DAMASCUS, SYRIA - DECEMBER 8: Syrians pose with a vandalized statue of Hafez al-Assad, father of Bashar al-Assad, in Umayyad Square on December 8, 2024 in Damascus, Syria. Rebel forces in Syria claimed that they had retaken the capital from longtime ruler Bashar al-Assad, who was reported to have fled the country. Syria has been mired in a multi-party civil war since 2011, amid the Arab Spring uprisings. (Photo by Ali Haj Suleiman/Getty Images)
طارق علي صحفي سوري @TarekAli1917
اندبندت عربية:
ملخص
لا تتخذ الحروب المركبة بطبعها العام شكلاً مرتبطاً بالدمار فقط، بل تتخطاه إلى المعنى المقرون بمن يملك حق التفسير وسرد القصة النهائية وبناء الذاكرة الجماعية.)
لا يمكن الجزم بأن الحرب السورية انتهت فعلياً قبل التيقن من أن الانتقال إلى تفسير الصراع على ما حدث أخذ صورة مستوية تتمتع بقوة البقاء وقلة التعقيد، فالحروب المركبة بطبعها العام لا تتخذ شكلاً مرتبطاً بالدمار فقط، بل تتخطاه إلى المعنى المقرون بمن يملك حق التفسير وسرد القصة النهائية وبناء الذاكرة الجماعية، وعلى تلك الذاكرة تترتب مفاهيم تصنيف البطل والخائن والضحية والجلاد.
لذلك، لا شك في أن سوريا اليوم تعيش فصلاً متداخلاً في بناء مفاهيم الوعي المستندة إلى صراع الحقائق الكاملة التي لا يمكن أن يصنعها أشخاص كانوا أطرافاً في متن الصراع وجوهره، مما يجعل بناء سردية المرحلة وما سبقها خطراً لأنه يتجاوز الحدث ويخوض في منح صكوك الشرعية عينها، لأن “التاريخ يكتبه المنتصر” كما تورد كتب علم النفس والاجتماع وخلاصات حروب التاريخ ومعاركه.
يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي إبراهيم بربر “في هذا الإطار، تسعى السلطة من جهة، وخصومها على كثرتهم من جهة أخرى، إلى تثبيت رواية تناسب كل من الطرفين وتكون أكثر قابلية للديمومة والتصديق والقدرة على حماية الموقف الأخلاقي والسياسي للجماعة المقترنة به، ما من شأنه تحويل الأمر إلى ساحة نزاع مطلق، ويصبح تاريخ اليوم بالمعنى الحرفي لا المجازي امتداداً للحرب نفسها لا خاتمة لها، فاستمرار العجز عن إنتاج سردية وطنية شاملة ووافية سيجعل مشهد الإقصاء والاستئثار مهيمناً على القرار والنفوس والنزعات الفردية في امتلاك السيطرة بالقوة”.
كتابة التاريخ
مرّت بلدان كثيرة بتجارب حرب مأسوية كأفغانستان والشيشان ورواندا وجنوب أفريقيا والبوسنة والهرسك واليمن والعراق وغيرها، لكن سوريا قد تكون حظيت بالكم الأكبر من التغطية الإعلامية والتوثيق الداخلي والخارجي، إذ تغص مواقع الانترنت والتواصل الاجتماعي والصحف وأرشيف الشاشات، بملايين المشاهد الموثقة من سوريا، حتى كادت تبدو يوميات الحرب السورية منقولة مباشرة على مدى الساعة لكل منزل في العالم، وعلى رغم ذلك فإن زخم المعلومات ذلك لم يسهم في إنتاج حقيقة واحدة، نظراً إلى كثرة ما تعرضت له تلك التوثيقات من توظيفات سياسية وتشكيك في الجملة وتأويلات بلا نهاية.
ويقول الباحث الأكاديمي في شؤون النزاعات قصي حمد “لا تعني كثرة التوثيق وملايين المقاطع المصورة بالضرورة أنها تسهم بصورة قطعية في بناء حقيقة منتصرة، بل من الممكن أن تقود إلى إنتاج روايات لا نهاية لها من الفوضى التنافسية، لأن العصر الحديث يقتضي أن يكتب التاريخ في لحظته لا بعد فوات أوانه، ويصير السؤال أية نسخة أكثر تماسكاً ستنجو لتكون خيط بناء الحقيقة؟ ولأن العالم ضاق على نفسه صارت المادة السورية مثار تنازع قانوني مستمر، قبل سقوط النظام وبعده، مما جعل احتمال إيجاد صيغة موحدة تتضمن تعريفاً مشتركاً للمأساة الجماعية أمراً شبه مستحيل، وهنا تصبح الحقيقة ضحية لا مفتاحاً، وتصبح أيضاً موضع تفاوض وليس تمسكاً”.
