في 27 أيلول (سبتمبر)، قُتلت الطفلة جنّات العفيس ذات الأعوام الثلاثة في دير الزور على يد والدها، وأعلنت قوى الأمن الداخلي لاحقاً توقيفه، وأظهر الكشف الطبي أن الوفاة نتجت عن تهشّمٍ في الجمجمة. ووفق مصادر عائلية، تعرضت جنّات للعنف سابقاً، كما سبق توقيف والدها على خلفية شكوى تعنيف، وبعدها تم الإفراج عنه واستعاد ابنته. وأعادت الحادثة إلى الواجهة وفاة والدتها قبل أشهر، والتي سُجّلت حينها على أنها حادثة انتحار.

من يحمي الفتيات في بيوتهن؟

لم تتوقف حوادث العنف المنزلي في سوريا. لكن تبقى الأحاديث حول هذا النوع من القضايا مُحاطة بالخوف، وتختلط بها الشائعات في ظلِّ غياب المعلومات الدقيقة. كما لا تظهَرُ خفايا المسار القضائي إلى العلن حتى عندما تتحول القضية إلى الرأي العام، إذ تغيب الشفافية ويصعب التحقّق من أسباب توقيف الوالد في قضية جنّات، كما يصعب تتبّع مسار الحضانة في ظل عدم صدور أي تصريح من محامٍ موكل بالقضية.

وهذا ما حصل في تموز (يوليو) في درعا، إذ قُتلت نور الدوس نتيجة «الأذيات الناجمة عن الضرب المُبرح» بعد سنوات من انتقال حضانتها بين والديها. عاشت نور بدايةً مع والدتها قبل أن تُنقل بحكم قضائي إلى والدها عقب زواج الأم، لتعيش لاحقاً في منزل عائلة الأب. وبحسب عائلة الأم، قُدّمت شكاوى سابقة للقضاء حول تعرض الطفلة للضرب، مدعّمة بصور توثّق التعنيف، لكن الشكاوى لم تُعالَج بجدية. فيما أكدت الجهات القضائية أنها استدعت القاضي المعني للتحقيق، مُشدّدةً على أن تداول القضية إعلامياً دون معلومات مُكتملة «قد يؤثّر في سير العدالة». لكنّ تضارب الروايات بين العائلة والجهات القضائية فتح الباب أمام أسئلة مُلحّة حول كيفية تعامل القضاء مع الإبلاغات المتعلقة بتعنيف الأطفال، ومدى قدرة المنظومة القانونية على التدخل المبكر لمنع تكرار هذه الوفيات داخل البيوت، تلك المنظومة التي يبدو أنها لم تنجح في حماية الأطفال حتى الآن.

تتشابه القصتان في أن شكاوى التعنيف لم تُعالج بجدية، خصوصاً حين ترتبط بنزاعات الحضانة، إذ تُظهر حادثة ثالثة أن تطبيق القانون يميل إلى ترجيح كفة الآباء حتى في ظل وجود «الأذيات الناجمة عن الضرب المبرح» أو شكاوى متكررة من الأم وسكان الحي والأقارب، ما يعكس خللاً في آليات الاستجابة والحماية.

وتُعدّ حادثة آيات الرفاعي، التي قُتلت عام 2022، واحدةً من أبرز الأمثلة على الخلل في التعامل القضائي مع قضايا العنف الأسري والحضانة. فقد توفيت بعد تعرّضها للضرب داخل منزل زوجها، وهو ما أثبته تقرير الطب الشرعي وأدى إلى صدور حكم بسجن الزوج سبع سنوات فقط. لكنه تمكّن من الهروب من السجن عند سقوط النظام، وتقدّم هذا العام بطلب حضانة ابنته، ليحصل على قرار قضائي يمنحه الحضانة رغم كونه محكوماً في قضية قتل زوجته، ودون أن تُبلّغ عائلة آيات بالدعوى أو تُعرض وثائق الإدانة أمام القاضي. لاحقاً، قدّمت العائلة ما يثبت الحكم الصادر بحق الأب.

يوضح المحامي وخبير الحماية من العنف محمد.ت للجمهورية.نت أن الخللَ لم يكن في غياب النص القانوني، بل في تعامل القضاء مع شكاوى التعنيف كأنها نزاعٌ عائليٌّ على الحضانة وليست خطراً على حياة طفلة. فالمادة 137 من قانون الأحوال الشخصية تشترط في الحاضن القدرة على صيانة المحضون صحةً وخلقاً. ويتيح تعديل عام 2019 للقاضي الخروج عن ترتيب الحاضنين متى اقتضت مصلحة المحضون ذلك. ويُلزِم قانون أصول المحاكمات الجزائية كل موظف عام، والقاضي في مقدمتهم، بإبلاغ النيابة العامة فوراً بأي جُرمٍ يعلم به. ويُكرّس قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 مبدأ «المصلحة الفضلى للطفل» وحقه في الحماية من العنف داخل الأسرة.

