مضى نصف قرن تمامًا على ولادة رواية “شرق المتوسط” (1975) لعبد الرحمن منيف، الرواية الأيقونية التي دشّنت بامتياز أحوال المعتقل السياسي، وأنظمة القمع، والتنكيل بالجسد، من دون تعيين جغرافي. هكذا حضرت الزنزانة أولًا، كقبر مؤجل ومكان للفناء البطيء، ومتاهة لأسباب الأذى، لتتكشف لاحقًا عن عشرات الزنازين الأخرى في مواقع جغرافية محدّدة، من سجن الواحات المصري لدى صنع الله إبراهيم في “تلك الرائحة” كخلفية لعجز وهزيمة بطل الرواية، مرورًا بسجن تزمامرت السرّي في المغرب لدى الطاهر بن جلون في “تلك العتمة الباهرة”، ومعتقل نقرة السلمان في صحراء العراق الذي استضاف عشرات النصوص السردية كلعنة أبدية، وصولًا إلى سجن تدمر لدى مصطفى خليفة في “القوقعة”. أمكنة خانقة وموحشة ومفزعة تحيط بها مفازات لا نهائية، وأرواح هائمة على هيئة أرقام في بلاد تبني سجونًا ومعتقلات أكثر مما تبني المتاحف.
قاموس الهلاك
لا نرمي هنا إلى مراجعة فهرست “أدب السجون” وقاموس الهلاك وحدهما، بقدر عنايتنا بمقاربة المكان الضيّق وتمثلاته في الرواية العربية من موقع الضد لأطروحة غاستون باشلار في كتابه الملهم “جماليّات المكان”، ففيما انخرط الفيلسوف الفرنسي في توطين مفردات البيت بوصفها ملاذًا للطمأنينة والذاكرة والحميمية، انشغلت السرديات العربية في هتك طبقات الألم الجهنمي، وفضح أحوال المعتقل السياسي، وارتفاع وتيرة درجات الاختناق، إذ لا حيّز هنا لترف الحكي عن الأدراج والأعشاش والصناديق والزوايا بشاعرية التذكّر وبلاغة الأحلام، فالقبو مثلًا ليس مكانًا للغوص في الأعماق كما يقترح باشلار، إنما يحيل إلى لحظة الاحتجاز الأولى، وحفلات التعذيب بين وردية تحقيق وأخرى في أقبية المخابرات، وبدلًا من قراءة العش، أو العلية، أو الخزانة، كرمز للإيواء والحماية وعبق الذكريات، يقرأ المعتقل الزنزانة بوصفها مكانًا للظلام الداكن، أو العتمة المبهرة باختلاط الليل والنهار، وسيتناوب الضيق مع الاتساع بالانتقال من الزنزانة الانفرادية إلى المهجع الجماعي، حيث تتموضع الأجساد المنضبطة بهندسة صارمة، وستختلط رائحة العفن بأنين الموتى الأحياء. هكذا يتلصص بطل “القوقعة” من ثقب صغير في أسفل باب المهجع على ما يجري في الممر من ممارسات قمعية للسجناء، ويرصد حركة الحارس جيئة وذهابًا كما لو أن الزمن ساعة رملية، ويتلصص من قوقعته على وقائع التعذيب كصورة عن الانسحاق الوجودي وفقدان اليقين بالنجاة، على عكس حلزون غاستون باشلار المنطوي على ذاته داخل قوقعته كملجأ للحماية والأمان والتأمل.
تقنيات القمع
سيتكرّر حضور الزنزانة بالهندسة نفسها في أكثر من نصّ لفرط تشابه التجارب، ما شكّل طفرة روائية لافتة، إذ حلّ السجن مكان البيت كفضاء معادٍ، والفزع بدلًا من الحميمية، وإذا بزنزانة “شرق المتوسط” تفقد خصوصيتها أمام ما طرأ تكنولوجيًا على “تقنيات القمع” راهنًا، وهو ما استدركه عبد الرحمن منيف لاحقًا في “الآن… هنا أو شرق المتوسط مرّة أخرى”، وذلك بمراقبة مصير السجين بعد خروجه من المعتقل، وهو ينوء تحت ثقل ماضيه المؤلم بجرح مفتوح ينزّ قهرًا، وبذات مفتتة وممزّقة ومنهوبة يصعب ترميم كسورها، فهو سجين مؤبد بزنزانة، أو خارجها.
وسيخضع بطل “تلك الرائحة” للعنة نفسها إثر خروجه من السجن، وإذا بالزنزانة مُجرّد تفصيل ثانوي أمام أهوال الشارع، وشروط الإقامة الجبرية التي يخضع لها المعتقل بمراجعة قسم الشرطة مساء كل يوم، وقبل ذلك اغترابه عن محيطه ونفوره من رائحة عفونة تهيمن على الفضاء العام، فيما يغرق بطل “القوقعة” بعد 13 عامًا من الاعتقال في متاهة العدم والخوف والارتياب. خارج أسوار السجن سنقع على قيودٍ من طراز آخر تؤطر حركة الشخصيات في الفضاء المغلق استجابة لأعراف ومحظورات تنطوي على بؤس متوارث، فيضيق المكان بقاطنيه جغرافيًا ونفسيًا وروحيًا. يكفي أن نقتفي أمكنة نجيب محفوظ التي تتكئ على أبعاد فلسفية في المقام الأول لجهة مفهومي الضيق والاتساع، الضوضاء والصمت، العزلة وسط الحشد، وذلك بتجواله المتدرج بين الأمكنة، من المقهى والخمّارة والعوّامة إلى الزقاق والحارة، وتاليًا انعكاس طوبوغرافيا المدينة على طبائع الشخصيات وسلوكياتها ومصائرها.
