د. فالح الحمـــراني… جريدة المدى
أثارت التصريحات الحكومية الأخيرة في العراق، لاسيما دعوات رئيس الوزراء إلى ضرورة «التخلي عن العقلية الاشتراكية» والتوجه نحو اقتصاد السوق، موجة من الجدل الأكاديمي والشعبي حول الهوية الاقتصادية الحقيقية للبلاد. وفي بيئة صحفية وسياسية غالباً ما تخلط بين «الهيمنة البيروقراطية» و»العدالة الاجتماعية»، ويبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على طاولة البحث العلمي: هل عاش العراق يوماً نظاماً اشتراكياً حقيقياً ليتخلى عنه؟ أم أن الأزمة البنيوية الحالية هي النتيجة الحتمية لقرن من نمط «رأسمالية الدولة» الريعية المشوهة؟. واللافت ان رئيس الوزراء لم يشر الى النموذج الاشتراكي الذي ينبغي التخلي عنه: الطوباوي ام العلمي، ام الإشتراكي / الديمقراطي ام العربي ام الإسلامي ام ان سيادته يقصد رأسمالية الدولة التي غالبا ما توصف بالاشتراكية. وقد اكد مؤسسا الاشتركية العلمية في أكثر من مكان: إن مجرد تحويل وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة ليس اشتراكية حقيقية، بل هو «اشتراكية مزيفة» تحول الدولة إلى رأسمالي بديل يستمر في استغلال العمال.
ونود ان نعيد للإذهان ما غدا معروفا للجميع: إن الاشتراكية فلسفة اجتماعية وسياسية واقتصادية تُعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية والمساواة والتضامن. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تحولاً من مبادئ الفردية المطلقة والملكية الخاصة إلى سيطرة جماعية أكثر فاعلية على الاقتصاد والموارد.
من مبادئها الأساسية: الملكية العامة: مطلب رئيسي للعديد من الحركات الاشتراكية، حيث تُصبح وسائل الإنتاج الأساسية (المصانع، والأراضي، والموارد) ملكاً للدولة أو المجتمع أو الجماعات العمالية، بدلاً من أن تكون ملكاً للقطاع الخاص.
إن المعركة الحقيقية في العراق اليوم ليست بين “اليوتوبيا الاشتراكية” و”جنة السوق الحرة”. إنها معركة بين نمط ريعي طفيلي يستهلك أصول البلاد ويفقر شعبه تحت مسمى رأسمالية الدولة المشوهة، وبين ضرورة الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي موجه ومحكوم ديمقراطياً. إن تحميل “الاشتراكية” وزر الفشل البيروقراطي في العراق ليس سوى خداع مفاهيمي يراد منه التغطية على عجز النموذج الرأسمالي الريعي عن بناء دولة مؤسسات حقيقية. وكما علمنا التاريخ، فإن الاشتراكية الحقيقية تبدأ حيث تنتهي سلطة البيروقراطية وسلطة رأس المال معاً؛ وهو درس ما زال العراق يبحث عن سبيله لتحقيقه.
لإدراك الخلل في الخطاب السياسي الدارج، يجب العودة إلى القطيعة الإبستمولوجية بين مفهومين كثيراً ما يتم الدمج بينهما قسراً بين الاشتراكية الحقيقية التي تعني التحرر والديمقراطية و رأسمالية الدولة. في الأدبيات الاقتصادية والسياسية الكلاسيكية (منذ ماركس وإنجلز)، لا تعني الاشتراكية مجرد سيطرة الحكومة على المصانع. الاشتراكية هي الطور الذي تنتهي فيه “سلعنة العمل” (العمل المأجور)، وتنتقل فيه ملكية وسائل الإنتاج وإدارتها فعلياً وديمقراطياً إلى “مجالس عمالية/ شعبية منتخبَة من أسفل إلى أعلى”. في هذا النظام، يُلغى إنتاج فائض القيمة بغرض التبادل التجاري والربح، ويتحول الإنتاج بالكامل لتلبية “القيم الاستعمالية” والاحتياجات المباشرة للمجتمع. وعلى النقيض تماماً، تُمثل رأسمالية الدولة تحوراً هيكلياً للنظام الرأسمالي نفسه. هنا، لا تلغي الدولة علاقات الإنتاج الاستغلالية، بل تحل البيروقراطية الحكومية والتكنوقراط محل مجلس إدارة الشركات الاحتكارية. وكما صاغ المفكر فريدريك إنجلز في كتابه آنتي-ديهرينغ: “الدولة الحديثة هي آلة رأسمالية جوهرية… وكلما زاد تمكنها من الاستيلاء على قوى الإنتاج، كلما تحولت بالفعل إلى رأسمالي إجمالي، وكلما زاد استغلالها للمواطنين. يظل العمال عمالاً مأجورين – بروليتاريين”. في هذا النموذج، تسعى الدولة لتعظيم فائض القيمة وتراكم رأس المال للمنافسة الجيوسياسية، بينما يظل العامل مغترباً ومجرداً من أي سلطة سياسية أو اقتصادية حقيقية.