ويُضيف أن الحلقة الأكثر غياباً كانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الجهة المعنية بتقييم البيئة الأسرية وإدارة حالات الأطفال المُعرّضين للخطر وتوفير الرعاية البديلة. فلم يُعَدُّ تقرير اجتماعي قبل قرارات الحضانة، ولم يُفتح ملف متابعة بعد الشكاوى، ولا يوجد نص يُلزم المحاكم بإحالة هذه الحالات إليها. والنظام الوطني لإدارة حالة الطفل، الذي تعمل الوزارة على إطلاقه مع يونيسف، لم يصل بعد إلى المحافظات الأكثر حاجة. وما لم تُقَرّ أوامر حماية طارئة، وتُلغَ المادة 185 من قانون العقوبات التي تُبيح «التأديب»، ويُفرض مسار إحالة إلزامي من القضاء إلى وحدات إدارة الحالة، ستبقى لجان التحقيق تأتي بعد فوات الأوان.

وتُظهِر الوقائع أن كثيراً من حالات العنف غير المرتبطة بنزاعات الحضانة تُواجَه بالتعتيم أو ضعف الاستجابة. فمنذ تموز (يوليو) الماضي، سُجّلت خمس جرائم قتل على الأقل استهدفت فتيات دون الخامسة عشرة، وكان آخرها مقتل الطفلة راما المصري في ريف دمشق، واتّخذَت هذه الجرائم نمطاً واحداً تقريباً: اختفاء الطفلة لفترة قصيرة، ثم العثور على جثمانها في محيط منزلها أو داخل الحي ذاته، ما يُشير إلى أن دائرة الخطر كانت داخل البيت أو حوله مباشرة.

وماذا عن النساء؟

مثلما لم تَحمِ المنظومة القانونية الأطفال من العنف داخل البيوت، تُظهر الحوادث أن النساء يواجهنَ الخطر ذاته. وأشارت تقديرات قطاع الحماية في سوريا، في تقريره نصف السنوي لعام 2026، إلى أن نحو 8.6 مليون شخص لا يزالون بحاجة إلى خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستجابة له، بينهم 7.3 مليون امرأة وفتاة، أي ما يقارب 85 بالمئة من العدد الإجمالي. وأفادت مصادر مصلحة الهجرة السويدية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 بأن العنف الجسدي ضد النساء داخل الأسرة ازداد وأصبح أكثر تطبيعاً، ولا سيما مع اضطرار أعدادٍ متزايدةٍ من النساء العائدات إلى السكن مع أفراد الأسرة الممتدة. ورصدت المصادر نفسها تَعزُّزاً في الأدوار الذكورية التقليدية، وربطته بارتفاع مستويات العنف الجسدي والجنسي.

كما وثّقت «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» بين حزيران (يونيو) 2025 وأيار (مايو) 2026 سلسلة جرائم قتل استهدفت نساء في محافظات حلب وإدلب وحماة، اتخذت جميعها نمطاً يقوم على استخدام ذرائع «الشرف» والوصاية الأسرية والعشائرية لتبرير العنف. وتكشف الشهادات عن أشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، شملت القتل بسبب اختيار شريك الحياة، أو الطلاق، أو على خلفية ما وصفها التقرير بأنها «علاقات عاطفية مرفوضة اجتماعياً»، فضلاً عن معاقبة إحدى ضحايا العنف الجنسي بدلاً من محاسبة مرتكب الاعتداء، وسط تدخل مباشر من الأخ أو ابن العم أو ابن الشقيق وغياب المساءلة الفعلية في عدد من الحالات.

أُلغيت المادة 548 من قانون العقوبات السوري بموجب القانون رقم 2 لعام 2020، وهي المادة التي كانت تمنح أعذاراً مُخفِّفة لمرتكبي جرائم القتل بذريعة «الشرف»، لكنّ هذا الإلغاء لم ينهِ التبرير الاجتماعي لهذه الجرائم، ولم يُكرّس المحاسبة والمساءلة. وتشير تقارير الحماية إلى أن الإبلاغ عن حالات العنف يبقى منخفضاً جداً، بفعل الخوف من الانتقام داخل الأسرة، والوصمة الاجتماعية، وغياب آليات حمايةٍ فعّالةٍ. وهذا ما يجعل معظم قضايا قتل النساء تُدرَج كانتحار أو تُسجّل ضد مجهول، ولا تُعرف إلا في حالات محدودة، فيما يُتكتَّم غالباً على قضايا العنف، وعندما تصل إلى حدّ القتل العمد تُستَغلّ كل الفجوات القانونية لإضاعة حقوق النساء.

*****

تعود القصص الواردة في التقرير لطفلات ونساء لهنّ أسماء وحكايات، وكان لديهنّ أحلام، وكان يمكن أن يعشن أقداراً طبيعية. وبعد مقتلهنَّ، صار يربط بينهنّ جميعاً أنّهن قُتلن على يد رجال «أوصياء» أو جيران أو أقرباء. ولكن يبقى أننا سمعنا فقط ببعض حكايات العنف والقتل الذي تَتعرَّض له الطفلات والنساء، فعرفنا أسماء ضحاياها ووصلت قضاياهنّ إلى المحاكم، بيد أنّ هناك 7.3 مليون امرأة وفتاة سوريةٍ في خطر، وكلّهنَّ يستَحقِقنَ الحماية.