
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره.. جريدة الثورة السورية دمشق
هذا علم الوطن لا علم غانا، هو العلم الذي ضحّى الآلاف من أجل أن يرفرف في وطن جديد للسوريين جميعاً. كان القديم علامة إذلال، عليك أن تفرح للقهر الذي يسبّبه في كل مناحي حياتك اليومية، أن تحيّيه صاغر الرأس في طابور المدرسة الصباحي متمتمتاً بكلام يخاصم روحك.
هو ليس مجرّد قطعة من القماش، بل رمز للوطن يختزل تاريخه الماضي، ومرآة حاله، وآمال شعبه. هو مصدر اعتزاز المواطن بموطنه، والمظلّة الجامعة التي تسمو فوق كل الاعتبارات الثانوية، وتحمي حديقة الوطن بألوانها كلها.
قبل أيام؛ أثارت مشاعرَ السوريين جميعاً الوقفةُ البهيّة للفتاة “ميرغانا” ابنة الفرات رافعةً العلم السوري باعتزاز، متوّجةً بالذهب بين رياضيين من عشرات البلدان، على منصّة في أقصى جنوبي الكرة الأرضية، وأنعشت قلوبهم. ابنة الفرات حصدت أثمن الجوائز الرياضية باسم سورية، بأسماء السوريين جميعهم.
رفعت الأثقال، ورفعت العلم. لم تذكر اسم قريتها الصغيرة المغمورة، ولا مدينتها “الرقّة” التي تحتضن منذ عقود السوريين من المحافظات كلّها، تتمازج فيها اللهجات والعادات بالأصالة البدوية. الرقّة حفيدة “توتّول” التي شهدت على مدى قرون لقاء المختلفين قرب جدران معبدها وعناقهم، “الرافقة” التي آثر الخلفاء العيش فيها بعيداً عن عواصمهم.
احتفل فريقها الرياضي وأبناء مدينتها والمسؤولون فيها بفوزها، شاركوا أسرتها أفراحهم، وكان البطل المغوار هو الأب الذي ربّى ابنته منذ صغرها على حبّ الوطن، وساندها في تنمية الموهبة التي حباها الله بها، وزرع في نفسها الأمل الدائم بالانتصار من أجل رفعة الوطن، بعيداً عن تفضيل أو تعصب لانتمائه الكردي، أو قبيلته، أو أي شيء آخر.
وقبل أيام؛ احتفلت مدينة القامشلي بمرور مئة سنة على تأسيسها، وكان احتفالاً سياسياً أكثر من أن يكون شعبياً؛ إذ جلس سياسيون فرضوا أنفسهم على صدارة مجتمع ملوّن، وتناسوا كثيرين من الشخصيات التي لا يتفقون معهم، أو لا يهمّهم أمرهم، وهي حالة ليست بجديدة. وفي وسط الزحام هبّ الفتى “عمر” ليعتلي المنصة، ويرتكب خطأ جديداً ربي عليه، لم يرق له أن يرى العلم الوطني الجديد مرفرفاً أمام السياسيين الذين أغرقوا تفكيره بأحلام ووعود، وفوجىء بأنهم يكذبون.
في “رأس العين” المدينة الصغيرة الراقدة قرب “الخابور” الذي كان ذات يوم نهراً حقيقياً، تغذيه ينابيع هنا وهناك، وبقربها تعلو أصوات الموسيقا وجلسات الفرح، ويحلو السهر. قبل عقود؛ تسلل إليها غرباء، مثل غيرها من مدن المنطقة، كانت ألسنتهم تقطر عسلاً، تمتد أياديهم في الاتجاهات كلّها محيّية، يطرقون الأبواب فجأة مبتسمين، بلطفهم يرغمون المضيف على الترحيب والابتسام والسعادة بلقياهم. يحدثونه عن أحلام كامنة في النفوس منذ قرون، لا يغلبهم أحد في الجدال، لا يطول عناد المعاند أمام حلاوة ألسنتهم وجمال ما يبشّرون ويعدون به.
كانوا قادرين على إقناع أحدهم بأن الشارع هذا بناه جَدُّك، ورمّمه أبوك، وليس لأحدٍ أن يدّعي أنه ليس لك. يهبّون لنجدة المزارع في الريف؛ إذ يحين موعد الحصاد، ويقولون: لا تبحث عن عمّال كسالى، نحن العمال ونحن الفلاحون، نحن إخوة الشعب ونبض المجتمع وآباء الديمقراطية قبل اليونان، نحن رعاة الإيكولوجيا نحمي التراب والهواء والماء من أجل مستقبل الإنسان. هكذا علّمنا القائد الأسطورة، الذي أنعم الله به على البشرية.
هكذا نشأ “عمر”، ونشأت أجيال قبله على تقديس فكر المسّاح الذي يجيد تقسيم الأراضي وجمعها. طلابٌ تركوا جامعاتهم، فضّلوا عيش الكهوف على مدرّجات العلم ومخابر التحليل والتشريح، وتواروا في جنح الظلام. فقد بعضهم حياته خلف الصخور، وآخرون ضمن الكهوف، وهلّل البقية بالانتصار!
رحل أبو عمر وعمّه، وأبناء الجيران والحيّ، وظل عمر يحلم بالثأر وتحقيق أضغاث الأحلام. لم يحتمل عقله أن يبصر علم الوطن الجديد يرفرف على منصّة تخيّل أن يجد أباه يعتليها ليلقي خطبة الأحلام المهزومة.
لم يحتمل عقله أن يبصر القائد المزعوم يميل بكتفه المنسدلة يميناً ويساراً، وهو يبتسم ويمدح الزمن الجديد الجميل لأنه انتصر بعد أن ضحّى بآلاف الشباب سُدى. آلاف هو مجرد رقم لا قيمة له في قاموس فكر القائد المختفي. آلاف هو رقم للضحايا، وهناك آلافٌ أكثر تشتتوا في شتى أرجاء المعمورة، ولكن القائد ما يزال منتصراً.
“ميرغانا” لك الفخر، ويا “عمر” لك المواساة، أنت المغدور بك، لا ذنب لك.