الضحية في التشريع
تمتلك كل جماعة أو مكون في سوريا سرديتها الخاصة لمظلوميتها، ومن هنا تستمد شرعية رأيها السياسي والميداني والأخلاقي، فيصير الأمر غير مقاس بعدد الضحايا وخساراتهم، بل بجمعهم العام ليكونوا جزءاً مما سيُبنى عليه في السياسة “البازارية”، والمشكلة اليوم كما يراها مراقبون تتعلق بأحقية فرض “ملكية المعاناة”، وهنا يقدم كل طرف روايته كأكثر السوريين مظلمة وقهراً.
المتخصص في علم النفس الإرشادي ماجد عساف يقول إن “الأمر هنا يتجاوز الاستثمار السياسي، ويتخطاه نحو بناء سردية عامة تعيد تشكل ملامح الهوية الجماعية، فالضحية هي مصدر الهوية، وفقدان الهوية يعني اضطراباً وجودياً، بالتالي خسارة ساحقة أمام أية رواية لطرف آخر، مما يفسر ابتعاد السوريين كل يوم أكثر من بعضهم إثر تعنتهم خلف موقف سياسي حازم يمثل توجه شرائحهم، فالتمسك هنا بالمعنى الوجودي للذاكرة القريبة والبعيدة يشبه العودة لأعراف القبيلة التي تحمي بأحكامها أهلها وفق منطق العادة الموروثة”.
في ميدان الإعلام
وقام الإعلام الموجه والمدفوع وذو الأجندة بدور هائل خلال الحرب السورية وبعدها، حتى باتت كلمة إعلام “وطني” أمراً غير موجود فعلاً، واستمر الأمر بعد سقوط النظام، فشاشات افتتحت ومنصات أعيد إحياؤها وتمويل ضخم يُضخ في كل اتجاه ومواقع ومنصات بأهداف واضحة وجماعات على الأرض السورية تملك حضوراً رقمياً واسعاً من خارج الأراضي السورية، ليصبح مجموع كل ذلك أدوات تعيد إنتاج دائرة “التوجيه السياسي والمعنوي” وتثبّت أدوار الأبطال والضحايا.
ويقول الصحافي حسين مرشد إن “المعركة اليوم تجاوزت تفاصيل آنيتها، وصارت تركز على نوع عرضها الذي سيبقى في ذاكرة الجمهور، بالتالي أصبح الإعلام التقليدي مع رديفه الرقمي غير التخصصي حلفين ينتجان ذاكرة تتعلق بالرواية، وهذا بطبيعة الحال لا ينتج بأية صورة ديمقراطية حقّة، بل ينتج فوضى ضخمة وغير خلاقة تقوم على الدعاية والتحشيد وشحن الأنفس وتأليب الصراعات، والهدف سحق الانتصار الميداني إعلامياً في ذهن الجماعات العالمية والإقليمية والمحلية على صعيد المشاعر البشرية، بعيداً من أجهزة الاستخبارات التي تعرف كيف تُدار القصص، ومن هذا المنطلق تركز الدعاية على قصة تتجاوز الحدث نفسه، فتصبح بلغة التواصل الاجتماعي “ترند” يقلب موازين الفهم العام ويجتاح المنازل بأيام، ولدينا آلاف الأمثلة في سوريا”.
الجغرافيا مقابل الماضي
من المعلوم أن المجتمعات التي خرجت من حروب طاحنة لا تعيش على أثر الجغرافيا المشتركة سابقاً، بل هي تحتاج إلى الحد الأدنى من السردية المشتركة للماضي الذي يسهل بناء أرضية مشتركة لأي حوار مستقبلي، مما يفتقده السوريون بشدة، فتبدو البلاد وكأنها تدور في فلك “زمكاني” خاص ومبهم تتداخل وتتقاطع ضمنه ذاكرات متوازية، في كل ذاكرة منها “ضحايا ودمار وظلم وبراءة وإدانة ومجازر ورؤى خاصة بها”.
ويقول الخبير السياسي بولس كميل إن “المشكلة الآن هي أن الأجيال تكبر على رواية واحدة لن تتقبل غيرها خلال المستقبلين القريب والبعيد، فالذاكرة التي تُصنع الآن صارت هوية خاصة يستحيل اختراقها، فيصبح الخلاف بنيوياً عميقاً يتخطى السياسة العابرة ويغزو الذات النفسية عبر الإدراك المبكر بأن المجتمع يدور ضمن ثنائية العدو والضحية، وعليه، فإن بناء ألف مدينة مهدمة سيكون أسهل من إعادة بناء الثقة والتوازن بين السوريين في هذه المراحل”.
