح مشاريع لتحسين البنية التحتية رفضت في البداية من سلطات المقاطعة، مروراً بنينجدي حيث نجح في مشاريع خدمية حسنت المواصلات والطرق، ثم وصل إلى منصب حاكم المقاطعة عام 2000.
ما يلفت في هذه المرحلة الطويلة من مسيرته أن شي اشتهر بالكفاءة الهادئة لا بالطموح الصاخب. كان ينجز ما يطلب منه، ويضيف إليه بصمة عملية واضحة، من دون أن يدفع الآخرين إلى الإحساس بأنه ينافسهم على مراكزهم. وهذا الفن في إخفاء الطموح الكبير خلف وجه متعاون هادئ، هو تحديداً ما أوصله إلى حيث أراد.
انتقل إلى مقاطعة تشجيانغ عام 2002، ذات الحيوية الاقتصادية الاستثنائية، وفي هذه المحطة تضاعفت الاستثمارات الصناعية الخاصة أربع مرات، ثم جاء تعيينه عام 2007 سكرتيراً للحزب في شنغهاي، المركز المالي الأبرز في الصين، في أعقاب فضيحة فساد كبرى هزت قيادة المدينة.
وكان هذا التعيين في السياق بالغ الدلالة: الحزب المركزي اختار رجلاً معروفاً بنظافة يده لإعادة الهيبة إلى مدينة ملطخة بالفضائح، مما يكشف عن أن شي بنى سمعته على النزاهة الشخصية قبل أن يبنيها على الفكر الأيديولوجي أو المناورة السياسية.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 تولى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، قبل أن ينتخب رئيساً لجمهورية الصين الشعبية في مارس (آذار) 2013.
وفي خطابه الأول عرض “الحلم الصيني”: رؤيته لصين واثقة وقوية تنعم بالرخاء في ظل هيمنة الحزب. والأهم في ذلك الخطاب أنه كان شخصياً بصورة غير مسبوقة في السياق الصيني: رجل يتحدث عن رؤية بصوت مفرد واضح، لا مجموعة تتحدث بصوت جماعي ضبابي.
الثورة الذاتية
منذ أن أصبح شي جينبينغ زعيماً للصين عام 2012، شن حملة تطهير وصفها المراقبون بأنها الأوسع والأشد في التاريخ الصيني منذ عقود، إذ طاولت ملايين الكوادر وامتدت إلى قادة كبار كان يعتقد أنهم بمنأى عن المساءلة.
وعام 2025 وحده رفعت السلطات التأديبية في الحزب الشيوعي الصيني أكثر من مليون قضية، أي بزيادة تقارب سبعة أضعاف مقارنة بالعام الذي تولى فيه شي السلطة.
لكن الفهم الحقيقي لهذه الحملة يستوجب تجاوز القراءة السطحية التي تختزلها في تصفية الخصوم. ففي يناير (كانون الثاني) 2025 أقال فجأة الجنرالين البارزين تشانغ يوشيا وليو تشنلي، مما أدى إلى إضعاف اللجنة العسكرية المركزية.
وفي أبريل (نيسان) 2025 وضع ما جينغروي، أمين الحزب السابق في منطقة شينجيانغ، قيد التحقيق. وللمرة الأولى منذ الحقبة المضطربة التي أعقبت وفاة ماو، سقط ثلاثة أعضاء من المكتب السياسي خلال دورة قيادية واحدة ممتدة خمسة أعوام.
والتفسير الشائع لعمليات التطهير، أن شي يسعى إلى تهميش منافسيه وترسيخ سلطته. وفي ذلك درجة كبيرة من الصحة: فإطاحة القادة الكبار الفاسدين المرتبطين بسابقيه جيانغ زيمين وهو جينتاو ساعدته في كسب الدعم الشعبي، وتركيز عملية صنع القرار، ومهد له في نهاية المطاف الطريق نحو البقاء في الحكم مدى الحياة.
غير أن هذا التفسير غير كاف، فما بدأ كحملة لمكافحة الفساد تحول إلى جهاز واسع لإدارة الكوادر وفرض الأولويات السياسية ومراقبة تنفيذ السياسات. وشي نفسه يقدم مشروعه تحت عنوان أعمق وأكثر طموحاً: “الثورة الذاتية” للحزب، أي مطلبه بأن يحكم الحزب نفسه بصرامة، ويصحح مشكلاته بنفسه، ويحافظ على نقائه الأيديولوجي.