حياة تقاس بالأمتار لا المسافات الطويلة
| فواز الساجر |
وسيرشدنا الطيب صالح في روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” إلى خصائص المكان الضيق تبعًا لرحلة بطلها مصطفى سعيد ما بين لندن وقرى شمال السودان إلى جهة الانفتاح والانغلاق والانسداد، والإقامة والعبور، والاغتراب والطمأنينة، صقيع غرف الشمال، ودفء غرف الطين في الجنوب، وسيتحوّل خزّان الشاحنة في “رجال تحت الشمس” لغسان كنفاني إلى قبر جماعي لثلاثة شبان فلسطينيين أرادوا عبور الصحراء الكويتية تهريبًا. من جهته، يفترق إبراهيم أصلان عن سواه في تأثيث المكان الضيّق بحميمية آسرة رغم متاعب العيش، مستبدلًا الألفة بطبقات القهر، ومعانقة الآخر روحيًا بالتغييب القسري، فالمقهى في روايته “مالك الحزين” يحضر كمكان “لتعديل المزاج” أكثر منه فسحة ضيّقة، إلى أن يستولي تاجر الدواجن على المكان ويقرّر هدمه، إيذانًا بفقدان الملجأ الأخير للمهمشين، وسيضيّق الراوي فتحة العدسة في متتاليته الروائية “حجرتان وصالة” مكتفيًا بخطوات معدودة بين المطبخ والصالة وبالعكس، فالحياة هنا تقاس بالأمتار لا المسافات الطويلة، فيما يستكشف من النافذة الوحيدة رحابة الشارع وصخبه، وهو حين يضطر لمغادرة الحجرة بسبب طارئ ما، سيذهب نحو المستشفى، أو عيادة للطب النفسي، أو صيدلية، مغلقًا العدسة على حيوات تضيق بأرواح أصحابها، في لحظة ما قبل الاختناق ونفاد الهواء.
ليس الاشتباك مع جدران المكان الضيق والتسلل من شقوقه نحو الخارج شأنًا عابرًا في أعمال إبراهيم أصلان، إنما يقع في بؤرة اهتماماته، سواء في “وردية ليل” التي تجري وقائعها داخل مكتب ضيّق للبريد، أو في “عصافير النيل” التي توثق الحياة اليومية لنازحي الأرياف في “شارع فضل الله عثمان”، ببيوته الضيّقة والخانقة على امتداد الشارع الموازي لنهر النيل. يستدعي إبراهيم أصلان لغة متقشفة ومقطّرة تتقاطع مع تقشّف حيوات شخوصه الروائية الغارقة بضيق العيش وندرة الأوكسجين. على المقلب الآخر، سيغامر لؤي حمزة عباس بإماطة اللثام عن أكثر الأماكن ضيقًا وسريّة ونبذًا، نقصد به “كتاب المراحيض”، إذ يفكك الروائي العراقي معنى بيت الخلاء، أو بيت الراحة، ورحلة البشرية من التوحش إلى التمدن. ما إن نتجاوز صدمة العنوان والروائح الكريهة للمكان، سيتكشف التاريخ السرّي للمراحيض عن أرشيف مثقل بالإحالات عمّا هو جميل ووضيع، وفحص علامات الخفة والراحة، النجاسة والطهارة، ذلك أن “كل الغرف قابلة للتحويل وتغيير الوظائف بلا قيود إلا غرفة المرحاض”، ففي هذا المكان الضيّق، وتحت وطأة الحاجة الفيزيائية الملحة، يطيح الهامش بالمركز، ما يتطلب قراءة سوسيولوجية فاحصة في بناء العمارة السردية لجهة القطع والوصل، والعزلة والبوح، أو كما يقول لؤي حمزة عباس “أفكر أن عليَّ أن أبدّد ما تجمّع من ظلال المعنى، أدحض المعنى بطريقة ما لأزيد من التباس الأثر”. في معجم الضيق، سيباغتنا المخرج المسرحي الراحل فواز الساجر بورقة مطوية وجدت في حقيبة يده لحظة رحيله تختزل مأساة المكان الضيّق وآلام العيش: “إن عصرنا هذا هو عصر الضيق. أكلُنا ضيِّق، شرابُنا ضيِّق، زيَّنا ضيِّق، مسكَنُنا ضيِّق، مرتَّبُنا ضيِّق، تفكيرُنا ضيِّق، مطمَحُنا ضيِّق، أفقنا ضيِّق، عدلنا ضيِّق، عالمنا ضيِّق، مصيرنا ضيِّق، موتنا ضيِّق، قبرنا ضيِّق. الضِيق… الضِيق! افتحوا الأبواب والنوافذ… سيقتلنا الضِيق! افتحوا الأرض والسماء… سيقتلنا الضيق! افتحوا الكون… سيقتلنا الضِيق، الضِيق… الضِيق”.