
الموسيقي التونسي ظافر يوسف في مهرجان الحمامات (خدمة المهرجان)
ملخص
احتضن مسرح مهرجان الحمامات الدولي، ضمن برنامج دورته الـ60، الفنان التونسي ظافر يوسف في أمسية موسيقية حملت الجمهور إلى عالم “شيراز”، مشروعه الجديد الذي يختزل مساراً فنياً وإنسانياً امتد بين تونس والعالم.
لم يكن الموعد مجرد عودة فنان إلى أحد أهم المسارح التونسية، بل كان لقاء بين تجربة موسيقية اختارت منذ بداياتها كسر الحدود، وفضاء ثقافي ظل على مدى ستة عقود مفتوحاً على المغامرات الفنية الكبرى.
التجربة الشخصية في لغة موسيقية
يحمل مشروع “شيراز” مكانة خاصة في تجربة ظافر يوسف، فهو ليس مجرد ألبوم جديد يضاف إلى مسيرة فنان راكم خلال أعوام طويلة تجارب موسيقية عدة، بل هو عمل خرج من منطقة شديدة الحميمية في حياته. اختار ظافر أن يحمل الألبوم اسم زوجته شيراز، وأن يحول تجربة إنسانية مشتركة إلى فضاء موسيقي مفتوح على التأمل والحب واستعادة الضوء.
وراء هذا المشروع تقف رحلة صعبة عاشها الفنان التونسي إلى جانب زوجته خلال فترة مرضها، وهي تجربة دفعته إلى إعادة النظر في معنى الزمن والقرب والوجود. لم يتعامل ظافر مع هذه المحنة بوصفها لحظة انكسار، بل بوصفها رحلة بحث عن التشافي وعن القوة التي يمكن أن يولدها الحب في مواجهة هشاشة الحياة، لذلك جاءت موسيقى “شيراز” محملة بمزيج من الحزن والصفاء، من القلق والطمأنينة، من الإحساس بالألم والرغبة في الاحتفاء بالحياة.
لا يروي ظافر يوسف هذه الحكاية بالكلمات، بل يترك للموسيقى أن تقوم بهذا الدور. فالعود هنا لا يعزف ألحاناً فحسب، وإنما يحمل آثار تجربة داخلية، والصوت لا يبحث عن الاستعراض، بل عن مساحة قريبة من الروح. إنها موسيقى تولد من الخاص لتصل إلى العام، من قصة شخصية لتلامس أسئلة إنسانية مشتركة حول الحب والأمل والقدرة على تجاوز اللحظات الصعبة.
ولعل خصوصية “شيراز” تكمن في أنه لا يقدم المرض بوصفه نهاية، بل يجعل منه نقطة عبور نحو معنى آخر للحياة، فالفن، عند ظافر يوسف، لا يأتي ليشرح الألم، بل ليعيد صياغته وتحويله إلى جمال، ومن هنا يصبح الألبوم أقرب إلى رسالة امتنان للحياة، وإلى محاولة لاستعادة النور من داخل العتمة.
لغة موسيقية عابرة للحدود
منذ بداياته، اختار ظافر يوسف طريقاً مختلفاً. لم ينظر إلى العود بوصفه آلة مرتبطة بماضٍ ثابت، بل باعتباره صوتاً قادراً على السفر والحوار مع ثقافات أخرى. ومن هذا المنطلق جاءت تجربته التي جمعت بين الموسيقى العربية والجاز والتقاليد الصوفية، في محاولة لبناء مساحة موسيقية لا تلغي الاختلافات بل تجعل منها مصدر ثراء.
لقد استطاع ظافر أن يمنح العود حضوراً جديداً في المشهد الموسيقي العالمي. لم يقدم موسيقى عربية داخل إطار غربي، ولم يحاول تقليد نماذج جاهزة، بل اشتغل على خلق لغة خاصة به، تستند إلى جذوره التونسية والعربية، وتنفتح في الوقت نفسه على تجارب موسيقية مختلفة.
في مهرجان الحمامات، ظهر هذا المسار بوضوح. كان مشروع “شيراز” قائماً على الحوار بين الآلات، حيث لا تبحث الموسيقى عن بطل واحد، بل عن تناغم بين الأصوات. الجاز يمنح مساحة للارتجال، والعود يحمل ذاكرة الشرق، والنفس الصوفي يضيف بعداً تأملياً يجعل الموسيقى أقرب إلى رحلة داخلية.
وهنا تكمن قوة تجربة ظافر يوسف: في قدرته على أن يكون تونسياً من دون أن ينغلق داخل حدود الهوية، وعالمياً من دون أن يفقد صلته بالجذور، فالعالمية في مشروعه ليست خروجاً من المكان، بل طريقة جديدة لحمل المكان إلى العالم.
الحمامات… البحر وذاكرة الموسيقى
ليست كل الأمكنة مجرد فضاءات تستقبل العروض، فبعضها يشارك في صناعة معناها. ومسرح مهرجان الحمامات الدولي واحد من هذه الأمكنة التي تجاوزت وظيفتها المعمارية ليصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية التونسية، فمنذ تأسيسه، ظل هذا المسرح المفتوح على البحر موعداً مع التجارب الفنية التي تبحث عن الحوار بين المحلي والعالمي، بين التراث والحداثة.
لهذا اكتسب حضور ظافر يوسف في الدورة الـ60 للمهرجان دلالة تتجاوز ليلة موسيقية عابرة، فالفنان الذي حمل العود التونسي إلى مسارح العالم عاد إلى فضاء تونسي يحمل بدوره تاريخاً طويلاً من استقبال الأصوات المختلفة. هناك، أمام البحر والسماء المفتوحة على المتوسط وجد مشروع “شيراز” مكاناً ينسجم مع طبيعته: موسيقى مفتوحة لا تعترف بالحدود، وتبحث دائماً عن فضاء أوسع للتنفس.
لم يكن اختيار الحمامات مجرد محطة في جولة فنية، بل لقاء بين ذاكرتين: ذاكرة فنان بنى تجربته على السفر والعبور بين الثقافات، وذاكرة مهرجان جعل من الانفتاح إحدى ركائزه الأساسية، لذلك بدا العرض وكأنه يعيد طرح السؤال نفسه الذي رافق مسيرة ظافر يوسف: كيف يمكن للفنان أن يحمل جذوره معه وهو يذهب بعيداً؟
أكدت أمسية ظافر يوسف في مهرجان الحمامات الدولي أن الموسيقى يمكن أن تكون شكلاً آخر من أشكال الحكاية. ففي “شيراز” لم يستعد الفنان التونسي تجربة شخصية فحسب، بل أعاد صياغتها بلغة لا تحتاج إلى شرح، لغة يعبر فيها الصوت والعود والآلات عن مساحات من الذاكرة والانتظار والأمل.
بعد أعوام من السفر والتجريب، عاد ظافر يوسف إلى تونس لا ليستعيد ما مضى، بل ليواصل رحلة البحث عن ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين الجذور والآفاق. رحلة جعلت من العود أكثر من آلة، ومن الصوت أكثر من أداء، ومن الموسيقى مساحة لاختبار معنى الإنسان.