والسياق التاريخي للفساد في الصين يمنح هذه الحملة أبعاداً لا تحتمل الاختزال السياسي، فمنذ حقبة ما بعد ماو تسي تونغ، جرى التسامح مع الفساد بدرجة لافتة لأن الرشوة في مقابل النفوذ ساعدت في تسهيل سعي بكين إلى تحقيق النمو الاقتصادي السريع.
وفي برقية صادرة عن السفارة الأميركية عام 2009 استناداً إلى محادثة مع “صديق مقرب سابق” لشي، وصف الأخير بأنه كان يشعر باشمئزاز من استغلال المناصب لتحقيق مصالح شخصية وعبادة المال اللذين رآهما بين زملائه في الحزب.
ولم تكن هذه مشاعر أخلاقية فحسب، بل مخاوف سياسية وحوكمية عميقة، ففي عام 2008، خلف زلزال سيتشوان أكثر من 87 ألف ضحية بين قتيل ومفقود، وتحول الثناء الشعبي على سرعة استجابة الحكومة إلى غضب عارم حين تبين أن أكثر من 19 ألف طفل ومعلم لقوا حتفهم في مدارس انهارت بسبب رداءة البناء.
وأشارت دراسة على المباني المتضررة إلى أن المشاريع التي شيدت حين كانت للمسؤولين صلات محلية برؤسائهم كانت أكثر عرضة للانهيار بنسبة 75 في المئة، مما يعني أن الفساد لم يكن يهدد صورة الحزب فحسب، بل كان يقتل الناس بشكل حرفي.
حين تولى شي الحكم، دفع المكتب السياسي سريعاً إلى تبني “لائحة النقاط الثماني” التي حدت من إنفاق المسؤولين الباذخ عبر تقييد الولائم الفاخرة والرحلات الرسمية الباذخة والمركبات الفارهة والهدايا الباهظة الثمن.
وعزز دور “اللجنة المركزية لفحص الانضباط” بإلغاء مهامها الثانوية، ومنح هيئات الانضباط ذات المستوى الأعلى سيطرة أكبر على تعيين مسؤولي الانضباط المحليين، وتمكين فرق التفتيش المركزية من إجراء عمليات تدقيق شاملة.
وقد طاولت الحملة شخصيات كانت تبدو محصنة: لينغ جيهوا، أبرز مساعدي هو جينتاو، وسون زينغ كاي، العضو في المكتب السياسي الذي كان ينظر إليه سابقاً كخليفة محتمل لشي، وتشو يونغ كانغ، العضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، وغو بوشيونغ وشو كاي هو، وهما من كبار النافذين في جيش التحرير الشعبي الذين بنوا شبكات نفوذ واسعة وفاسدة من المحسوبية داخل المؤسسة العسكرية.
وما يروى عن تشو يونغ كانغ تحديداً يجسد أعمق ما وصل إليه الفساد: صودرت أصول تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، منها مئات الشقق و60 سيارة فارهة ومقتنيات من الذهب والفضة والمجوهرات والتحف ومبالغ نقدية ضخمة بعملات أجنبية.
وعام 2018 أنشأت الهيئة التشريعية الصينية “اللجنة الوطنية للرقابة”، هيئة جديدة لمكافحة الفساد تعمل جنباً إلى جنب مع “اللجنة المركزية لفحص الانضباط”، وتوسع نطاق رقابتها ليشمل جميع الموظفين العموميين سواء كانوا أعضاء في الحزب أم لا. هذا الإصلاح الهيكلي يكشف عن أن شي يبني جهازاً مؤسسياً مدمجاً للرقابة لا يعتمد على حملات موسمية، بل يكرس الانضباط بوصفه نمطاً يومياً للحكم.
