أريج جمال… ضفة ثالثة
ثمة مداخل عديدة للحديث عن مجموعة سلوى بكر القصصية “عن الروح التي سُرِقت تدريجيًا”، وقد صدرت للمرة الأولى في عام 1989، ثم أعاد مشروع “مكتبة الأسرة 2000” إصدارها في العام المُشار إليه في العنوان، ضمن “سلسلة الأعمال الإبداعية”، القصص القصيرة.
أحد هذه المداخل هو مشروع “مكتبة الأسرة” نفسه، إذ نشر وأعاد نشر أعمال مُهمة، مُحققًا رواجًا حقيقيًا للكِتاب بين المصريين. نُسب المشروع إلى سوزان مُبارك، قرينة الرئيس السابق، ولسنوات صدرت الكُتب وعلى الغلاف الخلفي صورة السيدة الأولى، مُذيّلة بكلمة منها تُشجِّع على القراءة وتُبيّن أهمية المشروع. في السنوات الأخيرة، توارى المشروع الطموح، وكان، إلى جانب إتاحة الكُتب بأسعار زهيدة، يصل بها إلى قطاعات كبيرة من الجمهور؛ بعض هذه الأعمال توافرت لدى أكشاك بيع الصحف – ولم يعد لها وجود تقريبًا في القاهرة اليوم – بعد أن كادت الصحافة تختفي عمومًا والورقية خصوصًا. في أثناء دراستي الجامعية للصحافة، بين عامي 2006 و2010، كان في إمكاني أن أشتري كتابًا على الأقل، كلما ذهبتُ لشراء الصحف يوميًا أو أسبوعيًا، ولم تؤثر عملية الشراء هذه على مصروفي الدراسي.
كُتب في الأدب، روايات وقصص مصرية وعربية وأعمال مُترجَمة، كُتب نقدية وعلمية وفي الفلسفة. يتداول بعض هذه المؤلفات اليوم باعةُ الكُتب على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي فضلًا عن سور الأزبكية، وتُباع طبعًا بأسعار جديدة مُختلفة. الكتاب المطبوع عليه السعر جنيهان، يُمكن أن يُباع حاليًا بمائة جنيه على الأقل، ويبقى الرقم مقبولًا – نوعًا ما – مُقارنة بأسعار الكُتب الصادرة حديثًا عن دور النشر الخاصة، إذ تتحجج الأخيرة بأسعار تكلفة الطباعة (لا حقوق المؤلف مثلًا أو المُترجِم!) ثم الورق وتكاليف استيراده ونقله، وهي فعلًا تكاليف باهظة.
رؤية كتب “مكتبة الأسرة” على رف في مكتبتي أو العثور عليها معروضة بأية طريقة يُثير لدي الشعور بالحنين، لكن أيضًا بالأسى. المشهد الحالي اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا يُنتِج نظرة إلى الكتاب بصفته عالة على مصاريف الحياة الأساسية، سلعة لا لزوم لها، إذا ما قورنت خصوصًا بالارتفاع المُطَّرد لأسعار المواد الغذائية، والكُتب التعليمية ومستلزمات الدراسة لمن لا يزال أبناؤهم في سن المدارس. وكما كانت تقول الكاتبة الإنكليزية فرجينيا وولف، فإن المرء لا يستطيع أن يفكر جيدًا ويحب جيدًا وينام جيدًا إن لم يتناول عشاءً جيدًا، فكيف يُمكن للناس أن تجلس للقراءة وقد صار الكتاب سلعة رفاهية تفوق إمكانيات الطبقات المتوسطة؟ فضلًا عن استشراء وباء إدمان تصفح وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما لا نهاية، بما هي محاولة تشتيت للعقل العاجز عن استيعاب مصادر عدة للضغط والشرود.
على أي حال، مدخل الكتاب المفقود في ظروف مؤسفة ليس المدخل الوحيد، ولعلّه، حتى على أهميته، ليس الأبرز هنا. ثمة مدخل ثانٍ، هو مدخل القصة القصيرة، ويتراجع حضورها عند القراء والكُتّاب معًا. الرواية تُباع أكثر، وتُنتظر أشد، وتُحقق لكاتبها شهرة أوسع، ولقارئها تسلية ونوعًا من وجاهة اجتماعية وسط مجموعات القراءة على وسائل التواصل. كما أن حظها أوفر في الترشح للجوائز، ببساطة لأن جوائز عديدة تُخصص لها، وإن كانت مُسيّسة أو يصعب الاتفاق مع نتائجها تمامًا، على صعيد عالمي لا عربي فقط.
