منّن السفير الأميركي ميشال عيسى اللبنانيّين بأنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب “تخانق تقريباً” مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لأجل لبنان. وحين سئل: “لأجل لبنان أم لأجل إيران؟”، أجاب: “كلّه مع بعض. وحتّى لو كان من أجل إيران ولمصلحة لبنان، أليس ذلك جيّداً؟”.
حين يزعم السفير الأميركيّ أنّ ربط الملفّين اللبنانيّ والإيرانيّ في مصلحة لبنان، يقدّم تعويماً مجّانيّاً للسرديّة الإيرانيّة التي يتمّ ترويجها على لسان متحدّثي “الحزب” في الداخل بأنّ مصلحة لبنان تقتضي ضمّه إلى المسار الإيرانيّ، كما ضمّه حافظ الأسد إلى “وحدة المسار والمصير” في مفاوضات السلام في عقد التسعينيّات.
الأخطر أن يأتي هذا الإقرار بعد ساعات من إجهاض إيران الفجّ لاتّفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الوفدان اللبنانيّ والإسرائيليّ في الجولة الأخيرة من المفاوضات برعاية أميركيّة في واشنطن، والذي استدعى ردّاً حادّاً ومباشراً من رئيس الجمهوريّة جوزف عون في مقابلة مع “سي إن إن” اتّهم فيه إيران باستخدام لبنان “ورقة للمساومة”.
لا تزال الإدارة الأميركيّة حتّى الآن تبدي تمسّكاً باتّفاق وقف إطلاق النار، وما يزال السفير عيسى يتحدّث عن تفاصيل “المناطق التجريبيّة” التي نصّ عليها الاتّفاق، وهو ما يعكس عدم التسليم لإرادة “الحزب”، ومن ورائه إيران، إسقاط الاتّفاق. لكن تجدر مراقبة مسار التفاوض الأميركيّ – الإيرانيّ جيّداً لأنّ ربط الملفّات يوشك أن يصبح أمراً واقعاً.
يجادل “الحزب” بأنّ الانضمام إلى المسار الإيرانيّ يحسّن موقع لبنان في التفاوض ويحسّن شروط وقف إطلاق النار. العكس هو الصحيح. سيكون ربط الملفّين، إذا حدث، المقدّمة العمليّة لانهيار الدولة وتهديد وحدتها.
إيران تفاوض الأميركيّين… على لبنان
لا تُفاوض إيران من أجل لبنان. هذا وهم محض. بل تفاوِض الأميركيّين للاحتفاظ بوجودها العسكريّ في لبنان، ممثّلاً بـ”الحزب”، الذراع الخارجيّة الأقوى والأكثر تنظيماً في منظومة الحرس الثوريّ. ليس للضغط الإيرانيّ عبر الأميركيّين من توصيف آخر. ربّما تكون لـ”الحزب” توصيفات أخرى في الداخل اللبنانيّ، بما هو ممثّل لشريحة وازنة من اللبنانيّين، لكن ما من أحدٍ في طهران يتشكّك في أنّ سقوط سلاح “الحزب” يعني سقوطاً لمشروع “فيلق القدس”، بما هو جوهر التصدير العسكريّ والأمنيّ للثورة الخمينيّة.
المعادلة في لبنان بسيطة واضحة: العلاقة عكسيّة بين قوّة سلطان الدولة وسلطان الحرس الثوريّ في لبنان. لا يمكن للدولة أن تكون قادرة على أرضٍ يفرض الحرس الثوريّ سيطرته العسكريّة في أجزاءٍ منها، وذراعه الأمنيّة في كلّ ترابها. لا يعني ذلك بأيّ شكلٍ من الأشكال الركون إلى فكرة انتظار الحلّ من إسرائيل، لأنّها فكرة ساقطة وطنيّاً وأخلاقيّاً، بل لأنّها واهمة أيضاً.
ثمّة تجربتان مريرتان لِما يمكن أن يأتي بعد الاحتلال الإسرائيليّ:
1- تجربة الانسحاب من جبل لبنان بعد اجتياح عام 1982، حين تعمّدت إسرائيل أن يكون انسحابها غير منسّق مع الدولة، فتركت وراءها فراغاً ملأته الميليشيات، ممهّدة بذلك الأرضيّة لحرب الجبل، أحد أسوأ فصول الحرب الأهليّة.