والسؤال الجوهري هنا: هل ستنجح الثورة الذاتية؟ إذا نجحت، فقد تجعل الحزب الشيوعي الصيني مؤسسة أكثر فاعلية واستدامة قادرة على حكم الصين إلى أجل غير مسمى بصرف النظر عمن يتولى القيادة، وهو رهان تاريخي بالغ الجرأة. أما إذا أخفقت، فالخطر الأكبر هو شلل بيروقراطي ينتج مسؤولين يتحاشون المبادرة خوفاً، لا يعملون بفاعلية.
الأيديولوجيا والفكر
“فكر شي جينبينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد” هو الاسم الرسمي للإطار الأيديولوجي الذي أدرج في دستور الحزب الشيوعي عام 2017 ثم في دستور الدولة عام 2018. وشي هو بذلك أول زعيم صيني منذ ماو تسي تونغ تدرج أيديولوجيته باسمه في الدستور وهو لا يزال في السلطة.
لكن ما الذي يؤمن به شي فعلاً؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة، فشي رجل قرأ ماركس ولينين وستالين وماو، لكنه قرأ أيضاً دو مو ومنسيوس وكونفوشيوس والفلاسفة الغربيين.
والأيديولوجيا عنده ليست نصاً مغلقاً، بل مزيج حي تتشابك فيه الماركسية اللينينية مع القومية الصينية والتراث الكونفوشيوسي في توليفة يصعب مقاربتها بمقاييس الأيديولوجيات الكلاسيكية.
والأهم في فهم أيديولوجية شي هو الخيط الذي يربطها جميعاً: هاجس الانهيار، إذ يرى في التاريخ الصيني نمطاً متكرراً: الأسرات الحاكمة تصعد وتبلغ ذروتها ثم تترهل وتصاب بالفساد وتنهار. وهو يؤمن إيماناً راسخاً بأن هذا النمط التاريخي يمكن كسره عبر الانضباط الداخلي المستمر والثورة الذاتية، لا عبر الإصلاح السياسي أو التعددية.
في خطاب ألقاه عام 2018 أمام كبار الكوادر، اقتبس مطولاً من مقالة الشاعر الكلاسيكي دو مو من القرن التاسع حول سقوط سلالة تشين، التي تحمل الإمبراطور الأول مسؤولية استغلال الشعب والانغماس في الترف.
ومن ثم استعرض أعمار أكثر من 12 سلالة إمبراطورية صينية، مشيراً إلى أن حتى أقواها باتت متراخية وراضية عن نفسها في نهاية المطاف، فسقطت بسبب الفساد أو الانحلال أو التمرد. هذه الاستشهادات التاريخية ليست مجرد زينة خطابية، بل تكشف عن رجل يفكر بمنطق الأجيال والسلالات، لا بمنطق الدورات الانتخابية.
والدرس الأكثر إلحاحاً في فكره، انهيار الاتحاد السوفياتي، ففي بداية ولايته قال في معرض تشريحه لهذا الانهيار “لم يكن أحد يملك الشجاعة الكافية” لإيقاف إصلاحات غورباتشوف الفاشلة لأنهم فقدوا الإيمان بالشيوعية، وأضاف أن الحزب الشيوعي السوفياتي “انفصل عن الشعب وأصبح جماعة بيروقراطية تتمتع بامتيازات ولا تحمي إلا مصالحها الخاصة”.
ومن هنا تنبع “الثورة الذاتية”: فالفساد الداخلي، لا التهديد الخارجي، هو شغله الشاغل. وهو يرى إجابته الخاصة على السؤال الذي يقلق كل حاكم شيوعي: كيف يمكن للحزب أن يبقى ذا صلة بالشعب ومستجيباً لمتطلبات الحكم بعد عقود من الهيمنة؟ ومن يصوغ هذا الفكر ويترجمه إلى سياسات ومبادرات؟
هنا يبرز اسم لا تتداوله الصحف كثيراً، لكنه يعد من الشخصيات المفتاحية لفهم الصين المعاصرة: وانغ هونينغ (Wang Huning)، عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، الذي تصفه وسائل إعلام غربية، بينها صحيفة نيويورك تايمز، بأنه “العقل الأيديولوجي” الذي أسهم في صياغة الرؤية السياسية لثلاثة زعماء صينيين متعاقبين”.