على أن القصص القصيرة – في أفضل حالاتها – تتمتع بقُدرة فورية على التأثير. من القصة، يحصل القارئ على مكافأته في الحال، يمتلئ بالحالة، بالسؤال، يشتبك، يعترض، في فترة قصيرة نسبيًا، ربما تُعادل لحظة من حياته الجارية، بينما تبدو قراءة الرواية أشبه بسيرورة عُرضة للمقاطعة بأحوال الإنسان الشخصية، وتقلبات زمانه ومكانه، ومزاجاته، بل قد يموت المرء من دون أن يُكمِل رواية بعينها شرع في قراءتها ولم يُنهِها، حتى لو هام بها. القصة القصيرة، في أسوأ أحوالها، قنوعة في الوقت الذي تُهدره. وفي تجلياتها الأجمل، تملك أن تُغيِّر نظرتنا إلى العالم، وتشحننا بطاقة جمالية تجعلنا نحتمل الحياة الصعبة. إنني أذكر، لا فقط القصص التي أثرت بي، ولا كاتباتها وكُتّابها، بل أذكر بوضوح الأماكن التي قرأت فيها هذه القصص، الأرض التي مادت بي أحيانًا، عقارب الساعات التي راقبتني على الحائط. أذكرها كعلامات في مجرى حياتي. أذكر تأثير قصص الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام وأنا أقرأها في المقهى بينما أراقب الناس يُمارسون مهنهم صغيرها وكبيرها. أذكر قصتين فحسب، قرأتهما لأليفة رفعت، أديبة مصرية من العيار الثقيل، يسهل الوصول إلى ترجمة قصصها بالإنكليزية على الإنترنت، بينما قصتها “عالمي المجهول” يصعب الحصول عليها في اللغة الأصلية التي كُتبت بها: العربية. وأزعم أن هذه القصة، وقد قرأتها بهدوء في مكتبة المعهد العالي للنقد الفني ضمن موسوعة الكاتبة العربية، ولم تكن هي نفسها قصة هادئة، قد شكلت اتجاهي الأدبي بعد لحظة القراءة بسنوات.
هناك كُتّاب رواية كتبوا القصة، لكننا نُحبّ أن نذكرهم أكثر كروائيين. على سبيل المثال، الكاتب السوداني الراحل الطيّب صالح، ففي قصصه عذوبة آسرة، وكذلك الكاتبة المصرية سلوى بكر (حصلت العام الماضي على جائزة بريكس الأدبية) أمد الله في عمرها، التي تُناقَش لها رواياتها التاريخية خصوصًا، بينما كتاباتها في القصة القصيرة ذكية ومؤثرة.
وما تزال هذه القصص القصيرة قابلة للقراءة وإعادة القراءة مرات عديدة، ليس فقط لفنيّاتها، من لغة وأسلوب وقوة سرد، إنما أيضًا لأن العوالم المُحيطة بالذات الساردة لم تتغيّر بشكل حقيقي، لا البؤس ولا الألم ولا المعاناة، وإن تغيرت تفاصيلها، أو مرّت عليها يد الحداثة المموِّهة. وهذا مدخل ثالث للتعامل مع قصص كتاب “عن الروح التي سُرقت تدريجيًا”.
مقام عطية
في الكتاب الأسبق لسلوى بكر، وهو “مقام عطية… رواية وقصص قصيرة”، الصادر في طبعته الأولى عام 1986 عن دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة – باريس، نقرأ قصة “إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء”. وتتحدث عن الاقتلاع الممنهج للشجر في مدينة لا تذكر الراوية اسمها صراحة. “قبل أن أحكي الحكاية، سأقول أولًا، لماذا قررت كتابتها، بل تسجيلها بدقة، كما حدثت لي، وعشتها، وشعرت بها لحظة فلحظة، حتى أتوا بي إلى هذا المكان الرهيب، المنعزل عن العالم، والذي بتُّ موقنة تمامًا أن لا أمل في الفكاك منه، أو مغادرته إلا إلى عالم الموتى”. ولعلّ هذا الاستهلال المُقبض يُعبِّر عن حالة من الوحشة نعيشها اليوم، نحن سكان القاهرة، إزاء الاقتلاع العنيف للشجر من الشوارع الذي جرى على مدار أعوام سابقة، في عز الحديث عن أزمة التغيرات المناخية في وسائل الإعلام الرسمية.
