تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • عصر ما بعد الحاجة
  • مقالات رأي

عصر ما بعد الحاجة

المحرر Editor 24 ديسمبر، 2025 تمت قراءة 1 دقيقة
Image-1766515929
نحو عالم تصبح فيه المتعة هي أساس الحاجة (Getty)

عندما يُطلق جيفري هينتون تحذيراته الصارمة حول انهيار سوق العمل، أو عندما يرسم إيلون ماسك سيناريوهات نهاية العالم أو “الفردوس التقني”، أو حين يطلق بيرني ساندرز توقعاته القاتمة، فإنهم ينطلقون من فرضية واحدة، بسيطة ومضلِّلة في آن: حاجات البشر ثابتة، والقواعد التي تدير العالم لا تتغير. 

يصوّر هؤلاء المستقبل كما لو أنّ قائمة احتياجاتنا، من غذاء وعمل وأمان ووظائف عقلية، هي قدر بيولوجي لا يتغير، وأنّ الصراع المقبل هو مجرد تبادل أدوار من يلبّي الحاجة: الإنسان أم الآلة.  لكن التاريخ الإنساني يخبرنا بقصة مختلفة تماماً. نحن لا نعيش لتلبية حاجات؛ بل لتحقيق مُتَع تم تدجينها بالوفرة، فتحولت إلى حاجات.

التفاح، البيرة، الأطباق المعقدة، وحتى السفر؛ كلها بدأت كـ”مُتَع” مدهشة، وبمجرد أن توافرت بكثرة، حوّلها العقل البشري إلى “حاجات” روتينية تفقد قيمتها الشعورية بمجرد نيلها. ماسك وهينتون وساندرز يقلقون من انهيار “الحاجات القديمة” التي ستتكفل بها الآلة، لكنهم غافلون عن “المُتَع الجديدة” التي سيخترعها الإنسان ليملأ بها فراغ وجوده.

ولادة المتعة

في العالم الجديد الذي بدأت تباشيره تلوح في الأفق لم يعد الكمال الإنساني وتطلبه ضرورة لحمايتنا. فالآلة، بذكائها المتراكم وقدرتها الفائقة على التنظيم، ستوفر مستوىً من الاستقرار يتجاوز قدرة الدولة والعائلة والسوق، على توفيرها. وهنا، يحدث التحول الأنطولوجي الأكبر: النقص البشري يتحول من “عجز” إلى “رفاهية“.

في الماضي، كان نقص المعرفة يؤدي إلى الموت، ونقص القوة إلى الاستعباد. أما اليوم، فللمرة الأولى، يمكن للإنسان أن يستمتع بنقصه: متعة ألّا تعرف كل شيء، متعة ألّا تكون كاملاً، متعة أن تختبر هشاشتك من دون أن يتدمر عالمك. لقد أصبح “الكمال” وظيفة ميكانيكية متروكة للآلة، وهو ما يمنح البشر ميزة أن يكونوا مترددين وناقصين، وأكثر تطلباً للإبداع. 

المستقبل: “صناعة اللذّات“

عندما تتكفل الأنظمة الذكية بالطبخ، والإدارة، والعلاج، والتنظيم المالي، سنجد أنفسنا أمام فائض هائل في الوقت والأمان. حين تتسيد هذه اللحظة على زماننا المستقبلي لن يكون السؤال ماذا سنحتاج؟، بل سنركض خلف سؤال: ما الذي سنستمتع بابتكاره؟ فالمستقبل ليس لصنع الأشياء، بل لصنع اللذّات. وقد تكون هذه المُتَع غير قابلة للتخيل اليوم لأنها خارج منطق المنفعة:

أن يتعلم الإنسان كيف يعيش في “جلد دب” لثلاث ساعات، ليختبر وعياً غير بشري. أو أن يعيد تشكيل ذاكرته أسبوعياً ليعيش دهشة البدايات، أو أن يبتكر حالات شعورية “هجينة” لا يمتلك الذكاء الاصطناعي أعصاباً ليشعر بها. وهذا كله أورده ليس بوصفه مشاريع تقنية، بل كاستعارات عن أشكال وعي لا نملك لها أسماء، أو تصورات دقيقة حتى الآن. 

الفنون كمورد وضرورة 

الفن ليس حاجة، بل هو ما نفعله عندما نمتلك فائضاً وجودياً. هو تنفّس البشرية غير الضروري. والأرجح أننا في المستقبل سننقل الفن من خانة النشاط الهامشي إلى موقع الضرورة الفيزيولوجية لإثبات الأثر. 