وانغ هو صاحب مصطلح “الحلم الصيني” الذي يرافق عهد شي، وصاحب مبادرة الحزام والطريق التي طرحها كإطار استراتيجي شامل، وصاحب ما يعرف بـ”القرار التاريخي الثالث” الذي ينص على أن قيادة شي جينبينغ هي مفتاح التجديد للأمة الصينية. يلقبه المراقبون بـ”هنري كيسنجر الصين”، وتأثيره في شي يضاهي ما كان لألكسندر دوغين على بوتين، وإن كان وانغ أكثر هدوءاً وأقل جدلية من الفيلسوف الروسي.
ظل ماو والإرث المزدوج
لا تستقيم قراءة شي جينبينغ بمعزل عن ماو تسي تونغ، ذلك الرمز المؤسس الذي يسكن كل تفصيل من تفاصيل الهوية السياسية الصينية الحديثة. والعلاقة بين شي وإرث ماو علاقة مركبة تتشابك فيها الإجلال والنقد والإسقاط الذاتي.
من ناحية، يسبغ شي على نفسه مكانة رمزية موازية لماو: فهو أول زعيم تدرج أيديولوجيته باسمه في دستور الحزب والدولة وهو على قيد الحياة، منذ ماو. وهو يصور نفسه خليفة روحياً للثورة الكبرى لا مجرد مسؤول بيروقراطي صعد عبر السلم الحزبي.
ويشير سونغ يانغ بياو وهو صحافي حر من الماويين الجدد في بكين، إلى أن “التشابه بين ماو وشي قائم في أن كليهما أراد الصين مستقلة وقوية وجديدة، وأنه فيما حرر ماو الشعب الصيني من قمع الغرب، كرس شي نفسه لمنح الصين صوتاً أقوى على الساحة العالمية”.
من ناحية أخرى، يدرك شي جيداً حدود هذا التشابه ولا يسعى إلى تكرار أخطاء ماو الكارثية، فماو كان مستعداً لتدمير الصين من الداخل خدمة لرؤيته الثورية، كما في الثورة الثقافية التي قتلت ملايين الصينيين وأحرقت إرثهم الثقافي، وكما في القفزة الكبرى إلى الأمام التي أحدثت مجاعة راح ضحيتها عشرات الملايين. أما شي فهو رجل النظام لا رجل الفوضى الخلاقة، يريد الهيمنة على المؤسسة من دون تدميرها.
وهنا يبرز الإرث الأبوي الآخر: إرث شي تشونغشون، الوالد الذي وصفه شي الابن في رسالة لمناسبة عيد ميلاده الـ88 بأنه “يقود حياة بالغة التقشف”، وأنه علم أبناءه “الاجتهاد والاقتصاد منذ الصغر”. هذا الإرث من القيم الشخصية للتقشف والنزاهة يميز شي من الجيل الذي سبقه من القادة الشيوعيين الذين ثروا من المناصب.
لكن التمييز الأهم بين شي وماو ما رصده سونغ يانغ بياو حين لفت إلى أن “سلطة ماو تسي تونغ بنيت بعد كفاح طويل ومضن، بينما سلطة شي جاءت عبر البيروقراطية في زمن السلم”.
هذه ملاحظة دقيقة تكشف عن أن شرعية شي الثورية مكتسبة وغير أصيلة بالمعنى التاريخي، وهو ما يلزمه ببذل جهد مضاعف لإثباتها عبر الإنجازات والخطاب المستمر.
سؤال الفكر والسلطة
في تقرير لافت بصحيفة “نيويورك تايمز”، رسم الصحافي ديفيد بيرسون صورة غير مألوفة لشي جينبينغ بعيداً من المشاهد الرسمية الصارمة: خلف الأبواب المغلقة يظهر بوصفه “ملكاً فيلسوفاً” واثقاً من نفسه لا يتردد في توبيخ الزعماء الذين يعتبرهم أقل قوة أو انضباطاً.