| الطيب صالح |
“كيف أتزوج يومًا، وأنجب أطفالًا يعيشون في هذه المدينة؟ أية تعاسة ستلحق بهم عندما يتطلعون حولهم، فيها، فلا يجدون إلا غابة واسعة مزروعة بالإسمنت والألوان الرمادية والبنية، ولا أخفي أيضًا أنني خفت على أحفادي أكثر، عندما فكرت في حالهم إذا ما خرجوا إلى الدنيا، وعاشوا في هذه المدينة، من دون أن يروا زهرة أو يعرفوا معنى هذه الكلمة”. وإذا كانت سلوى بكر في قصتها البديعة هذه أقرب إلى أجواء ديستوبية، فإن بطلتها نفسها، التي قاومت قدر الإمكان وظلت مُتشبثة بأداء دورها والذهاب يوميًا إلى العمل، ينتهي بها الحال إلى الجنون. غير أن هذا الجنون الذي يستلزم إيداعها مصحًّا للمجانين كان عين العقل الوحيدة في موقف كهذا: “ويبدو أن أحدهم لاحظ أنني أقرأ الأوراق باهتمام، فاقترب مني، وأخذ يُجاذبني أطراف الحديث، ثم أشار عليّ أن أنتخب المرشح الذي ينتمي إلى حزبه، فقلت له متساءلة: هل يسعى حزبك لزرع الأشجار في المدينة بدلًا من الإسمنت؟ وهل كوّن جيشًا مُسلحًا للقضاء بجد على [حيوان] ابن عرس؟ وهل يمتلك دواءً يُمكنه أن يُعيد الفرح إلى نفسي؟”.
وعودة الفرح إلى النفس ترتبط أيضًا بالاحتياج الجمالي، الذي يُصبح السعي إليه، في ذاته، مقاومة لحالة الاستلاب. وعلى هذا يُمكن قراءة العنوان “عن الروح التي سُرقت تدريجيًا” كغياب للمسعى الجمالي، واستسلام لحالة من التشوه والتماهي مع مجتمع الاستهلاك الذي يُختزل في القصة التي تحمل عنوان الكتاب إلى حالة التحديق إلى جهاز التلفزيون، والانصراف عن الذهاب إلى السينما أو المسرح وعن قراءة الكُتب والمطبوعات. ولنُضف إلى حالة السرقة الروحية اليوم، التحديق إلى شاشات الهواتف بعد أن اختُزلت الهواتف النقالة كلها في محض شاشة، بلا حتى أزرار. لقد سُرقت الروح، لكن معها الذاكرة وجرى تبديد الانتباه، فأين الجمال إذًا من المعادلة؟
حُلم تتبعه خيبة
بطلات وأبطال الاثنتي عشرة قصة من مجموعة “عن الروح التي سُرقت تدريجيًا” يعيشون دائمًا حالة حلم، على تفاوت قوة اشتهاء هذا الحلم. في أغلب الأحيان، يرتبط الأمر بتوق إلى عيش حياة يومية أقل ضيقًا. قد يؤدي أمل في لقاء عابر إلى وعد بحياة أفضل لأم مُعيلة حين يعرض عليها الزواج رجل مُسن ويعدها بمنح بيت “بأربع حيطان” لتعيش فيه مع طفليها. وتبقى المرأة عالقة في مشهد التمنّي حتى حين لا يعود هذا الرجل أبدًا (قصة “انتظار الشمس”). أو نتفرج على أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة، تعيش فجأة على هواها، وتُفرط في التعبير عن سعادتها بالإسراف في الشراء على العكس من الحرص المعروف في هذه الطبقة، على أمل أن تحصل ابنتهم المتفوقة من الوزارة على جائزة مالية كبرى. غير أنهم يعودون جميعًا بخيبة ثقيلة تجر أذيالها (قصة “مناسبة للسعادة”). ولا تجري كل هذه المآسي الصغيرة بمعزل عن خفة الظل والروح الساخرة لدى الكاتبة نفسها، وتتجسد في مزاوجتها بين الفصحى والعامية في عبارة رشيقة ذكية تنقل الكلام والإيماءات والنوايا المتوارية من المشهد.