الذاكرة كبديل عن المنظومة
خلال الأسبوع الماضي، ظهر الكاتب حسين الشرع، وهو والد الرئيس أحمد الشرع، أثناء لقاء إذاعي مدح فيه عهد حافظ الأسد، مخالفاً بذلك بصورة فاضحة المادة 49 من الإعلان الدستوري الذي وضعه ابنه نفسه وتجرّم تلك المادة أية إشادة بنظام الأسد، لكن الأمر مر على نحو طبيعي، ومن المحتمل أن يكون في ذلك بوابة مهما كانت صغيرة ليجد السوريون من خلالها مساحة لا تنسف نصف قرن بسيئاته وحسناته، مما أكده لاحقاً الفقيه الإسلامي محمد حبش المعارض لنظام الأسد عندما أبدى إعجاباً وتفاعلاً مع تصريحات حسين الشرع، إذ أشاد بنظرته التي وصفها بأنها تعبر عن “أصالة الآباء” وتبدي إنصافاً لتاريخ المجتمع السوري، معتبراً أن هناك محاولات لتشويه العقود الستة الماضية وإظهار كل ماضي البلاد بصورة سوداء، مما عدّه حبش تجنياً ومخالفاً لواقع المجتمع السوري.
وعلى رغم ضآلة المثال أمام الواقع السوري المرتبك، فإن رأياً يذهب باتجاه تجريم الجريمة في أي عهد وقعت، لا تجريم العهد بأكمله، وذلك أن تجريم عهود كاملة يعني الانطلاق مما دون الصفر واستحالة بناء مجتمع يجب عليه أن يوافق على سردية خاصة تناسب جميع مكوناته، وفي اتفاق المكونات يمكن التعويل على التماسك، بخاصة أن الاتفاق على تجريم الحرب السورية الأخيرة أمر يكاد يكون متفقاً عليه من الجميع، وهنا يرى سياسيون أن الغوص في الماضي وانتقاء سيئاته فقط لن يسهما في إنتاج توازن معقول يتمكن من حمل المرحلة نحو بر الأمان.
ويقول القاضي الشرعي السابق عبدالحميد دربولي إن “المشكلة في سوريا هي وجود جماعات قائمة ينهشها الخوف، في ظل غياب عقد اجتماعي وغيابه ينتج الحذر والخوف والضغينة والألم، مما يجعل بعض البيئات تعيش محاصرة داخل نفسها وماضيها، رافضة لحاضرها الذي تحاصره البنادق الفكرية. فالعلويون يرون في الشيخ صالح العلي قائد ثورة الساحل ضد الفرنسيين رمزاً، وحافظ الأسد رمزاً، والدروز يرون في سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية خلال القرن الماضي والمرجعيات الدينية رمزاً، والسنّة يرون في الرئيس الحالي ورفاقه رموزاً، فأين المشكلة أن تحتفظ كل جماعة برموزها كجزء من ماضٍ أو حاضر لا يؤثر في بناء المستقبل عوضاً عن فرض سردية ثورية تنسف ماضيهم؟”.
حلم الذاكرة المشتركة
بعد انتهاء الحروب، لا يكون معيار القياس الأهم للنظرة المستقبلية مرتبطاً بالحدود وشكلها، ولا حتى بنظامها السياسي إن كان موقتاً، بل بالشعب الذي سينتج أنظمة متتالية، وهذا الإنتاج يتطلب اتفاقاً ضمنياً بين السوريين حول معنى وجودهم الجماعي، وحول القصة التي سيكتبونها لغدهم، وحول القصة المتعلقة بحرب أمسهم، مما لا يتطلب تفسيرات متناقضة للواقع والدوافع ولا تعامياً وتغافلاً عن مظلومية أحد.
وبحسب عالم الاجتماع السياسي وسيم محفوظ، فإن “الذاكرة غير المتماسكة كفيلة بقتل أية محاولة إنتاج فكر سياسي جماعي أو مشروع وطني أو خطاب جماعي لأن كل مطب سيحمل معه عودة للسردية الخاصة بالجماعة واستحضار لمآسي الماضي وسيوف الثأر. واليوم إما أن تنتهي الحرب وللأبد، أو أننا سنعيش تبعاتها حتى أعوام غير معلومة في الميدان والمدرسة والجامعة والجامع والمنزل والتربية والتعليم والصحافة والخطاب اليومي، وسيكون نوع النزوح داخلياً في أعماق الفرد ولن يثق السوريون ببعضهم مجدداً، وإذا تغيرت السلطة القائمة الآن لسبب ما، فسنكون أمام معضلة أخرى تتعلق من جديد ببناء الذاكرة، لذا هذه الفرصة الأمثل لسرد التاريخ وكتابة الرواية الجامعة