هذه الصورة تستدعي سؤالاً حقيقياً: هل شي جينبينغ مفكر بالمعنى الحقيقي للكلمة؟
الإجابة المنصفة هي: هو رجل رؤية ذكي يوظف الفلسفة لخدمة السياسة، لا فيلسوف يختبر الأفكار للوصول إلى الحقيقة. فالفيلسوف الحقيقي يطرح الأسئلة على قناعاته الأعمق ويظل منفتحاً على التناقض معها، أما شي فقناعاته ثوابت يبني عليها لا يسائلها، لكن هذا لا يلغي أن فكره أكثر عمقاً واتساعاً مما يعترف به كثير من المحللين الغربيين.الوجه الفلسفي لشي يظهر في لقاءات مسربة لافتة، ففي زيارة أوباما لبكين عام 2014، فوجئ مساعدو الرئيس الأميركي بأن النقاش الخاص الطويل بينه وبين شي لم يركز على بحر الصين الجنوبي أو الملفات الأمنية، بل على العلاقة بين المجتمعات الفردية الغربية والنظم الجماعية الكونفوشيوسية. هذه الأولوية الفلسفية في اللقاء الأكثر أهمية في علاقات القوتين العظميين تكشف عن نمط تفكيري حقيقي.
وعام 2016 حين التقى شي أوباما في بيرو بعد فوز ترمب المفاجئ، وحين شرح له أوباما جذور هذا الفوز في الغضب الاقتصادي المرتبط بفقدان الوظائف الصناعية، رد شي ببرود: “إذا تسبب قائد غير ناضج في إدخال العالم بالفوضى، فسيعرف العالم من يجب أن يلومه”. هذه الجملة تكشف عن رجل يضع نفسه خارج الدراما السياسية اليومية في مقام المراقب التاريخي الذي يحكم على الأحداث من علٍ.
وفي محادثات مع بوتين في موسكو عام 2023، قال شي إن البلدين يقودان “تغييرات لم يشهد العالم مثلها منذ 100 عام”، ودار بينهما حديث حول الخلود والتقدم في التكنولوجيا الحيوية، وتوقع شي أن يتمكن البشر يوماً ما من العيش حتى 150 عاماً. هذه التفاصيل تصف رجلاً يفكر خارج الأطر الإجرائية لحاكم يومي.
تلاحظ الباحثة زونغ يوان زوي ليو من مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أن القائد الصيني ينظر إليه بوصفه “ابن السماء” المنشغل بالقضايا الفلسفية الكبرى، وهو توصيف يعكس تقليداً عميقاً في الثقافة السياسية الصينية يضع الزعيم الأعلى وصياً فلسفياً على الحضارة لا مجرد مسؤول إداري، وشي يستثمر هذا التقليد باحتراف.
علاقة الصين بالعالم
حين تولى شي السلطة عام 2012 كانت الصين قوة عظمى تصعد لكنها لا تزال تنتهج مبدأ مهندس الإصلاح الصيني دينغ شياو بينغ الشهير “أخف قوتك وانتظر وقتك”، أما شي فقد أعلن ضمنياً نهاية هذه المرحلة وبداية مرحلة جديدة ترى الصين أهلاً للمطالبة بدور قيادي في النظام الدولي.على الصعيد الروسي، التقى شي بوتين أكثر من40 مرة منذ عام 2012، وأعلنا في فبراير 2022 شراكة “بلا حدود” قبل أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا. غير أن المحللين المتأنين يرون أن هذه الشراكة غير متوازنة: الصين تحتاج إلى روسيا لتشكيل جبهة دبلوماسية مضادة للضغط الغربي، أما روسيا فتحتاج إلى الصين اقتصادياً وسياسياً بشكل أعمق وأكثر وجودية في ظل العقوبات الغربية. وبحسب تقييمات دبلوماسية غربية، الصين هي الشريك الأقوى في هذه المعادلة.
وقدمت موسكو لشي خدمة استراتيجية بالغة الأهمية حين أعلنت “دعمها الثابت لمبدأ الصين الواحدة”، في إشارة واضحة إلى تأييدها الضمني لطموحات بكين تجاه تايوان. ولم يقتصر التقارب بين الطرفين على المواقف السياسية، إذ نسقت الدولتان دوريات جوية مشتركة فوق المحيط الهادئ، إلى جانب تدريبات بحرية قرب اليابان وشبه الجزيرة الكورية، في رسالة مباشرة إلى الحلفاء الأميركيين في آسيا مفادها بأن الشراكة الصينية – الروسية باتت تمتلك بعداً عسكرياً متنامياً.