هناك قصص أخرى يتعذب أبطالها لغياب تقدير الجمال في الحياة، وهي الأقل عددًا في هذه المجموعة، مثل “النهر بحري والنجوم نهاري”، وفيها تسرد شاعرة بضمير المتكلم رحلتها للقاء رئيس تحرير بعيد على وعد بنشر قصيدة، وتنفق في رحلتها الجنيهات القليلة التي تملكها بلا طائل، لأن رئيس التحرير المثقف لم يعد يؤمن بالشعر ولا بجدوى الثقافة، يقول لها: “إن الموهبة لا تكفي، فالاتصالات والعلاقات، والإصرار على النشر مهم جدًا، وأنتِ واحدة، يعني ممكن تستفيدي جدًا من هذا الوضع”.
“حصل إني اكتشفت صوتي”
على المنوال نفسه، تأتي إحدى أجمل قصص المجموعة، وهي الأولى في الترتيب: “كل ذلك الصوت الجميل الذي يخرج منها”. وهي قصة قابلة للتأويل، وتصلح للتدريس ضمن منهج كتابة نسوية عربية، إذا خطر على بال أحد أن يُصمم يومًا مثل هذا المنهج. تروي القصة في الأساس تجربة حياة ربة بيت، امرأة لا تعمل، تنذر نفسها تمامًا لخدمة أسرتها؛ إنها لا تنتظر أي مفاجآت من الخارج، لكن ماذا لو أتت المفاجأة من داخلها هي شخصيًا؟
| سميرة عزام |
لا تبدأ القصة من لحظة الاكتشاف الجميلة، بل بعد ذلك بقليل: “بدا كل شيء طبيعيًا، وفقًا لطقوس اليوم المعتادة. الحجرات مرتبة ونظيفة، الأطباق على المائدة تنتظر الطعام، بينما صوت المذيع الخفيض يثرثر بأنباء ما بعد الظهيرة، التي لا تتغير عادة، لكن عبد الحميد شعر أن ثمة قلقًا يُهيمن على زوجته، ويجعلها تدسّ رأسها بين كتفيها، أكثر من المعتاد، وهي تزدرد الطعام، ولا تُجاريه في الكلام، كما يجب، فسألها:
- مالك يا سيدة؟!
- أبدًا”.
ويدفع عجز سيدة عن التعبير زوجها عبد الحميد إلى تخيُّل الأسوأ. وما هو؟ أن تكون مثلًا حاملًا في طفل جديد، ويكون رد فعله التلقائي الأول ذهنيًا هو العنف. “وفكر مغتاظًا فيما يمكن أن يفعله معها. أيضربها؟ أيبطحها أرضًا، ويركلها بقدميه حتى تدمي، وتُسقط ما بأحشائها، أم يفتح النافذة ويُلقي بها خارجًا؟”. وإن كانت الكاتبة لا تتوقف أمام شخصية عبد الحميد بصفته رجلًا عنيفًا، بل رجلًا مصريًا عاديًا من الطبقة المتوسطة، فهذا مما يجعل اكتشاف الزوجة لحدثها الشخصي السعيد يتخذ طابعًا آخر، خلاصيًّا أكثر على بساطته.
ولأنها لحظة العُمر بالنسبة إلى سيدة، فإنها تستغرق في سرد تفصيلي لأحد أيامها العادية، من لحظة إنهاء شُغل البيت إلى طلب حمام ساخن. “لكن بعد أن خلعت سيّدة هدومها، وغسلت رأسها مرتين، وبينما كانت تزيل الصابون عن عينيها، خطر لها أن تُغني لتسلي نفسها كالعادة، وما إن شرعت في أغنية ‘أحب عيشة الحرية’، حتى شعرت وكأن شخصًا آخر دخل عليها الحمّام وبدأ يغني بدلًا منها، لأن الصوت لم يكن صوتها الذي تعوّدته، بل كان صوتًا جميلًا، رخيمًا، لا يمت لصوتها بصلة”.
وكما يُمكن أن يحدث لأي إنسان في موقف كهذا، قررت سيدة أن تختبر صوتها مرة أخرى في اليوم التالي: “جن جنون سيّدة، لما بدأت تُغني، في صباح اليوم التالي، وهي تقف أمام الحوض، لتغسل المواعين المُتخلّفة عن وجبة الإفطار بعد خروج عبد الحميد والعيال، فعاودها الصوت الجميل مرة أخرى، حيث بدا خلابًا، سماويًا، فيّاضًا بالقوة والنقاء، وداخلها شعور بأنها كائن آخر لا علاقة له بسيدة التي تعرفها”.
