
قبل أيام، أنهت القوات الأميركية رحلتها المكلفة جداً إلى “الجحيم”، وفق وصف دونالد ترامب، إذ استكملت واشنطن سحب قواتها من العراق. وفي بحت تداعيات هذا الحدث، مالت كفّة معظم التحليلات التي تداولتها وسائل الإعلام باتجاه الخشية من “جحيم” آخر مرتقب. إما انبثاق جديد لـ”داعش”، أو تمدد أكبر لإيران في الساحة العراقية.
تستند هذه التحليلات إلى مقاربتين: الأولى، هي المقارنة مع تجربة الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، والتي نجم عنها صعود تنظيم “الدولة الإسلامية- داعش” والانهيار الدراماتيكي لقوى الأمن والجيش العراقي وما أعقبها من حرب إقليمية ودولية ضد التنظيم استمرت سنوات حتى إنهاء نشاطه العلني، وشملت سوريا والعراق. أما المقاربة الثانية، فتستند إلى النظرية الشهيرة في السياسة الدولية والجيوسياسية، المتعلقة بملء الفراغ. فحينما تنسحب قوة دولية أو إقليمية من منطقة، تبادر أخرى لملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوة الأولى. وبموجب هذه المقاربة، تبدو إيران الأقدر على ملء فراغ الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، ما سيزيد من قدرة طهران على استخدام العراق كمنصة لتحقيق مصالحها.
تستند المقاربتان أعلاه إلى منهجية التحليل الخطي، وتبني التنبؤ المستقبلي على الماضي من دون مراعاة التغيّرات في تركيبة المقدّمات التي كانت قبل عقد ونصف سبباً للنتيجة المتمثّلة في تمدد “داعش” والنفوذ الإيراني معاً. فالمقدّمات ليست ذاتها التي كانت عام 2011. إذ تغيّرت تركيبتها والكثير من التوازنات والمصالح داخلها، ناهيك عن أثر التجربة ذاتها، مما يجعلنا نتوقع أثراً مختلفاً لهذه المقدّمات.
في تشريح ما سبق، تفيدنا مناقشة التساؤل التالي: هل كان الوجود العسكري الأميركي في العراق، خصوصاً في سنوات ما بعد العام 2020، مصدراً للنفوذ الأميركي في هذا البلد؟ نزعم بأن الجانب العسكري من النفوذ الأميركي كان قد تحوّل إلى عبء بدلاً من أن يكون عامل قوة لواشنطن في العراق، إذ أصبحت القواعد الأميركية فيه هدفاً سهلاً للاستهدافات من جانب الفصائل الشيعية المقرّبة من إيران، أو من جانب إيران ذاتها. وقد زادت وتيرة هذه الاستهدافات بعد عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وكان أكثر من ثلث الجنود الأميركيين القتلى في الحرب مع إيران منذ شباط/فبراير الفائت من نصيب القوات المتمركزة في العراق.
ومن الأدلة الواضحة على محدودية وزن الوجود العسكري في تركيبة النفوذ الأميركي بالعراق، تظهر تجربة تدخل واشنطن في تسمية رئيس الوزراء ببغداد، مطلع العام الجاري. فالرئيس الأميركي أعلن “فيتو” صريحة على تولي نوري المالكي لهذا المنصب، بوصفه امتداداً مباشراً للنفوذ الإيراني. ورغم أن “الإطار التنسيقي” يضم قوى شيعية وازنة مقرّبة من إيران، وهو الطرف الأقوى في تركيبة حكم هذا البلد، إلا أنه خضع للضغط الأميركي، وتراجع عن ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء. وتم تسمية رجل الأعمال والمصرفي علي الزيدي كتسوية وسط مع واشنطن. فما الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة في هذا التدخّل؟ وكيف أجبرت مقرّبين من إيران على التراجع عن ترشيح رجلها المفضّل، نوري المالكي، لرئاسة الوزراء؟ هل لوحت واشنطن بعصا “عسكرية”؟ الجواب لا. كانت “العصا” الأولى، اقتصادية – مالية. فقد هددت واشنطن بتجميد عوائد مبيعات النفط العراقي المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي، بموجب الترتيب المتبع منذ العام 2003، إلى جانب التلويح بوقف تدفقات شحنات الدولار الشهرية إلى البنك المركزي العراقي وفرض عقوبات مشددة على النظام المصرفي ببغداد، وفرض عزلة مالية عليه تفصله عن النظام المصرفي الدولي. فيما كانت “العصا” الثانية، استخباراتية. فقد هددت واشنطن بوقف كافة أشكال الدعم الأمني واللوجستي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، مما رفع منسوب المخاوف لدى المنظومة الأمنية العراقية من أن يؤدي ذلك لانهيار القدرة على متابعة التهديدات الأمنية المرتبطة بـ”داعش”. وقد لجمت هذه التهديدات أقوى حلفاء إيران، ودفعت قيادات بارزة في “الإطار التنسيقي” الشيعي إلى التراجع عن دعم المالكي، وصولاً إلى إعلان المالكي نفسه استعداده لسحب ترشيحه، حفاظاً على تماسك “البيت الشيعي”.
ما سبق يظهر أن النفوذ الأميركي في العراق لا يقوم على التواجد العسكري المباشر، بل على خلطة من عوامل التأثير المالية والاقتصادية والأمنية واللوجستية، تجعل النواة الضيقة للتركيبة الحاكمة -رغم شيعيتها- عاجزة عن التماسك في مواجهة ضغط أميركي شديد. فهذه النواة الضيقة، رغم ولائها لإيران، تخشى غضباً شعبياً شبيهاً باحتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019، والتي مثّلت أكبر تهديد لاستقرار حكم هذه “النواة”، إذ كان ثقلها الديمغرافي شيعياً بامتياز، ودوافعها اقتصادية- معيشية بصورة رئيسية. لذلك كانت تهديدات واشنطن بدفع البلاد إلى انهيار اقتصادي، كفيلة بلجم “إيرانيّةِ” هذه “النواة” لصالح “عراقيتها”.
أما في الخشية من “قيامة” جديدة لـ”داعش”، فتقلّل منها الخبرة الكبيرة التي امتلكتها قوى الأمن والجيش العراقي في حربها مع التنظيم بين 2014 و2019، والرعاية الأمنية واللوجستية الأميركية لها والتي ستبقى مستمرة، مع بقاء وجود عسكري أميركي قريب لحالات الطوارئ في الأردن. ناهيك عن التطوّر الكبير في أداء مؤسسات الدولة العراقية مقارنة بما كان عليه الوضع بعيد العام 2011. وهو ما يجعل إسقاط سيناريوهات ما بعد 2011، على تجربة الانسحاب الأميركي الحالية من العراق، مقاربة خطية مباشرة تتجاهل كل التغيّرات والمستجدات المرتبطة بالوضع العراقي على مدار العقد الفائت.