أما العلاقة مع الولايات المتحدة فهي الأكثر تعقيداً والأبعد أثراً في تشكيل السياسة الصينية. فشي يؤمن بأن بكين تمثل نموذجاً بديلاً وناجعاً للحوكمة، ونقل عنه بايدن قوله إن الديمقراطيات “لا يمكن أن تستمر في القرن الـ21” لأنها تجد صعوبة في تحقيق الإجماع الوطني. هذه ليست دعاية رسمية بل قناعة فلسفية راسخة، مما يعني أن الصدام بين النموذج الصيني والنموذج الديمقراطي الغربي ليس عرضياً بل بنيوياً في فكر شي.
والمشروع الاقتصادي الأبعد مدى في توسع الصين الدولي هو مبادرة الحزام والطريق، التي صاغها وانغ هونينغ بوصفها إطاراً لبناء نفوذ اقتصادي صيني يمتد من آسيا إلى أفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية.
وقد ضخت في هذه المبادرة مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية جعلت كثيراً من الدول النامية مديونة للصين أو مرتبطة بها اقتصادياً، مما منح بكين نفوذاً دبلوماسياً في المؤسسات الدولية لم تكن تملكه قبل عقد واحد.
تايوان أو اللعبة الأخطر
تايوان في حسابات شي جينبينغ ليست ملفاً من الملفات، إنها القضية التي تحدد إرثه التاريخي وتحسم بها مكانته في سلالة الزعماء الصينيين الكبار. ففي إطار “النهضة العظيمة للأمة الصينية” لا يمكن الإعلان عن اكتمال هذا المشروع مع بقاء تايوان خارج نطاق السيادة الصينية.
أمر شي الجيش بالاستعداد لشن عملية ضد الجزيرة بحلول عام 2027، وإن كان المحللون يفيدون بعدم وجود موعد نهائي صارم لـ”إعادة التوحيد”، فإن التصعيد العسكري في مضيق تايوان، من مناورات واسعة ودوريات منتظمة وتدريبات محاكية للحصار، يؤشر إلى أن الاستعداد جارٍ بجدية.
وكما يشير باحثو مؤسسة كارنيغي، فإن تايوان لم تعد بالنسبة إلى شي مجرد قضية جيوسياسية، بل تحولت إلى مسألة ترتبط بمكانته الشخصية وصورته التاريخية، وهو ما ينعكس بوضوح في خطاباته وسلوكه السياسي.
لذلك، فإن أي إخفاق في هذا الملف لن ينظر إليه كتعثر دبلوماسي فحسب، بل كضربة تمس شرعيته الشخصية وصدقية الحزب الشيوعي الصيني معاً.
غير أن شي ليس قائداً انتحارياً، فالحسابات في تايوان تضم أثقالاً موازنة حقيقية: العزلة الدولية للصين في حال الغزو، والاقتصاد المنهك تحت وطأة العقوبات، وكلفة إخضاع جزيرة متمردة تضم 22 مليون إنسان لا يرى غالبيتهم في بكين وصياً شرعياً. وما يقلق شي أكثر من فشل الغزو، احتمال بات أشد رهبة: أن يسجل التاريخ اسمه بوصفه الزعيم الذي حاول توحيد تايوان وأخفق.
معضلة الخلافة
مع اقتراب شي جينبينغ من الـ72 من عمره، يبدأ سؤال بالغ الخطورة في تشكيل المشهد السياسي الصيني: من يخلفه؟
الخلافة السياسية في أي نظام استبدادي لحظة محفوفة بالأخطار، والحزب الشيوعي الصيني ليس استثناء، فآخر مرة واجه فيه هذه المسألة، حين انتقل الحكم من هو جينتاو إلى شي، ضجت بكين بإشاعات عن محاولات انقلاب واغتيالات فاشلة ودبابات في الشوارع.
التاريخ الصيني يقدم دروساً مزعجة في هذا الشأن، فقد طرح ماو تسي تونغ أسماء عدة كورثاء محتملين قبل أن يستقر على خياره النهائي: طرح ليو شاو تشي ثم أزاحه، وطرح لين بياو ثم أزاحه، ولم يقع خياره على هوا جيو فينغ إلا حين بات تدهور صحته أمراً لا رجعة فيه.
