ملخص
تصاعد الصراع داخل حزب العمال البريطاني يبعث برسائل مقلقة إلى الأسواق، مع ارتفاع كلفة الاقتراض الحكومي وضغط متزايد على السندات البريطانية، بما يهدد بتحويل الأزمة السياسية إلى أزمة اقتصادية أوسع. الخطر الأكبر أن تفقد الأسواق ثقتها بكفاءة الحكومة، مما قد يرفع الضرائب أو يقلص الإنفاق، ويفتح الباب أمام تدخل بنك إنجلترا على غرار ما حدث خلال أزمة ليز تراس.
إليكم الطريقة المناسبة لحل الأزمة السياسية الحالية: دعوة رؤساء أقسام تداول السندات، في بعض كبرى المصارف الاستثمارية، إلى إلقاء كلمة أمام اجتماع طارئ لمجلس الوزراء.
سيشير هؤلاء إلى الارتفاع الحاد في كلفة الاقتراض الحكومي في بريطانيا، مع صعود عوائد السندات الطويلة الأجل، المستحقة بعد 20 و30 سنة، إلى مستويات لم تسجل منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.
أما السندات ذات الاستحقاقات الأقصر أجلاً فتتعرض أيضاً لضغوط، لأسباب من بينها المخاوف من موجة التضخم التي تتسبب بها حرب دونالد ترمب في إيران، وكذلك بسبب تزايد التوقعات بأن بنك إنجلترا سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهتها.
يعد التحدي الذي تواجهه الحكومة البريطانية اقتصادياً بقدر ما هو سياسي، وهو تحد بالغ العمق. ولذلك سيختتم الخطاب المتخيل على الأرجح بشيء من هذا القبيل “أوقفوا هذا الآن، قوموا بعملكم، أنتم تلحقون بالبلاد ضرراً بالغاً”.
سياسيون كثيرون من حزب العمال لا يفهمون الأسواق: ما هي، وكيف تعمل، ومن الأطراف المنخرطة فيها. تتكون أسواق السندات من عدد هائل من الأطراف ذات مصالح ومتطلبات وآراء واستراتيجيات شديدة التنوع، هناك صناديق التقاعد، ومديرو الأصول، والمقرضون السياديون، والمستثمرون الأفراد، وصناديق الاستثمار. ونحن، أنا وأنتم، لنا موطئ قدم في هذه الأسواق بصورة أو بأخرى إذا كان لدينا معاش تقاعدي أو مدخرات تقاعدية.
ما يجمع بين هذه الأطراف كلها هو أنها تجري تقييماً بارداً للأخطار وللعوائد المتاحة في مقابل تحملها، ثم تقرر ما إذا كانت بريطانيا رهاناً جيداً أم سيئاً.
في الوقت الراهن، يبعث أداء حزب العمال برسالة سلبية إلى الأسواق عن قدرة بريطانيا على إدارة اقتصادها. لذلك يطالب المقرضون بعوائد أعلى تعويضاً عن الأخطار، مما سيقود في النهاية إما إلى ضرائب أعلى تضر بالاقتصاد وتغضب الناخبين، وإما إلى تقليص الأموال المتاحة لأولويات الحزب على المدى الطويل.
لو أن الحكومة البريطانية تطرق اليوم باب قسم الخدمات المصرفية للأفراد في مصرف مثل “باركليز” طلباً لقرض عقاري، لكان مصيرها الرفض والطرد، ولما بقي أمامها خيار سوى اللجوء إلى مقرضي أصحاب السجلات الائتمانية الضعيفة، أولئك الذين يضعون عبارة “نقبل أصحاب الدرجات الائتمانية المنخفضة” أسفل إعلاناتهم، ثم يفرضون فوائد باهظة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي بالنسبة إلى حزب العمال، وربما يجدر بآندي بورنهام وسائر الشخصيات العمالية الوازنة التي تناور لتحسين مواقعها أن تفكر ملياً في ذلك، قد يبلغ الوضع مرحلة يشعر فيها بنك إنجلترا بالحاجة إلى التدخل، كما فعل عندما بلغت أزمة ليز تراس ذروتها.
في ذلك الوقت، أثارت “الموازنة المصغرة” التي قدمها كواسي كوارتنغ، والقائمة على خفض الضرائب، حالة من الذعر في الأسواق. ولمنع انهيار كامل في السوق، تعهد بنك إنجلترا بشراء سندات حكومية طويلة الأجل بقيمة تقارب 65 مليار جنيه استرليني. كذلك أكد المصرف المركزي في اليوم نفسه أنه سيؤجل البرنامج المقرر لبيع جزء من حيازاته من السندات الحكومية، البالغة قيمتها 838 مليار جنيه استرليني، الذي كان من المفترض أن يبدأ في الأسبوع التالي.
لم نصل بعد إلى هذه المرحلة، لكن مجرد حدوث ذلك في السابق يعني أنه قد يحدث مرة أخرى.
من الصعب جداً التعافي من وضع كهذا، انظروا إلى ما حدث لحزب المحافظين في الانتخابات الأخيرة. فهو لم يتمكن حتى الآن من التخلص من إرث تراس، وربما يجدر بحزب العمال أن يفكر في ذلك. قال لي أحد المصادر في حي المال بلندن: “هم ببساطة لا يفهمون، نحن نكاد نستجديهم أن يظهروا قدراً من الكفاءة، لا أكثر”.
أما مشكلة حزب العمال، فهي أن هذا الاتهام بعدم الكفاءة لم يعد مقتصراً على حي المال في لندن.
© The Independent