| أليفة رفعت |
حين تبوح بالسر يهدأ الزوج الثائر ويطمئن أن جيبه لن يُثقل أكثر، فيستغرق في ضحك مُتعاطف مع سيدة، ثم يُذكِّرها بأنها “فاتت الأربعين”، ويُحذّرها من أن أي كشف للسر أمام الآخرين سيجعل منها أضحوكة. أمَّا سيدة نفسها، فتغرق أكثر في الحيرة والسؤال. إنها لا تريد أن تُصبح مُغنية شهيرة كي تجني المال لأسرتها، على نقيض ربما من أحلام الشخصيات في قصص أخرى. إن الجمال نفسه ما يفتن سيدة: “فكرت حائرة فيما ستفعله حقًا بصوتها، هذا الصوت الجميل، الذي اكتشفت فجأة أنه مدفون في داخلها، كالذي اكتشف كنزًا عجيبًا ولا يدري ما الذي يُمكن أن يفعل به. أخذت تنشط فكرها، فكانت تأتيها إجابة منطقية وحيدة دومًا: الصوت الجميل خُلق للغناء. فلماذا لا تُغني ويسمع كل الناس صوتها، وراودها شعور بأنه من العدل أن يسمع الناس صوتها، وأنه لا علاقة للصوت بالعُمر، فما المانع أن يسمع الناس صوت الإنسان بصرف النظر عن عُمره ووضعه، سواء كان رجلًا أم امرأة”.
ولأن سيدة نشوانة الآن بجمالها حديث الاكتشاف، فإنها تفكر في المجاهرة بالسر، تمامًا كما تفعل بطلة قصة أليفة رفعت “عالمي المجهول”، حين تُبلِغ عن الحيّة التي تسكن حائط المنزل وتغويها، وتؤدي الوشاية إلى قتل الحيّة، مصدر اللذة، في نوع من التدمير الذاتي. في قصة سلوى بكر، يستحيل إخبار أي امرأة أخرى بالسرّ (ولنتخيل فقط الحال لو أنها استطاعت!): “فكرت في الذهاب إلى أية صديقة لتبوح لها بالسر، كما تفعل النساء في الأفلام، لكنها اكتشفت، للمرة الأولى في حياتها، أن ليس لديها صديقة واحدة، إنسانة حميمة، قريبة إلى قلبها، غير أمها وأختها عواطف، اللتين كانت قد استبعدتهما من البداية”.
وهكذا فإن سيدة تُخبر عم عيسى البقال جارهم، الذي اعتقد للوهلة الأولى أن سيدة ستشكو له من زوجها، لكنها تُباغته، حين يسألها “إيه اللي حصل” بإجابة “- حصل إني اكتشفت صوتي”.
السرّ الذي سُرِق تدريجيًا
هل يُمكننا النظر إلى بوح سيدة الأخرق للبقال، الذي سيشي لعبد الحميد مُحذرًا من وضع زوجته الحرج، هل يمكننا النظر إليه على أنه نوع من ترك الباب مفتوحًا لسرقة السرّ، وبالتالي الموهبة؟ هل تملك النساء القوة للحفاظ على مواهبهن في مجتمعات غارقة في الاستبداد والتسلط؟ على الأقل لم تملك سيدة. وهذه هي اللحظة التي تُضيء فيها سلوى بكر مصباح السخرية، عوضًا عن تركنا نغرق في المأساة. يأخذ عبد الحميد زوجته سيدة إلى طبيب نفسي، فتندفع أمامه قائلة: “ممكن، أسمعك غنوة يا دكتور؟”، ولا يكون من الطبيب طبعًا إلا أن يصف لها قائمة عقاقير مُهدئة.
تُصدِّقهم سيدة، أو تحاول، وتنقلب على سرها الجميل عائدةً إلى بؤسها المُعتاد وربما حتى المطلوب في حياتها اليومية، وليس مُفاجِئًا أن نقرأ: “جاهدت، لم يخرج صوتها أبدًا، تنحنحت، جربت ‘أحب عيشة الحرية’، لكن هيهات أن يأتي الصوت الذي انحبس في حلقها، وكأن فلينة هائلة قد سدّته بإحكام، راحت تتنحنح أكثر، أخيرًا قررت أن تقول شيئًا آخر ‘يا ليل، يا عين’، فاجأها صوتها القديم، الذي عرفته منذ أن وعت الحياة، صوتها هي، مبحوحًا ضعيفًا، يخلو من كل جمال وصفاء وقوة، تأملت نفسها مرة أخرى، كان وجهها هو الوجه الماضي، الوجه الذي عرفته من زمان، ابتسمت بمرارة، وهزت رأسها بأسف، ثم إنها حملت علبتي الدواء لتفرغهما في المرحاض”.