وكتب ماو لهوا مذكرة جاء فيها “ما دمت أنت المسؤول فأنا مطمئن”، لكن هذه الكلمات لم تكن كافية لإبقائه في الحكم، إذ سقط سريعاً لأنه كان “شخصية يمكن السيطرة عليها لا رجلاً قادراً على النجاة من مواجهة سياسية شرسة”.
أما دينغ شياو بينغ فبعدما تثبت في موقعه، أزاح مرشحين بارزين، هما الأمينان العامان للحزب هو ياوبانغ وتشاو تسي يانغ، قبل أن يستقر على جيانغ زيمين. وقصة سقوط هو ياو بانغ مثيرة للاهتمام بذاتها: أقيل من منصبه بتهمة التساهل مع احتجاجات طلابية، لكن وفاته إثر أزمة قلبية خلال اجتماع للمكتب السياسي فجرت موجة حركة 1989 الاحتجاجية في ميدان تيانانمن، إذ رأى فيه الطلاب رمز الوجه الأكثر انفتاحاً للحزب الذي أسقط.
هذا النمط التاريخي يلقي بظلاله على معضلة شي في الخلافة. فمن ناحية، عليه أن يتيح للوريث تعلم كيفية تشغيل مفاتيح السلطة في بيروقراطيتي الحزب والجيش، ومن ناحية أخرى سيحرص على ألا يكتسب الوريث قوة مبكرة تجعله لاعباً مستقلاً قبل أوانه. هذا التوتر هو ما أوقع ماو ودينغ في مسلسل استبدال الورثاء المحتملين.
والجيش في معادلة الخلافة الصينية عنصر محوري كثيراً ما يقلل منه المراقبون الخارجيون. لا يختار الجيش القادة مباشرة، لكن دعمه يحصن الزعيم ضد خصومه المدنيين. وكان هو جينتاو يعد سياسياً ضعيفاً جزئياً لأن مساره المهني لم يتح له بناء روابط شخصية مع المؤسسة العسكرية، إذ لم تكن له أية صلة بأعضاء اللجنة العسكرية المركزية حين تولى الرئاسة، في المقابل، كان شي مرتبطاً عند توليه السلطة بأربعة من أصل 10 أعضاء في اللجنة، وهو ما منحه مساحة لإطلاق حملته التطهيرية الواسعة.
وفي هذا السياق، تتضح خطورة عمليات التطهير في اللجنة العسكرية المركزية الأخيرة التي أجراها شي: هي ليست نبضاً من نبضات الثورة الذاتية فحسب، بل أيضاً إعادة رسم للخريطة العسكرية قبيل أي قرار محتمل في شأن تايوان أو أي مواجهة كبرى.
السيناريو الأمثل الذي يشير إليه المحللون، هو أن يسير شي على نهج دينغ: أن يختار خليفة أصغر سناً نسبياً، يعينه على رأس أمانة الحزب أولاً ليتعلم آليات عمل المكتب السياسي.
ومن ثم يرفعه إلى نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية لمنحه خبرة عسكرية وسلطة فعلية، ليكون جاهزاً لتولي المنصب الأعلى في أواخر الخمسينيات أو مطلع الستينيات من عمره، أما السيناريو الأشد خطورة فهو أن تتكرر تجربة هوا جيو فينغ: ورث معين من دون قاعدة نفوذ حقيقية، يسقط سريعاً حين تضغط عليه النخبة الحزبية.
رئيس مدى الحياة
في مارس (آذار) 2018 وافق البرلمان الصيني على إلغاء النص الدستوري الذي كان يقيد بقاء الرئيس بولايتين، وقد فسر هذا القرار على نطاق واسع بوصفه إعلاناً بأن شي جاء ليبقى. والتشابه مع نموذج ماو واضح وصريح، وإن كان شي يقدمه في لغة مختلفة: ليس حكماً مدى الحياة بل استمرارية تفرضها ضرورات المرحلة.