وعند إسقاط هذه المقاربة البنيوية على الواقع العراقي، يتضح زيف الادعاء القائل بأن العراق محكوم بـ”عقلية اشتراكية”. إن النظام الاقتصادي العراقي الحالي (وقبل عام 2003) هو تجسيد صارخ لـ رأسمالية الدولة الريعية المترهلة والمشوهة، وذلك بناءً على أربعة مؤشرات هيكلية: طبيعة الريع النفطي: تسيطر الدولة قانونياً على أكثر من 90% من موازنتها عبر عوائد النفط (رأس المال الوطني). لكن هذه السيطرة لا تُدار ديمقراطياً من قبل مجالس شعبية / عمالية، بل تحتكرها نخبة سياسية وبيروقراطية توزع الثروة كأدوات لشراء السلم الاجتماعي وتحقيق مصالح فئوية ضمن نظام “المحاصصة».
الى ذلك إن العامل/ الكادح العراقي – سواء في القطاع العام أو الخاص – هو عامل مأجور يبيع قوة عمله مقابل أجر نقدي تآكلت قيمته الشرائية بفعل التضخم. لا يملك العامل أي سلطة في تحديد خطط الإنتاج أو كيفية توزيع الفائض الاقتصادي.
إن تكدس ملايين الموظفين في دوائر الدولة ليس “تكافلاً اشتراكياً”، بل هو نمط ريعي لتوزيع فتات عوائد النفط بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية، مما خلق جهازاً إدارياً متضخماً يعوق التنمية ويفتقر للكفاءة.
إن تشخيص أزمة العراق على أنها “أزمة فكر اشتراكي” يقود حتماً إلى وصفات علاجية خاطئة ومدمرة يُمليها البنك الدولي، مثل “العلاج بالصدمة” والخصخصة الشاملة التي ستؤدي إلى سحق السلم الاجتماعي وتعميق التبعية للخارج.
على وفق العديد من الدراسات المختصة فإن النظام الاقتصادي البديل والأنسب للواقع العراقي يتطلب قطيعة مع رأسمالية الدولة الريعية، ولا يمر عبر الرأسمالية المتوحشة، بل يرتكز على الركائز السياسية والاقتصادية التالية: يجب فصل عوائد النفط عن أيدي النخب السياسية عبر تأسيس صندوق ثروة سيادي مستقل يُدار بشفافية راديكالية. وتُخضع الشركات السيادية الكبرى (كالنفط والموانئ) لرقابة مجتمعية وعمالية مباشرة تمنع السرية المالية والفساد الإداري.
وفي بلد يعتمد على الاستيراد، لا يمكن لـ”اليد الخفية” للسوق الحرة أن تبني صناعة أو زراعة. يتطلب الأمر تدخلاً مباشراً من الدولة عبر خطط توجيهية لحماية المنتج المحلي، وإعادة إحياء القطاع الزراعي في حوضي دجلة والفرات، وتوطين الصناعات التحويلية والبتروكيماوية لتعظيم القيمة المضافة للنفط بدلاً من تصديره كخام.
تفكيك الترهل الوظيفي في القطاع العام لا يمكن أن يتم عبر تسريح العمال، بل عبر تحويل “التعيين الريعي العشوائي” إلى ضمان اجتماعي وصحي شامل ومجاني ممول من ثروة النفط لكل مواطن. هذا الأمان المعيشي سيحرر قوى العمل الشابة للتوجه نحو القطاعات الإنتاجية الحقيقية والقطاع الخاص الصغير دون خوف من تقلبات السوق.