وهنا يكمن خطأ هينتون؛ الآلة قد تكتب نوتة موسيقية كاملة، وقد تقترح سلّماً موسيقياً معجزاً، لكنها لا تملك الأصابع التي ترتعش على أوتار العود أو مفاتيح البيانو، ولا تحسن ضرب النوتة الخطأ التي لا تتكرر، النشاز البديع الذي يسبق النغمة؛ هذا هو ما سيبقى ميدان الإنسان الأبرز الذي لا تنافسه فيه الآلات. وتالياً، من شأن هذا التقسيم بين دور الآلة في إنتاج الدقة والكمال، ودور البشر في إنتاج النقص والمفاجئ، أن يتحول المجتمع البشري من مجتمع إنتاج إلى مجتمع إيقاع حيث القيمة لن تكون كامنة في ماذا أنتجت؟ بل في كيف عزفت؟

السلطة الجديدة

للمرة الأولى في التاريخ، ستظهر سلطة لا تحسد البشر على متعهم. الملوك حاربوا المتعة لأنها تهدد الطاعة، والرأسمالية ضيقتها لأنها تهدد الإنتاج. لكن الآلة، لأنها لا تملك “شهوات” ولا تخسر شيئاً من كيانها، ستكون السلطة التي تبارك فيض نقصنا ولعبنا. وهذه “اللامبالاة التقنية” هي التي ستخلق المساحة الحقيقية للحرية: حرية أن تكون ناقصاً، أن تجرب بلا خوف من الفشل، وأن تخترع متعة لا قيمة لها خارج كونها متعة.

نحن لا نتجه نحو عالم كئيب تسيطر فيه الآلة على رقابنا، بل نحو عالم تصبح فيه المتعة هي أساس الحاجة. عالم يتخلى فيه الإنسان عن وهم الكمال، لأن الكمال سيتحول إلى “خدمة عملاء” تقدمها الآلة.

إن اقتصاد المتعة في المرحلة المقبلة يملك إعلاناً واضحاً: الإنسان لا يعيش ليكتمل، بل ليجرب. لا يعيش ليُحكم، بل ليلعب. اليد العليا ستبقى دائماً في هذا النقص الخلّاقالذي يسمح لنا أن نعزف على بيانو الحياة بأصابع تخصنا وحدنا، أصابع تخطئ، تتعثر، لكنها تصنع لحناً لا تستطيع أي خوارزمية، مهما بلغت دقتها، أن تحلم به.

هينتون وماسك ومعظم المحللين حول مستقبل البشرية، ينطلقون دائماً من حاضرنا. في حين أن العقود القليلة الماضية أثبتت لنا، أن المراكمة الحقيقية تقع في المستقبل. الاستثمار في الذكاء الصناعي لا يعطي مردوداً اليوم، لكنه استثمار هائل، لأن المستثمرين يعرفون أن مستقبله قادر على تغيير نمط الحياة البشرية في معظم مستوياتها. إنه استثمار مستقبلي وليس تلبية لحاجة راهنة. إذ بوسعنا ان نستمر في العيش كما كنا، وليس ثمة سبب جوهري يجعلنا نغامر في إنتاج آلات بوسعها إدارة العالم وتحصينه. 

لهذا يبدو الانطلاق من واقع صراعاتنا الراهنة ومصاعبنا لتحليل مستقبلنا، أشبه ما يكون بتحليلات القرون الوسطى، حين كان الزمن بطيئاً، وكان العالم يسير بخطى ثقيلة نحو مستقبل غامض أصلاً، لا يملك مفاتيحه إلا من يعيش في السماء. في حين أن الاستثمارات الحالية في المستقبل تملك كل المقومات التي تجعلها قادرة على رسم خريطة طريق، أو إطار عام لما ستكون عليه الحياة البشرية مستقبلاً. فنحن لا نستثمر في الذكاء الاصطناعي لحل أزمات الحاضر، بل نستثمر في المستقبل كمساحة لاختراع وجود جديد. وفي هذا العالم الجديد الذي نصنعه، لن يعود تطلبنا للكمال والدقة كبشر ضرورياً لحمايتنا. 

  • المدن

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: عيد ميلاد مجيد
التالي: حلب وحضرموت… تذكير بما لم يجرِ

قصص ذات صلة

  • مقالات رأي

كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

فوضى بعض وكالات الأنباء

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

عماد جمعة لـ”المجلة” بعد 12 سنة في السجن: خططنا لضرب “حزب الله” من لبنان… وبايعت “داعش” تحت التهديد (1-2)

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟
  • فوضى بعض وكالات الأنباء
  • عماد جمعة لـ”المجلة” بعد 12 سنة في السجن: خططنا لضرب “حزب الله” من لبنان… وبايعت “داعش” تحت التهديد (1-2)
  • سوريا ومحنة المواطنة
  • جريحان ورهينة

لربما فاتك

  • مقالات رأي

كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

فوضى بعض وكالات الأنباء

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

عماد جمعة لـ”المجلة” بعد 12 سنة في السجن: خططنا لضرب “حزب الله” من لبنان… وبايعت “داعش” تحت التهديد (1-2)

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

سوريا ومحنة المواطنة

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.