لكن ماذا يعني فعلاً أن تكون رئيساً مدى الحياة في الصين؟
على مستوى النظام، أن مؤشر تداول السلطة الذي بناه المنظر دينغ شياو بينغ بصمت وأناة منذ عام 1982 قد انتهى. ويعني أن الحزب الذي يدعي حكمه بالمؤسسات عاد إلى ربط مصير الدولة بمصير رجل واحد. ويعني أن خطأ هذا الرجل الواحد لم يعد يتوقف عند مرحلة ثم يصحح بانتخاب أو تداول للسلطة، بل يتراكم مع الزمن.
وهناك أصوات داخل الصين، هامسة لا مجاهرة، رأت في هذا القرار ردة عن مسيرة الإصلاح، ويشير بعض المراقبين إلى أن عدداً من النواب المتمسكين بإصلاحات دينغ يعتقدون أن هذا التعديل هو “عودة إلى الوراء”.
لكن هؤلاء المنتقدين يختارون الهمس لأن معارضة شي باتت، بعد إدراج أيديولوجيته في الدستور، معارضة للحزب الشيوعي نفسه.
والنقد الموضوعي لهذا الخيار لا يتوقف عند مستوى المبادئ السياسية. فعلى المستوى العملي، مركزة السلطة في يد واحدة تفضي تاريخياً إلى تدهور في جودة القرار كلما طالت الفترة في السلطة، وإلى جهاز بيروقراطي يمتنع عن المبادرة خشية التفسير السياسي، وإلى غياب للبدائل والنقد الداخلي الذي يعدل مسار السياسات.
وقد كانت جائحة كوفيد مثالاً مقلقاً على هذه الهشاشة: الإدارة الكارثية الأولى كشفت عن نظام يخشى الإبلاغ عن الأزمات قبل الحصول على الإذن السياسي، وهو ثمن حقيقي تدفعه الصين.
شي جينبينغ في نهاية المطاف شخصية تتجاوز نماذج القيادة التي اعتادها العالم في القرن الـ21، فهو لا يشبه الديكتاتور الكلاسيكي الباحث عن الثروة والمجد الشخصي، ولا يشبه القائد الديمقراطي المقيد بدورات انتخابية وضغوط مؤسسية. هو رجل يؤمن فعلاً بأن مشروعه، أي النهضة العظيمة للأمة الصينية تحت قيادة الحزب الشيوعي، هو المهمة التاريخية التي وجد لإنجازها.
هذا الإيمان، أقوى عناصر شخصيته وأخطرها في آن، فالزعيم الذي يؤمن بمهمة تاريخية لا يتوقف عند نقطة يقول فيها “هذا يكفي”، ولا يقبل بسهولة على تسليم السلطة إذا رأى أن المهمة لم تكتمل بعد.
وهو يرى في كل تحد، سواء كان ضغطاً أميركياً أو احتجاجات داخلية أو أزمة اقتصادية، تأكيداً لحاجة الصين إليه لا دليلاً على ضرورة التغيير.
ما يبقي العالم في حال ترقب حيال شي هو هذا التوتر الجوهري في شخصيته بين الصبر الاستراتيجي الذي تعلمه من المحنة ومن عقود من الصعود البطيء، وبين الإلحاح التاريخي الذي يشعر به حين يحصي الزمن المتبقي له لإتمام مشروعه.
كلما مال الميزان نحو الصبر أمكن للعالم التعامل مع الصين بحذر وتفاهم تدريجي، وكلما مال نحو الإلحاح ازداد احتمال قرار مفاجئ في تايوان أو تصعيد لا تسبقه إشارات كافية.
هذه الشخصية التي مشت من حقول ليانغ جياخه إلى قمة المحيط الهادئ، لا يمكن فهمها بأداة واحدة. هي تستدعي تاريخاً وعلم نفس سياسياً وتحليلاً استراتيجياً وشيئاً من الإنصاف في رؤية الإنسان خلف الزعيم.
وفي غياب هذا الفهم، سيظل الغرب يتعامل مع شي بخليط من المبالغة والتقليل، ويخطئ في تقدير نياته وقدراته معاً. والمفارقة أن الصين لم تبدأ صعودها الحقيقي يوم أطلقت صاروخاً أو شيدت ميناء، بل يوم قرر رجل نشأ على الهزيمة أن يجعل منها وقوداً، لا جرحاً.