2- تجربة الانسحاب عام 2000، حين مُنعت الدولة من ملء الفراغ، وتولّى رئيس الجمهوريّة حينها إميل لحّود هندسة الأمر السوريّ بتسليم الساحة لـ”الحزب”. وكانت النتيجة انفراده باستخدام جبهة مزارع شبعا وفق الحاجة، ثمّ تفجير الحرب مع إسرائيل عام 2006، وتفجير الاستقرار السياسيّ بدءاً باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز، وامتداداً إلى كلّ الأعمال الأمنيّة وهيمنة “القمصان السود” على تشكيل الحكومات والاستحقاقات الدستوريّة.
إسرائيل لن تسمح بتقوية الدّولة
مخطئ من يظنّ أنّ إسرائيل معنيّة بتقوية موقف الدولة اللبنانيّة، أو بالتوصّل إلى حلّ يرسي وحدة السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة. وتنبئ تجربة اجتياح 1982 أنّ إسرائيل كانت على تفاهم ضمنيّ مع الأسد الأب لإخراج منظّمة التحرير الفلسطينيّة من لبنان، في إطار ما عُرف بـ”تفاهم الخطوط الحُمر”. وقد صمد هذا التفاهم على الرغم من الخروقات الجزئيّة المتبادلة على هامشه.
في تلك التجربة السوداء، ضغطت سوريا وإيران بعمليّات أمنيّة وعسكريّة لإعادة لبنان ساحة لنفوذهما بعد انسحاب الفلسطينيّين، فكان اغتيال الرئيس المنتخَب بشير الجميّل وتفجير السفارة الأميركيّة وتفجير المارينز. وكانت النتيجة أن تخلّت إدارة الرئيس الأميركيّ رونالد ريغن عن التعامل مع الدولة اللبنانيّة على أساس أنّها شخصيّة جديرة بالتفاوض وتحمّل المسؤوليّة، وضمّت الملفّ إلى ملفّات الأخذ والردّ مع حافظ الأسد.
تفعل إيران الشيء نفسه. ليست الصواريخ التي أطلقتها باتّجاه إسرائيل سوى إشعار للأميركيّين بأنّها لن تتخلّى عن استثمارها العسكريّ في لبنان مهما كان الثمن، وإشعار لرئيس الجمهوريّة اللبنانيّة بأنّها هي من يتحدّث عن لبنان، بالتفاوض أو بالنار. المصلحة اللبنانيّة هنا تساوي صفراً مكعّباً.
للالتفاف حول الرّئاسة
للمصلحة اللبنانيّة تصنيف واحد اليوم: الالتفاف حول رئيس الجمهوريّة لتكون الدولة وحدها المفاوض، ووحدها من يحمل السلاح لوقف الحرب وانتزاع التحرير، بل ولضمان بقاء الدولة وقدرتها على إعادة النازحين إلى قراهم، واكتساب الثقة الدوليّة لقيادة جهود إعادة الإعمار، والفرصة الآن سانحة على الرغم من كلّ المخاطر. تحظى الدولة بما يكفي من الدعم الداخليّ والخارجيّ لخيار التفاوض، ومؤسّسة الجيش ليست تلك التي كانت ضعيفة ومنقسمة خلال الحرب الأهليّة.طرفان لا مصلحة لهما بذلك: إسرائيل التي لا تريد أن ترى عودة للجنوبيّين إلى جوارها، وإيران التي لا تريد أن ترى جنوباً حرّاً لا يكون مقاطعة لحرسها الثوريّ. لذلك يبدوان متحالفين موضوعيّاً، ولأسباب مختلفة، في السعي إلى الإطاحة بمفاوضات واشنطن ما دامت الدولة اللبنانيّة تجلس وحدها إلى الطاولة هناك ممثّلةً للوطن اللبنانيّ.
التمسّك بفصل المسار اللبنانيّ عن الإيرانيّ هو ورقة الضمان الوحيدة لئلّا تترك إسرائيل وراءها ما تركته بعد اجتياح 1982 من احتراب داخليّ وانهيار للدولة.
